فض الاعتصام.. سودان مابعد 29 رمضان سيختلف كلياً عما سبقه

6


على الرغم من أن التاريخ الدموي للسودان، من لدن محمد باشا الدفتردار و لورد كتشنر حتي المشير جعفر نميري والمشير عمر البشير، متصل الحلقات ، مجزرة ..مجزرة ،ومذبحة.. مذبحة، إلا أن ما تم التواضع عليه باسم “مذبحة-مجزرة القيادة”، التي تقترب الآن ذكراها الأولى، خَلَّفت من الجراح في دواخل السودانيين، رجالاً ونساء، مالم تخلفه أي حادثة مماثلة ، بما في ذلك قريبة العهد من تلك المآثر الدموية ، من قبيل مجزرة سبتمبر 2013، التي حصدت أكثر من 200 شاب وشابة من المحتجين السلميين، وفق العديد من المصادر،ومجزرة بورتسودان،و28 رمضان ، ومذبحة طلاب الخدمة الوطنية بمعسكر العيلفون، ومذابح دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق والجنوب …الخ.وسيظل هذا الحدث،جرحاً نازفاً في الوجدان السوداني، لوقت طويل،ومصدراً لآلام لاتنتهي، لما انطوى عليه من انتهاك ممنهج وغير مسبوق لمجموع القيم الأخلاقية،كافة،التي تواضع عليها السودانيون.
فبعد مضي مايقارب العام على حدوثها، فإن تلك المأساة الوطنية الهائلة (29 رمضان-3 يونيو)، لازالت تقبض على أنفاس السودانيين وتجثم فوق صدورهم ككابوس، منذ أن أفاقوا من الصدمة في اليوم الأخير من الشهر الحرام، مسحوقينٍ بمشاعر فياضة من مزيج الغضب والخذلان والحزن المرير ، وفي وقت ينتظر فيه أن تقدم لجنة تحقيق بقيادة المحامي نبيل أديب، هي الثالثة من نوعها منذ وقوع الجريمة، تقريرها إلى النائب العام ليحيله بدوره إلي المحكمة. فقد انقضى العام ، تقريباً ،دون أن يشهد محاكمة أي من المسؤولين عن فض الاعتصام السلمي أمام القيادة العامة للقوات المسلحة ، في قلب الخرطوم، بالعنف المفرط ، والذي أودي بحياة العشرات من أبناء وبنات الوطن، بجانب الجرحي والمفقودين، وفاقدي الذاكرة،وهو ماجعل هذه الحادثة المأساوية تلقى بظلالها الثقيلة القاتمة على المشهد السياسي برمته، وينتظر من التقرير الذي ستصدره لجنة نبيل أديب ، خلال اسبوعين ، وفق إفادته في وقت سابق،أن يحدد مساراً واضحاً للقضية ، ومآلاتها ، وللخروج بالوضع العام الراهن،المعبر عن توازن هش للقوى المكونة له، من نفق الأحتقان المسدود،ومن حالة التأزم المهيمنة، وبجانب كل ذلك،هو وضع لايني يتفاقم وهو يتغذي من هواجس وخشية افلات المجرمين من العقاب.
تشكل أزمة مجزرة القيادة تحدياً مزدوجاً للفترة الإنتقالية، وللسلطة الإنتقالية،معاً . فهي اختبار للعدالة ، أحد ثلاثة أهداف ومبادئ طرحتها ثورة ديسمبر(حرية –سلام-عدالة)، في وقت تترسخ فيه قناعات لدى الكثيرين بتصدر المجلس العسكري الانتقالي ، الذي يكون بعضه-الآن- جزء من المجلس السيادي ، قائمة المتهمين بارتكاب المذبحة، بما ينطوي عليه ذلك من احتمال سعي هذا المكون العسكري للسلطة الانتقالية، لتعطيل العدالة أو التأثير على مسارها بشكل أو آخر، من جهة ، وهو أمر يهدد- من ناحية ثانية- الشراكة بين المكونين، المدني والعسكري ، التي تم التوافق عليها في المفاوضات التي جرت بوساطة اقليمية ودعم دولي ، كأداة لتنفيذ مهام الانتقال وصولاً للحكم المدني الكامل ، بعد نهاية الفترة الانتقالية، من جهة ثالثة. فأعضاء المكون العسكري ، للسلطة الانتقالية، الذين تشير إليهم أصابع الإتهام ، قد يجدون، في نهاية المطاف، أن استمرارهم في السلطة، والانفراد بها، بما يتضمنه ذلك من قطع الطريق أمام الانتقال للحكم المدني والديموقراطي،هو خيارهم الحتمي والوحيد،الذي يشكل حماية لهم من المساءلة القانونية عن التقصير في حماية المحتجين السلميين، على الأقل ، إن لم تكن عن التخطيط للمجزرة والإشراف على تنفيذها، وهو مايشكل ، بدوره، أختباراً جدياً للشراكة، قد يهدد مستقبلها. لقد خطّت مجزرة فض اعتصام القيادة حداً فاصلاً بين عهدين وسودانين، بعد أن وضعت البلاد في حالة اللايقين السياسي التي تعيشها، حالياً، وتنفتح على شتى الاحتمالات، المواتية وغير المواتية، على السواء . فقد أحدثت محرقة القيادة،مجزرتها ومذبحتها، شرخاً كبيراً وعميقاً،في البنية التحتية للنظام السياسي بأكمله، حين وضعت الكل في مواجهة الكل.