فرجيينا وولف و(حبة) ضد الاكتئاب

6

د. إشراقة مصطفى حامد

كتاباتي ورسائلي لفرجيينا وولف التي بلغت العشرين رسالة كتبتها ذات خذلان كبير في عام ليس بعيد… 2012.. حين ارتطام… حين ركل… حين خذلان… حين زيف… حين نفاق كبير…حين بكى الاتساق على صدر الليالي ومازال الوفاء أغنيتي الخالدة في طريق أمشيه وحدي ولست وحيدة. لولا هذه الرسائل وما التهمته أيامها في مكتبة سلاو ولاحقا في فيينا لفرجينيا وولف وكتاباتي لها لما طابت روحي وأثمر وجعها.

رسائلي التي كتبتها ذات زمن مضى لها أخرجتني من الجب مبلولة بالحياة ونافضة ما علق في قاع قلبي من أحزان سالبة… هنا مقطع من رسالة كتبتها لها وهي تعبر عن أحوال النفس في كل تناقضاتها. وأعود إليها لتندي بتلات روحي.
——————

يا فرجيينا، هانذي احكيك عن أنهاري، عن أمواجي وعن أحجاري،
أحكيك عن امرأة جاءت مُحملة بجراحاتها وشجونها وعشقها وخذلانها وأحلامها الكبيرة، أحكيك عن جمرة وجدتها ذات جبل تحت رماد الحكايا، جمرة أقبض عليها، تؤلمني وتشعّ في قلبي كلما (فللّ) ليل الحنين.
نهرك مرآتي، حكاياتي لمعة نهرك الذي يعرف سرك وسري.
كان الزمان نهاية أغسطس من أعوام الرماد
مشي الرفات عليّ ولم يكن أنيني يهوي بل من كنت، لاشيء يؤلمني أكثر من الجحود والتماهي في ذكورية القلب. لاشىء أبدا. لاتنامي يافرجيينا، الآن فقط بدأت حكاياتي معك، هنا قرب النهر.

قبالة نهرك ذاك حكيت لك، عرفت أسرار اكتئابك، الاكتئاب هو أن تجد نفسك بعد نزوع طويل نحو الذات، أن تفتحي قلبك الكبير وتنثري عليه الملح ودرر الدمع، أن تجدي عذرا لكل خدشة في القلب، لكل جُرح، لكل عابر.
الاكتئاب هو أن تتعرى، تتعرى حتى تبان لحمة الضوء في حبيبك ثم تمضي في حال سبيل قلبك.. حال سبيل قلبه.. حال سبيل الإنسان.
نعم، غرفة يافرجيينا، الغرفة ذات الجدران التي تحمينا، الجدران التي ألوذ لها بحنان، أحكيها وتحكيني وتلمني في ثنايا طينها، الجدران البعيدة، جدارن البيوت الفيناوية، الجدران التي حكتني قصص الحروب والفقر وقصص شجر التفاح.
العُزلة هي أنا. هي أنت.. الدخول في شرنقة الوحدة العذبة، أن تبقى بفانوس داخلك يضيء شجنك وحاجتك للصراخ… ولكن هل هناك حاجة للصراخ؟ أم هناك حاجة لنضحك، نضحك مع الراكضين والراكضات نحوهم، نحونا.. نحو إنسان.

هذه المرأة ذات الشجون، التي تجلس قبالة روحك التي تملأ المكان تؤمن بالإنسان، تؤمن بتناقضاته واتساقه، وكلما صفعتها الدنيا أدارت لها أناشيد التحدى.
آه يا فرجيينا، أخاف عليك إن حكيتك عن الصفعات، الصفعات المرة ولست يسوعا لأدر خدي الآخر، لن أدر خدي لن أدر إلا نحو الامام.
رأيتك، ترفعين راية فكرتك الأولى، رأيتك بعينين متسعات نحو جنوني:

أحسُ بعدك بأني عارية واشجار جسدي بلا لحاء
شىء ما ضاع مني وأنا في تيه التراب.. أبحث عن قبر آمن لا تكنشه الكلاب غير الوفية
الكلاب.. اخاف منها ويعشقها بعض أهلك.
الكلاب وفيه لأهلها.. قالوا
وأنا يسندني أهلي، يعيدون رمادي إلى جبله، جبل الرماد، الجبل الذي كنته تمخض عن رماد والرماد أسطورتي، الرماد اسطورة قلبي العنقاء الرماد فأر جميل يأمن قطط قلبي.
الجمرة التي تشعّ الآن تدلني نحوك، نحوهم، نحونا.

سؤالك يافرجيينا عن من أكون؟
هل تؤمنين بتناسخ الأرواح؟
أؤمن بالخير اكثر، الشرّ ليس بعيد.

سألتك.. أي موجة أنا وسط هذه الأمواج الهادرة في بحر حبيبي؟
من حبيبي؟
من حبيبك؟
من سوى سطوة الكتابة الحرة؟ الكتابة التي هي الأنثى التي تسكنني وتسكنك
هي التمرد لأحل الغناء
العالم كله غابة
ينبغي أن يكن غابة لتمردنا..
واقول..
وتقولين كما أقل: المرأة العاشقة بلور شفاف يكشف خبايا النفس
وهمً حلو، وهم من يمنحك مطره وبروقه وتمنحينه كل نبضك، الوهم المسمسم، وهم الأحجار التي كلما قربتها من قلبي منحت أجدادنا القدماء قدرة التأمل في خراب الكون، أحجار كلما نحتها بان الماء… الماء هنا وأنا عطشى، الماء هنا وأنت تغرقين عطشى؟ هل رواك الموت؟ هل كان خلاصك الأبدي؟

هنا، معك، قرب نهرك نحكي،
تجلجل ضحكاتنا، نحزن ونبكي أحيانا
أكتبي ماتؤمني طالما أنت قادرة أن تكوني متسقة مع فكرتك وتحويلها إلى ثمرة قادرة أن تبرئ الجروح..

سمعتك تهمسين:

الكتابة ليست محض حروف، بل هي معاني الحياة، هي المرآة التي نرانا فيها بكل سوءاتنا وظلمنا للآخر.
آه يافرجيينا، كتابك الذي اصفرت أوراقه تحكيني روائحه عنك، القراءات العميقة، الأمر ليس (لايكا) عابرا لأمر قلوبنا في الأسافير..
اسفيرك هنا .. في هذا النهر
الفضاء الذي أمامي الآن،
الجبل الذي خلفي وفي قلبي
ورماد تشع تحت ابطئه جمرة الحياة.

——————–
مقطع من رسالة طويلة إلى فرجيينا وولف، أحلم أن ترى النور في يوم من الأيام بين دفتي كتاب.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!