في تخدير العقول ومسارح العبث

6

أحمد يعقوب

(1)
وإذ أؤدي طقس ما على ضفاف النيل الأبيض، مرتدياً نباتات النيل ومتسلقاً جدارات الوعي وانفصاماته، مصلياً نافلة لم تكتب بعد، تتجمع في أعلى الهيبوثلاموس أفكاراً أثارتها رؤى نبتات الصّبار متدثرة بشوكها الانيق، وآن كانت الافكار تتداعى الى المخيلة ؛ كانت الصراعات تدور بين الأنا العليا وتوازنها الداخلي، وبين هذه الأنا والسلطة المؤسساتية الممثلة في الآخر بكل تمثّلاته وتهويماته بما هو عدو وبما هو استلاب وبما هو تشويه وخديعة واستبداد، وإذا كانت هذه المحاولة تتراءى اتهامية من وهلتها الاولى فإن الاتهام موجه بدءاً وجوهراً الى السلطة : سلطة الدولة الوحشية بغزاتها، سلطة الأحزاب التنظيمية وبيروقراطيتها، سلطة القضاء والقدر، والبطرياركية (الابوية)، سلطة الطوطم والمقدس، وباسم الغرق والتكلس والتشظيات لايقاع الحياة اليومية ولهاثنا خلف شرنقتنا الذاتية والانتهازية، وحتى أولئك المهمشين مسؤولون ضمن أطر وعيهم الخاص والمستتر الأناني أو الجمعي عن ماهو الوطن؟ وكيف يبدو الوطن في إطار تجسيد الذات له ضمن حيّزها الأناني فقط؟ وبلغة أخرى كيف يتبدى البلد في هذا الهول الذي يسطو على المجتمع باسم الدولة والجيش والامن والحزب والطائفية وشعائر وشعارات الثورة التي أحسب أن معظم أهدافها لن تتحقق! أليست الثورات حلم ماتع ؟ تتجلى في الهتافات والاناشيد وطقوس الاضحية فيها ( الشهداء)، وايا كان التغيير المُنجز في أطره الدوغمائية، هل سنبني وطناً لاتزال نيرانه موقدة كنار المجوس منذ ست عقود ونيف ؟ دون ان نجيب ماهي هذه النيران ( العنصرية والتهميش، الدين، اللادولة، الفساد، الطائفية، انتهازية الأفراد والمجتمع، تنميط التفكير، إخصاء العقول، الأحزاب اللاوطنية، سلطة القبيلة، الوجدان المشروخ، المثقف الوهمي، النخب الرأسمالية، البرجوازية المتطفلة، الاقتصاديات اللقيطة، اقتصاديات الفقر، أولاد البحر، اولاد الغرب، أولاد الحرام، أولاد اللاأولاد).
(2)
ولأن هذه الحياة تسير في أغلب الأحيان، وبفعل استمراريتها اللاواعية، على نحو روتيني دونما إدراك نقدي لحركتها الداخلية، فهي بالكاد منسية في آلية حركتها، وأن من يستغل هذا السهو واللا يقظة هي السلطة الواعية تماماً والمدركة لغياب روح النقد لدى الغالبية العظمى من الجمهور الذي يشاهد دراما الدولة في مسرحها العبثي، والسلطة واعية تماماً أن هذه الأكثرية الساحقة من المجموع التي تصفق بارادتها يتلبسها روح القطيع، وستأتي حقب نتذكر فيها الموت اليابس وسنصمت بعدما تم تخديرنا باتفاقيات لا ندرك كنه تنفيذها أبداً وسنقول (إنا لله وإنا إليه راجعون) و(لا حول ولاقوة إلا بالله ) إنه سيبذر مازرعناه ونحن مخدرين، وسنحصد القهر والاستلاب : انه لكذلك حقاً فاي منقلب ستنقلبون؟ واليأس من الثوريين الانتهازيين :هو الامر ايضاً، تاريخ رسوخ الجهل بما شهدته عيوننا وقالته السنتنا، واللاعقلانية التي باركناها حين صافحنا أيدي من قتل فلذات أكبادنا، وبعنا الوطن وضميره ورفعنا رجليه ليُضاجع بعنف في ارخبيلات القصور والحدائق في دويلات بحجم فولنا السوداني تسمى ( الكفيل)، ألم أقل إن شعائرنا التي أقمناها وشعاراتنا الثورية التي رفعناها، كانت حلمنا الماتع وعلى مذبحنا المقدس قدّمنا اضحياتنا للوطن ( شهداء أغلى من هذا التراب) وبعيداً عن عاطفتنا المتوهمة والمرتدية ثوب مثاليتها أليس الانسان هو أغلى ما في هذه الاكوان؟ إنه زمن الخيبات والترهل، أزمنةٍ اللازمن، غروب كل الشموس وافولها، حقب النهايات، ولكن من يصدق ؟ بعد أن باركتنا الآلهة مؤخراً يوم بداية ثورتنا، وهاهي الآن تجهز دفاترها لتوقع على لعنتنا في لوحها المحفوظ.
(3)
الآن في هذه البرهة المسروقة من شظايا عقلي الملتاث بوعي قنينة القديس جيمسون، أقول لكتابنا إن عصور الرداءة والخطر لاتدعونا إلى الكتابة الانحطاطية، فالأدب الجيد ينمو في أزمنة الانحطاط والخطر والتدهور، أما ادب الشكلانية واللعب فمناخه عصور التوازن والاستقرار، والكتابة الآن كما أراها هي القائمة على الفضح وتعرية المستور والحرائق والصدمة، لا كتابة الفرح والانتصارات الزائفة، والتقديس والتمجيد للاصنام التي صنعناها بمحض عجوتنا المسوسة، فلنكتب لنجلّي هذا السودا الحالك ولنندفع نحو الجذور توقاً الى الشموس ونوغل نحو الينابيع .
وفي سيرة هذا الوطن المضطرب وزمنه الخائن سيقول الراوي : إنه آوان دخول النصل مخترقاً السهب وقاطعاً تلك الأوردة التي تحمل دماء الوطن موزعة إيّاه على أوقيانوس الجغرافيات المبتلة بالدموع وتدفق حليب الامهات، والحزن الراشح في أزمنة الغدر والحقن بالأباطيل؛ وآوان تحولت الدلافين الجميلة الى مصاص دماء، في حقب التفكك والدم وسيلان الحيوانات المنوية للغزاة على ارصفة الحضارة التي باركتها الالهة في كتابها الأزلي، سيحكي عن الوطن الذي حلمنا به في أوقات الشدة والأزمنة الهاربة والخائبة وهو يستدير بعيداً عنّا يبتلعه الغزاة رافعين رجليه إلى أعلى المناخات الإجرامية، وهم يولجون بقايا أعضائهم المرتخية التي تحمل فيروسات الهمجية والبربرية في بحوره الزرقاء، وسيبكي الخُدّج وهم يسمعون حكايات الوطن الذي يتهاوى كجثة في هذا الكوكب وهو يغزل شرنقة زمان قديم مهلوساًعن أشباه موتاه في قاع بئر الافاعي، ولسوف يهْجسون في سرهم عن أنه كم يبدو هالكاً وهشّاً في هذا العراء البارد، وقد شُوهِد في أغساق ما وقرارات الظلمات السحيقة وحلكتها؛ نجمة أو لؤلؤة تتوهج وتضئ البحارالعميقة وتخوم المسام.
(أقول قولي هذا الذي تكرهونه، وسأنتبذ في أجمة الدغل العاري مغتسلاً بالجحيم ).

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!