عودة المدرسة الحكومية

6


محي الدين الفاتح:
في البدء لابد لي أن أؤكد انحيازي التام لإصلاح التعليم بما يعود بالنفع لأبنائنا وبناتنا الذين يمثلون أكثر من نصف الحاضر وكل المستقبل.
يأتي هذا الولاء لأن أيادي التعليم الحكومي هي التي علمتني مع بعض أبناء وبنات جيلي، وحققت وجودي، فقد درست في حنتوب الثانوية، وقبلها طابت الأميرية الوسطي، حيث كانت الدولة تمول كافة العمليات التعليمية والتربوية بل والخدمية المجاورة من مأكل ومشرب ومسكن وعلاج بالإضافة إلي نفقات أخري متعددة.
أنا معلم بالمعاش الاختياري والذي نلته بعد عشرين عاماً عملت خلالها في المدارس الحكومية، ونلت قدراً وافياً – حينها – من التدريب في معاهد التربية المختلفة، كما عملت في معاهد التأهيل التربوي لتدريب المعلمين أثناء الخدمة.

لقد عشت – بكل أسف – التدهور المريع والسريع في مسيرة التعليم الحكومي بعد ذلك، وشهدت الهجرات الجماعية الكثيفة نحو المدارس الخاصة في الخرطوم ،من المعلمين والطلاب الذين وصلت نسبتهم إلي مايقارب نسبة70 % في ولاية الخرطوم داخل الكيانات المدرسية المسماة – دون غيرها – بالتعليم الخاص والتي بلغ تعدادها الآن بولاية الخرطوم أكثر من ثلاثة آلاف مدرسة في الأساس والثانوي دون كيانات التعليم غير المدرسي والتي تحتل فيها الرياض والمراكز الخاصة مايفوق نسبة 95%.
لقد كان حجم التدهور الحكومي كبيراً ومتسارعاً، بالدرجة التي اضطربت فيها بوصلة التعليم، واختلت كل الموازين. وذهب التعليم الحكومي أدراج الرياح, ولم يكد يبقي منه إلا القليل اسماً لامضموناً.ولم تجدِ لافتات المدارس النموذجية في إعادة الهيبة المفقودة، تلك التي تضم الفصول الخاصة العديدة،وفصول اتحاد المعلمين َيتوزع ريعها بقسمة ضيزي ،لادخل لها بتطوير التعليم.

وبالرغم من انتمائي لأسرة ارتبطت حياتها بالتعليم إذ نحن سبعة من المعلمين بدءاً بوالدي – يرحمه الله- مروراً بي وانتهاءً بشقيقاتي وأحد أشقائي الذين هجر هذا الحقل مبكراً وهاجر، من أجل تعليم أبنائه.
بالرغم من هذا، فقد عانيت الأمرين، وعاني معي الكثير من أبناء هذا الوطن الجريح، حيث لم أجد بداً من تعليم أبنائي وبناتي جميعاً بالمدارس الخاصة، مكرهاً لا بطلاً ،
ودفعت عمري وجهدي وصحتي في سبيل ذلك، وماكنت سأتعرض لهذه التجربة القياسية القاسية إذا لم تكن الحكومة قد رفعت يدها من التعليم، في وضح النهار بلا تورية أو مواربة، وللحقيقة أنني حاولت إلحاقهم بالمدارس الحكومية ولم اوفق ولم يوفقوا في الاستمرار، بسبب الفجوة الكبري بين المامول فيه والمعمول به.

إنه من دواعي سروري، ، أن ردت الثورة اعتبار المعلم بتحسبن راتبه، خطوةً أولي استباقية ، لكن لن تكتمل هذه الفرحة إلا إذا تم رد الاعتبار الكامل للتعليم الحكومي،حتي بجد المعلم نفسه، ليس من بوابة محاربة التعليم الخاص، بل من تلقاء القيام بالإصلاح الجذري للتعليم الحكومي، وجعل المدرسة الحكومية خياراً جاذباً لأولياء الأمور، بما يحقق الهجرة الجماعية العكسية، (ولو بعد حين) .
تبدا المعالجة بالنظرة الموضوعية الشاملة، وتحديد متطلبات إصلاح المدرسة وتنفيذها ،وهي معروفة سلفاً، ويمكن حصرها مبدئيا في الآتي :-


1/ توفير المستلزمات المدرسية؛ الكتب والكراسات والأدوات
2/تهيئة البيئية الدراسية الجاذبة ؛ صيانة المباني، بناء المرافق الصحية الآمنة الصحيحة؛ توفير القاعات المتخصصةبما تتطلبه من التهوية والإضاءة، والملاعب، والمسرح، والحديقة، والمصلي، والصالات، والمظلات، والساحات،والمقاصف ،ومجالس الطعام.
3/جلب الأجهزة والمعدات والوسائل والوسائط من حواسيب وطباعة وماكينة تصوير وشاشات وسبورات حديثة وأخري ذكية. مع وضع خطة قريبة ومتوسطة المدي لتمليك أي طالب جهاز (تاب) تعليمي.
4/إنشاء قاعة لمصادر المعرفة في كل مدرسة تضم مكتبة ورقية وأخري صوتية وثالثة مرئية (مشاهدة).

ََ يجب ان تسبق هذه المتطلبات وتلحق بها المناهج والمقررات الموضوعة علي فلفسة وسياسات وأهداف ومبادئ متفق عليها، قادرة على قيادة التغيير، من حيث المحتوي، والتقويم المدرسي المرتبط بالخطة علي أيام العام الدراسي وساعات اليوم المدرسية، وذلك مع تدريب المعلمين المتصل، المقرون بورش النمو المهني المدرسية الاسبوعية، مع الوضع في الاعتبار وضع اللوائح المنظمة للعمل الفني والإداري، وإجراءات الترقي علي أساس استكمال الكفايات المهنية، علي المستويين التربوي والتعليمي بناء علي المعابير والمقاييس التي يجب وضعها لتحقيق هذا الهدف.


وتأتي أهمية وضع وتطبيق لوائح ونظم الأداء المدرسي المتوازن، علي هدي سياسة موحدة في الثواب والعقاب (البدائل التربوية) حتي لايصبح (السوط سيد الموقف) مع سائر وجوه الاداء، وخلق النموذج المرجو، ( الابتعاد عن استخدام المكيفات، والموبايل – في الحصة وأثناء اليوم الدراسي و………… و………… ؛والغاء الدروس الخصوصية الفردية في المدرسة، وفي البيوت.


من غير المنطقي إطلاقاً خلق معركة في غير معترك، وتصوير التعليم الخاص بأنه هو المسؤول عن تدهور المدرسة الحكومية، في الوقت الذي كانت فيه المدارس الخاصة تعمل علي سد الفراغ الذي خلفه التعليم الحكومي،وتقدم بعض النماذج الحسنة في تهئية البيئة التعليمية، ورفع معدلات التحصيل.
وشئٌ لابد منه هو ضرورة إعادة تعريف ( التعليم الخاص) الذي يتوفر بكثرة داخل المدرسة الحكومية ذاتها، حتي يتسني لنا ان نسمي الأشياء بأسمائها، ومن ثمّ نسعي لإعادة المدرسة إلي وصفها السابق، توطئة لإصلاحها الشامل.
يجب علينا ألا ننسي – في غمرة تفاؤلنا ونظرياتنا – أن كثيراً من مدارسنا لاوجود لها علي هيئة مباني، بل هي مجرد عوالم شبه افتراضية.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!