عودة نيابة البطش والقمع

3

blank

زهير السراج
* أصدر النائب العام الانتقالي مولانا (تاج السر الحبر) أمر تأسيس بتاريخ التاسع عشر من شهر أبريل الماضي بإنشاء نيابة خاصة للجرائم الموجهة ضد الدولة ومكافحة الإرهاب، لم يظهر للعلن إلا خلال اليومين الماضيين، ولا أدري إن كان ذلك متعمدا أم لا لما يمكن أن يثيره هذا الأمر من ضجة كبيرة بسبب السمعة السيئة لهذه النيابة التي كانت بمثابة اليد الباطشة للنظام البائد ضد معارضيه، وارتكبت الكثير من الجرائم والانتهاكات التي يعاقب عليها القانون بأشد العقوبات ويجرمها القانون الدولي باعتبارها جرائم ضد الإنسانية، ولقد كنت أحد ضحاياها حيث تعرضت للاستدعاء والإبقاء ساعات طويلة والحبس والاعتقال بسبب مقالاتي الصحفية بدون ارتكاب أي فعل يعاقب عليه القانون!
* وتعرضتُ في إحدى المرات أثناء اعتقالي وأنا نائم في مبنى النيابة بالخرطوم اثنين نحو الساعة الثانية صباحا للضرب المبرح والاعتداء البدني باللكم والركل بالبوت في كل أنحاء جسمي من أحد معتادي الإجرام التابعين لجهاز الأمن حتى أغمى علي، ولم ينقذني من الموت إلا عناية الله وتدخل أحد جنود الشرطة الذي حملني خارج غرفة الاعتقال ووضعني على كرسي جلوس وسقاني بعض الماء، بينما كان المعتدى يرغى ويزبد ويشتم بأسوأ الألفاظ أقلها كلمة (كافر)!
* كما تم تهديدي من نفس الشخص بالقتل ودفني بدون أن يعلم أحد مكاني بعد عدة أيام من الحادثة، وكان ذلك في مكتب وكيل النيابة وفي حضوره بعد ان تسرب للرأي العام نبأ الاعتداء علي فاصدر عدد من الزملاء الصحفيين بيانا نددوا فيه بالواقعة وهددوا بالإضراب، وأدانه الصادق المهدي في خطبة عيد الفطر وزارني عند الافراج عنى في منزلي مواسياً ومؤازرا، بالإضافة إلى عدد كبير من السياسيين والصحفيين!
* لن تصدقوا إذا ذكرتُ لكم أن الاعتداء الذي وقع علي كان بتعليمات من وكيل النيابة نفسه (رجل القانون او هكذا يفترض ان يكون) الذي استاء من ردي عليه له أمام جمهرة من المعتقلين والعساكر عندما وجدني أتوضأ لأداء صلاة العصر وكنا قد تصادفنا أمام مكان الوضوء (الوضاية) فسألني ماذا أفعل فأجبته بأنني أتوضأ، فسخر منى قائلا (انت العرَّفك بالدين والصلاة شنو)، فأجبته (لو في زول ما بيعرف الدين والصلاة هو انت موش أنا، لانو البتعمل فيو ده ما بيعملو زول بيعرف الدين والصلاة)، فانفعل وأصدر على الفور أمرا بوضع القيود على يدي وإلقائي في زنزانة ضيقة بدون أن يسمح لي بالصلاة، وهددني قائلا (ح أدبك)، وبالليل تم الاعتداء علي بواسطة متعهد الجرائم التابع لجهاز الأمن، وتهديدي بعد عدة أيام بالقتل (ونغطسك في حتة ما في مخلوق يعرفك وين)!!
* لم أكن بالطبع الوحيد الذي تعرض من النيابة لذلك النوع من المعاملة، وانما كثيرون جدا، أذكر من بينهم الدكتور (مضوي إبراهيم) أستاذ الهندسة بجامعة الخرطوم الذي كثيرا ما كنت أصادفه في مبنى النيابة عند اعتقالي أو استدعائي وإحضاره من سجن كوبر للتحقيق، ولم يكن أحد يحقق معه وإنما كان يترك ساعات طويلة في مقر النيابة كنوع من الذلة والمهانة والتخويف، ثم إعادته إلى السجن وإحضاره مرة أخرى، وظل ذلك يتكرر طيلة الفترات الطويلة التي كان يتعرض فيها للاعتقال !
* عندما سقط النظام البائد كان إلغاء تلك النيابة التي تغير اسمها من نيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة إلى نيابة أمن الدولة، من أول القرارات التي صدرت من السلطة الجديدة باعتبارها من أسوأ مظاهر النظام البائد، ولكن ها هو النائب العام الانتقالي يعيدها من جديد، بل يوكل إليها سلطات إضافية بالتحقيق والتحري والإشراف على التحري في بعض الجرائم المنصوص عليها في القانون الجنائي لعام 1991 تتعلق بالحريات العامة، وهو أمر من الغريب ان يصدر من سلطة انتقالية مسنودة بثورة شعبية كان شعارها الرئيسي حرية سلام وعدالة، ومن أوجب واجباتها ومهامها تمهيد الاجواء لمجتمع ديمقراطي بتنقية القوانين من المواد القمعية سيئة السمعة، وليس تأسيس نيابة تقنن وترسخ وجودها وتصادر حقوق وحريات الناس!

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!