فرص وعقبات تحقيق السلام العادل عبر منبر جوبا

3


ناصف بشير الأمين:

أثبتت التجربة السياسية السودانية في مرحلة ما بعد الاستعمار استحالة تحقيق السلام في غياب الديمقراطية أو تحقيق التحول الديمقراطي في غياب السلام. لقد جرب السودانيون محاولات تحقيق السلام في ظل غياب الديمقراطية في ظل ديكتاتورية نميري وفشلوا، وجربوا محاولات بناء نظام ديمقراطي دون تحقيق السلام وفي ظل استمرار الحرب بعد انتفاضة أبريل 1985 وفشلوا أيضا. لا نحتاج أيضا لخطاب مطول للتدليل على استحالة تحقيق الأمن والاستقرار حتى خارج مناطق الحرب التقليدية دون الوصول إلى سلام وإعادة هيكلة القطاع الأمني بالكامل، وأن الأمر ذاته ينطبق على الخروج من الأزمة الاقتصادية المزمنة وتخفيف حدة الاحتياجات المعيشية اليومية للمواطن. وقد خلقت ثورة ديسمبر 2018 فرصة حقيقة ونادرة لتحقيق السلام العادل والتحول الديمقراطي كحزمة واحدة وايقاف جميع الحروب. فالسلام هو أحد الأهداف المركزية لهذه الثورة والذي عبر عنه شعارها: “حرية سلام وعدالة”. وبالرغم من وقوع أكبر حدثيين في تاريخ السودان الحديث وهما انفصال جنوب السودان وارتكاب الإبادة الجماعية في دارفور؛ وهما حدثان مرتبطان بالنزاع المسلح وجذوره السياسية والاقتصادية والثقافية ويستدعيان إعادة النظر في كامل المشروع الوطني، لا تزال بعض القوى السياسية في مركز السلطة لا تعتبر السلام أولوية وشرطا للبقاء المجرد للدولة السودانية، وتتعامل معه كموضوع للمناورات السياسية والتنافس الحزبي، في ظل الغياب الكامل لأي منظور استراتيجي.

بالإضافة للظروف الجديدة التي خلقتها ثورة ديسمبر 2018 المجيدة والتي تزيد من فرص الوصول إلى سلام عادل وشامل وبأسرع ما يمكن عمليا، هناك عامل إيجابي هام آخر وهو توفر الإرادة السياسية الحقيقية والجادة لدي طرفي عملية السلام الجارية في جوبا تحت رعاية ووساطة حكومة جنوب السودان منذ سبتمبر 2019: الطرف الحكومي والجبهة الثورية السودانية. ومثلما أن للسلام صناعه وأنصاره له أيضا أعدائه التاريخيين وعلى رأسهم عناصر النظام القديم والجماعات الإسلامية والقوموية المتطرفة وهؤلاء دوافعهم وأهدافهم مفهومة ومعروفة، ولكن اللافت هو تبني بعض الأحزاب وعلى رأسها الحزب الشيوعي السوداني مواقف معلنة – سيسجلها التاريخ – معارضة أيضا لعملية السلام، وهي مواقف تثير أسئلة كثيرة؛ فلماذا يعارض حزب كالحزب الشيوعي عملية وقف الحرب وتحقيق السلام ووساطة دولة مثل جنوب السودان؛ في ظل هذه الوقائع والمعطيات وفي هذه اللحظة المفصلية من تاريخ شعبنا، ولماذا تتطابق مواقفه مع مواقف النظام القديم!؟ واشتطت هذه الأحزاب المعارضة لعملية السلام في مواقفها لدرجة أنها لم تدعم أو ترحب حتى بالاتفاق الإنساني الخاص بتوصيل الإغاثة للمحتاجين في مناطق الحرب والنزوح الذي توصلت له الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال مع الحكومة الانتقالية، وتم بموجبه توصيل العون الإنساني للمحتاجين بعد 9 سنوات من حصار هذه المناطق واستخدام النظام السابق للطعام والدواء كسلاح من أسلحة الحرب، وكذلك إطلاق سراح أسرى الحرب، وهو اتفاق انساني وكان من المؤمل أن يلقى الترحيب والدعم من مختلف القوى السياسية من منطلقات إنسانية بحتة بعيدا عن الخطوط السياسية.

