في الذكرى الأولى لسيادة المعلم العظيم مولانا السيد علي الميرغني

2

أكبر الكرامات أن يكن الموت نفسه عملية استمرار لخلود لا ينفد ولا ينقضي.. متجدد الاستمرارية.. آخذ بكل معلم من معالم الحياة صانعا بتليده قاعدة وبطريقه منطلقا.. يلد في كل لحظة ذكرى ويجدد في آونة حياتها.
وأبو الأجيال ساكن الجنان مولانا السيد علي الميرغني هو عنوان هذه المعجزة الفرد.. بالأبوة الحقة التي منحه، والعطاء الجزل الذي أفاءه.. على السائقين واللاحقين، في الحقول التي غرستها البلاد قاطبة في فردانية نادرة، ضمت جماع الوجود الإنساني في كل ميادين نشاطه المختلفة.. عقيدة، وسياسة، وفكرا، وسلوكا.. بممارسة أخلاقية لم يشبها كدر.. ولم يعتكر صفوها ولم يبهت رواءها.. ولم ينقطع بها سبب من أسبابها التي تربطها بالحياة والناس، خاصة وكافة، على مختلف مللهم، ونحلهم، واتجاهاتهم ومشاربهم حيث يأخذ كل بسبب يلائمه، فيربطه بالجماعة، حتى أفضت النوايا إلى النيات. وارتفعت الهمسات إلى الأقوال.. وترجمت الأقوال إلى أعمال، وصارت الأعمال مبادئ ومثل وغايات.. وتدلت إلى الجماهير كل الجماهير.. فتناولتها في سهولة ويسر.. وتقبلتها في رضا وطواعية.. واعتنقتها في حب، ومارستها في إيمان فكانت العقيدة.. وكانت السياسة. وكان الفكر وكان السلوك.. – وكانت الممارسة الأخلاقية – كانت هذه المعجزات التي تحتاج كل واحدة منهم إلي جيل كامل.. لفلحها، وغرسها.. ورعيها وجنيها والتمتع بأدائها وثمارها.. ولكن : خوارق الإمكان التي يضيق عنها البيان هي وحدها التي مكنت إلي خلق وتكوين وحب كل هذه الأجيال في جيل يضع الامتداد، لكل الأجيال. فتتسرب في مسالكه في يسر بلا عسر، وهدى بلا ضلال وتعين بلا شك.. وقد اتسع المجال وصدقت نفسها العزيمة. واتضحت أمامها الرؤى.. ومضت يحدها الأزل منطلقا، ولا يحجبها الأبد هدفا. وهي في بيدها، وضفافها وصحرائها، ونيلها، وهونها وصعابها، تحمل اسم مولانا في قلبها، انشودة لحدائها.. وبلسما لجراحها.. وغبطة لسعيها.. وأغرودة لركبها.. وشعلة مقدسة تنير لها الطريق، ودالة تهديها في القفر السباسب من متاهات الحياة والوجود وهو ثقتها في استشعارها دائما أنه الزاد المملوء بالخير. والبركة والزيادة الذاتية.. التي لا تنفذ حاويه كل الطعوم والروائح والألوان.


فيا أبي وأبو الأجيال.. نحن جدة مستحدثاتك التي لا يدركها القدم، وامتداد عبقرياتك التي لا يلحقها البلي.. طب حيا وميتا، فأنت في نفوسنا لا تموت، ونحن حملة أماناتك إلى أجيال بعدنا هن عرش كمالاتك الخالدات، في تعاليمنا الخيرة.. نحو الإنسان والانسانية والعالم والعالمين. يهديها كابر كابرا، وتسلمها شعلة شعلة.. ويهديها جيل جيلا.. وتمنحها حضارة حضارة حتى نلقاك في مقعد صدقك عند المليك المقتدر..
يا أبا الأجيال يا أبي.

تم نشره في صحيفة الجماهير لسان حال الحزب الاتحادي الديمقراطي
الأحد ١٦ فبراير ١٩٦٩م

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!