وشمل هذا الشرخ والتصدع العلاقة بين الشعب والقوات النظامية ، بكل تكويناتها، ولم يوفر-حتى- تلك القوات نفسها ، التي ينظر لها تقليدياً، كحامية للوحدة الوطنية ، بجانب مهامها الدستورية الأخرى. ومن ذلك أن قائد قوات الدعم السريع ، الجنرال محمد حمدان دقلو ، حميدتي، النائب الأول لرئيس مجلس السيادة، قد أكثر من الحديث، في عديد المناسبات، عن استهداف قواته، وانتحال اسمها ورسمها، من قبل جهات لم يسمها، هي على الأرجح قوة تندرج تحت مسمى القوات النظامية، المعمول به رسمياً. وقال حميدتي أن عملية فض الاعتصام كانت فخاً استهدف به قوات الدعم السريع .وأوجدت الحادثة-“كتلة القيادة”،كما ينبغى أن تسمى،قياساً على تجارب الماضي، أيضاً، حاجزاً سميكاً من الشك المتبادل وعدم الثقة بين طرفي الشراكة ، المدني والعسكري، على مستوى السلطة، ما وقف عائقاً امام عملية التقدم في انجاز أهداف وبرنامج المرحلة، الأمر الذي يمثل مهدداً لعملية التحول الديموقراطي بمجملها. لم تكن جريمة فض اعتصام القيادة، حدثاً عادياً ،منذ أن جسد الاعتصام ، الذي شارك فيه مواطنون من العاصمة ومن مختلف انحاء البلاد،توافدوا في مشهد استثنائي لدعم الإعتصام ، وتحول خلال الفترة من 6 ابريل الى 3 يونيو،إلى طريقة حياة متكاملة، ومختبراً لميلاد سودان جديد ، وتجلياً للثورة في أقصى تعبيراتها وأشملها، أكثر من كونه مجرد احتجاج سلمي غير مسبوق، وبالمقابل ، يمكن النظر إلي جريمة فض الاعتصام، كمشروع أمني- سياسي ، لم يعوزه الغطاء الديني المستعار من “الامام مالك”، تبلور منذ وقت مبكر داخل النظام ولجنته الأمنية، لغرض احتواء الثورة، واحباطها،لكنه تحول بعد 11 أبريل،تأريخ انقلاب اللجنة الأمنية على رئيس النظام، إلى مفردة من مسعي حثيث-واستباقي،أيضاً، لأي تحرك محتمل لصغار الضباط ينحاز للثورة- لإجل انفراد اللجنة الأمنية بالسلطة،ووراثة النظام المباد، وقطع الطريق على تطور الثورة باتجاه أهدافها الجذرية، بتصفية كامل نظام الاستبداد السياسي-الديني، بكل مرتكزاته ،وذلك فيما يشبه الانقلاب ، والذي تلا بيانه الأول الفريق أول – عامئذ- عبدالفتاح البرهان، في اليوم التالي للمجزرة، والذي تضمن كامل خطاب الإنقلاب: وقف التفاوض مع قوى الثورة ممثلة في تحالف قوى الحرية والتغيير ، وإلغاء ما تم الإتفاق عليه في سابق جولات التفاوض ، وتحديد مدى زمنى للفترة الإنتقالية، قدرها عامان بدلاً من ثلاثة، والانفتاح على قوى الردة وفلول النظام المباد، كحاضنة بديلة للنظام، تحت دعاوى رفض الإقصاء..الخ.
ففي مسعى يحتج ضمناً باسم تجنيب وقوع البلاد وغرقها في مستنقع العنف، وبالتالي تهديد الأمن والسلم في المنطقة، على الأقل فرضت القوى الخارجية التي تدخلت تحت غطاء الوساطة الأفريقية تسوية تمخضت عن شراكة قلقة بين قوى الثورة ممثلة في تحالف الحرية والتغيير ، من جهة، وسلطة الأمر الواقع التي فرضت نفسها عبر انقلاب 11 أبريل، وتوابعه في 12أبريل، ما وفر تلقائياً حماية للقتلة المحتملين عبر المشاركة في الحكم الانتقالي من الجهة الأخرى.
إن التمسك بالشراكة بين المكون المدني والعسكري، حتى نهاية الفترة الانتقالية، وإعمال العدالة لضحايا مجرزة القيادة، شرطان يكمل أحدهما الآخر، للإنتقال السلس إلى الحكم المدني والديمقراطية وهو الصراط المستقيم للخروج من نفق الأزمة التي خلفتها عملية فض الاعتصام وتوابعها والتي لم تكن مجرد نقطة تحول في حياة البلاد بقدر ما كانت انعطافاً مهماً وحاسماً في مسار الثورة، خلافاً لما استقرت عليه تجارب الشعب السوداني وتقاليده الثورية ، فيما عرف بانحياز الجيش للشعب، خلال ثورتي اكتوبر 1964، ومارس-أبريل عام 1985. فالآثار التي خلفتها عملية فض الاعتصام الدموية تُمَكِّن من الاستنتاج بأن سودان مابعد 29 رمضان-3 يونيو، سيختلف كلياً عما سبقه.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!