لم تكتف القوى المعارضة لعملية السلام بعدم الدعم وإنما نظمت حملات دعائية تطعن وتشكك في جدية ومصداقية ومشروعية العملية التفاوضية الجارية في جوبا وحاولت وضع كل العراقيل الممكنة أمامها، وظلت تدفع بمشاريع ومقترحات للحكومة تتعارض مع إعلان المبادئ الذي تقوم عليه عملية السلام، أو تتعارض مع الاتفاقات التي تم التوصل إليها بالفعل مثل مقترح المصفوفة، أو ترشيح أسماء لشغل مواقع تنفيذية مرتبطة بعملية السلام أو تنفيذه وهي معروفة بمواقفها المعارضة لعملية السلام، والغرض الواضح طبعا هو نسف مجمل العملية السلمية عبر دفع الحكومة لخرق اتفاقات لم يجف حبر التوقيع عليها، وهي غير عابئة بالنتائج الخطيرة التي يمكن أن تترتب على نسف عملية السلام. ولم يعد هناك ما يفرق بين مواقف أعداء السلام التاريخيين من الإسلامويين وشركائهم في التطرف وبين معارضي عملية السلام من نخب اليسار.

كانت أولى الحجج التي تبنتها هذه القوى لتبرير معارضتها للسلام هي أن قوى الجبهة الثورية السودانية تفاوض المكون العسكري من المجلس السيادي دون المكون المدني. ومع تهافت هذه الحجة وعدم صحتها من ناحية وقائعية حيث يضم الوفد الحكومي المفاوض أعضاء من مجلس السيادة عسكرين ومدنيين على السواء مثلما يضم أيضاء عدة وزراء من الحكومة وممثلي وزارات وهيئات حكومية وضم لاحقا ممثلين لقوى الحرية التغيير، فإن الوفد الحكومي المفاوض – وبغض النظر عن تركيبته – يمثل الحكومة الانتقالية التي يفترض أنها تمثل بدورها هذه القوى المعارضة للسلام والتي كونتها هي نفسها وأخذت حصصا فيها. وأنا أجد صعوبة في فهم موقف قوى تكون حكومة بموجب وثيقة شراكة وضعتها بنفسها ثم تأتي لتزعم أن هذه الحكومة لا تمثلها سواء في مفاوضات السلام أو في غيرها من القرارات الحكومية! والأهم من كل ذلك هو أن الجبهة الثورية غير معنية بتكوين الوفد الحكومي ولا يحق لها التدخل فيه مثلما لا تملك الحكومة حق الاعتراض أو التدخل في تكوين وعضوية وفود الجبهة الثورية؛ ولعل هذه بديهية سياسية وقانونية؛ ولكنا نعيش في زمن نخبة سياسية نحتاج فيه لإثبات البداهات. وإذا كان هناك خلاف حول تكوين الوفد الحكومي فهو خلاف يحسم في الخرطوم وليس جوبا والجبهة الثورية ليست طرفا فيه ولا تتحمل بالتالي أدنى مسؤولية عنه على أية حال.

من الحجج التي طرحها بعض معارضي عملية السلام أيضا أنها أخذت وقتا طويلا. يتعامى هؤلاء المعارضون عمدا عن حقيقة أن تحقيق السلام العادل والدائم عملية معقدة بطبيعتها لأنها تخاطب قضايا سياسية وأمنية معقدة ومظالم تاريخية اقتصادية واجتماعية وثقافية كثيرة ومتشعبة وتدخل في صميم أزمة غياب مشروع ذي مصداقية للبناء الوطني وبناء الدولة منذ الاستقلال، ولأنها تضم أيضا عدة أطراف في النزاعات المسلحة وعددا من مناطق النزاع في الهامش لكل واحدة منها قضايا معينة ذات خصوصية محلية تخصها دون المناطق الأخرى كقضايا الحواكير في دارفور كمثال. ويتجاهلون أيضا أن معارضتهم لعملية السلام وحملات التشكيك فيها والطعن في مصداقيتها قد تسببت أيضا في تأخيرها من خلال ارباك الطرف الحكومي الذي يفترض أنه يمثل هذه القوى. وتجدر الإشارة هنا أيضا الى التأخير الناتج عن جائحة الكرونا والظروف التي خلقتها.

من الاعتراضات التي كثر ترديدها أيضا الاعتراض على وساطة حكومة جنوب السودان باعتبارها جهة أجنبية مصحوبة بالدعوة لنقل المفاوضات للخرطوم، أول ما تنبغي الإشارة إليه هنا هو أن الجنوب لا يزال في عقول وقلوب معظم السودانيين في الشمال والجنوب جزءا لا يتجزأ من السودان الكبير وليس بلدا أجنبيا، وأنه يجب أن تظل العلاقة بين السودانين: الشمال والجنوب علاقة ذات طبيعة استثنائية ودرجة خاصة. كذلك فإن حكومة الجنوب وخلافا لكل الدول التي توسطت من قبل في عملية صنع السلام في السودان ليس لديها في الواقع أية مطامع استراتيجية في الشمال، فالجنوب لديه من الأراضي والثروات ما يكفي كل السودان ويزيد، بل أن لديها مصلحة حقيقية في تحقيق السلام والاستقرار في السودان لأنها (أي حكومة الجنوب) تدرك أنه شرط يصعب في غيابه تحقيق السلام والاستقرار في الجنوب؛ وهو الوعي الغائب عن عقول أحزاب النخب التي تعارض السلام في الخرطوم. وقد انعكس ذلك عمليا في نهج وأسلوب الوساطة الجنوبية التي لم تمارس أية ضغوطات على الأطراف أو تدخلات غير حميدة في سير المفاوضات، ووفرت مناخا غير مسبوق للتفاوض في ظل أجواء صديقة ومحايدة شهد بها الطرفان والمنظمات الدولية والإقليمية الشريكة في العملية، وبذلت كل جهد ممكن لاستضافة الوفود بكل الكرم السوداني الأصيل وتسهيل تحركاتهم وتوفير كل المعينات المساعدة لنجاح التفاوض رغم إمكاناتها المادية المحدودة. الحقيقة الهامة الأخرى التي تتغاضى عنها عمدا القوى المعارضة للسلام هي أن منبر جوبا يشمل عمليتي سلام في الواقع وليس عملية سلام واحدة يمضيان معا في مساريين متوازيين: سلام السودان الذي تتوسط فيه حكومة الجنوب وسلام الجنوب الذي تتوسط فيه حكومة الشمال؛ وقد نجح الجنوبيون في الوصول إلى اتفاق سلام قبل الشماليين، ولعل السبب في ذلك، من بين أسباب أخرى، هو عدم وجود قوى سياسية في الجنوب تعارض السلام كما هو الحال في الشمال. لهذا الأسباب تمثل وساطة حكومة جنوب السودان أحد العوامل الرئيسية التي من المؤمل أن تقود إلى النجاح في تحقيق السلام العادل والشامل في السودان، على العكس تماما مما يروج له معارضو السلام. ويرى الكثيرون في نجاح عمليتي السلام في الشمال والجنوب بأيادي السودانيين أنفسهم المدخل للبدء في تصحيح العلاقة بين البلدين والدفع بها نحو تحقيق حلم بناء اتحاد سوداني بين دولتين مستقلتين.

إن إحدى القضايا الرئيسية في أجندة مفاوضات السلام هي إعادة هيكلة القطاع الأمني والذي يعتبر أكثر القطاعات التي خضعت لعمليات الحزبنة والتسيس المنهجي والمؤسسي في ظل النظام السابق في إطار سياسة التمكين، وهو القطاع الذي ظل يعتمد عليه النظام السابق بشكل شبه كامل في بقائه في السلطة. لقد اسقطت ثورة ديسمبر حكومة المؤتمر الوطني، ولكن لا يزال النظام القديم حاضرا لحدود كبيرة في القطاع الأمني، مثلما لا يزال يسيطر على الاقتصاد وموجودا في مختلف قطاعات الخدمة المدنية والنظام العدلي. ويوجد حاليا حوالي 13 جيشا ومليشيا بهئيات أركان وعقائد عسكرية مختلفة بما فيها مليشيات النظام السابق وكتائب الظل التابعة له. ولا يمكن لعاقل أن يتصور وجود إمكانية لتحقيق الاستقرار الأمني والسياسي ناهيك عن بناء نظام ديمقراطي، دون إعادة هيكلة كامل القطاع الأمني من خلال حل جميع هذه الجيوش والمليشيات وبناء جيش وطني مهني واحد. ويصعب كذلك عمليا عودة القيادات العسكرية لقوى الكفاح المسلح للخرطوم دون الوصول إلى اتفاق حول الترتيبات الأمنية بالذات. والجزء الخاص بالترتيبات الأمنية في عملية السلام الجارية حاليا هو الوسيلة ذات الفعالية والمصداقية (الوحيدة) المتاحة حاليا أمام السودانيين لإعادة هيكلة القطاع الأمني وبناء جيش مهني واحد مستقل وغير مسيس، يعكس التنوع السوداني، ويدين بالولاء للدولة السودانية وليس لحزب أو طائفة أو جماعة معينة، وبعقيدة عسكرية جديدة تقوم على احترام الدستور والقانون والدفاع عن تراب وحدود البلاد وسيادتها أمام العدوان الخارجي. وتشمل إعادة الهيكلة جهاز الأمن والمخابرات والذي ينبغي أن يتحول أيضا إلى جهاز مهني مستقل غير مسيس تنحصر مهمته في جمع المعلومات وتحليلها ورفعها للجهات المختصة، دون أن تكون له أية صلاحيات وسلطات تنفيذية لقبض واعتقال الأشخاص. وقد تم الاتفاق بالفعل على كل قضايا الترتيبات الأمنية أو معظمها في المفاوضات الخاصة بمسار المنطقتين. ويثور السؤال هنا حول الآليات العملية البديلة التي تملكها القوى التي تعارض عملية السلام في الخرطوم لإعادة هيكلة القطاع الأمني على الوجه والكيفية المشار إليهما!

مفاوضات السلام شكلت أيضا فرصة ثمينة لإصلاح عدد من الأخطاء الجسيمة التي ارتكبتها ذات القوى التي تعارض عملية السلام في الوثيقة الدستورية التي انفردت بصياغتها دون قوى الكفاح المسلح، ومحاولة رتق الثقوب الكثيرة التي احتوتها تلك الوثيقة المعيبة والتي يتحمل مسؤوليتها واضعوها سواء تمت بقصد وتواطؤ أم لضعف أو انعدام الأهلية. وقد تضمنت أجندة مفاوضات السلام عدة قضايا مركزية يتوقف عليها التحول الديمقراطي وإعادة تأسيس حكم القانون وتصفية تركة التمكين مثل نظام الحكم اللامركزي وعدالة قسمة السلطة والثروة، الدستور الدائم وعقد المؤتمر الدستوري، حماية حقوق الإنسان وإنشاء وزارة متخصصة لذلك، إعادة هيكلة المنظومة العدلية وضمان استقلال القضاء، إنشاء عدة مفوضيات للحريات الدينية والأراضي والخدمة المدنية والعدالة الانتقالية وغيرها من القضايا الهامة التي لا يتسع المجال لها.

أشير أخيرا إلى أن عملية السلام قد شارفت بالفعل على الانتهاء، وهي الحقيقة التي يتغاضى عنها معارضو السلام وأعدائه وقد تم الاتفاق على معظم القضايا في كل المسارت، وكذلك أغلب القضايا القومية التي بدأ التفاوض حولها في الأسابيع الأخيرة، ولم يتبق غير القليل جدا الذي يحتاج لإرادة وقرارت سياسية من الحكومة الانتقالية. وأن مسيرة السلام ستمضي في الغالب نحو غاياتها النهائية وهي تحقيق السلام العادل ووقف جميع الحروب في السودان، وتحول قوى الكفاح المسلح الى العمل السياسي السلمي وانخراطها الكامل في عملية التحول السياسي الديمقراطي، رغم معارضة بعض النخب الخرطومية التي لا تستطيع ايقاف مسيرة عملية السلام مهما استخدمت من حيل وتكتيكات يائسة، فهي لا تقوى على الوقوف أمام إرادة تحقيق السلام وقوة الدفع الشعبية والسياسية التي تقف خلفها، وإن كانت قد تسببت في تأخيرها. وأتوقع أن يتم التوقيع على اتفاق سلام نهائي في الموعد المضروب لذلك في العشرين من شهر يونيو الجاري 2020 أو في وقت قريب منه.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!