في ذكرى استشهاده..(سودان 4 نيوز) ينشر نص خطاب الشريف حسين الهندي الى الزعيم اسماعيل الازهري

السودان

10

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

 

يحتفل السودانيون بإجماعهم بذكرى إستشهادك في يومها… وآخرون في شهرها وبعضهم في سنتها… أما نحن.. فلا أنت ولا ذكراك تفارقنا أو نفارقها لحظة واحدة، فهي تعايشنا ونحن نعيش بها ومعها ولها ومنها.. يومنا وساعتنا وشهرنا وعامنا وعمرنا… ومهما تعاقب الزمن وإستطال، فلا يكمن أن ننسى.. يوم أن قلت لي وأنت تهم في الأفق الأعلى.. على غير عادتك وصوتك يشوبه شئ من الإنفعال.. غريب عليك وعليه ” يوماً ما – ولا أظنه بعيداً – سأسقط بينكم.. فياترى هل سيكرمني الله ولو لحظة بأن أسمع منكم وعنكم بعد عشر سنوات؟” وأردف: “يا عسى ولعل!”..

ومع قسوة الألم الذي يعتصرني يومها وأنا واجم لا أرد.. لانني لم أستبن عمق الكلمات – ولم أسبر غورها – إلا بعد مضي الأعوام العشرة.

لو حقق الله أمنيتك أبي (وليس ذلك عليه ببعيد) وأنت الثاقب بصراً والصافي بصيرة والنقي سريرة.. لرأيت أرضاً غير أرضك، وقوماً ليسوا قومك، لرأيت الوطن الذي طهرته… وقد أضحى مستعمراً، والشعب الذي حررته .. قد أصبح مستعبداً، والحرية التي جئت بها.. قد أصبحت دُمية ومسخاً.. لرأيت أطلالاً يبكي عليها الشعراء، تعيش فيها الأشباح.. لا خبز ولا ماء.. وأطفالاً بلا تعليم .. ومرضى بلا علاج.. وجهلة بلا علم.. وأرضاً بلا زرع.. وأنعاماً بلا ضرع.. لرأيت أرضك الطيبة الطاهرة يغادرها أهلها وعلى وجوهم الدمع.. وفي أحشائهم الطوى.. وعلى سيمائهم المذلة.. ورأيت أخلاقهم السوية المستقيمة وقد تهاوت وإنحدرت وتدنت إلى حضيض الحضيض.. تحوم حولهم جحافل التتر وأسراب الجندرمة ومحاكم التفتيش.. وقوافل العسس.. ولرأيت صفوف المهانة تستجدي لقمة الذرة وجرعة الماء وذرة الوقود..ولرأيت مكاتب خاوية ومدارس فارغة ومستشفيات تعطرها رائحة الموت.. لرأيت شعبك الأبي وقد أصبح كل فرد منه حكومة – حيث لا حكومة – عليه أن يحفظ أمنه بتربية الكلاب وإقتناء السلاح.. وأن يعلم أطفاله بنفسه.. ويداوي أسرته بيديه، ويجوب الطرقات لكي يجد ما يسد به أدنى الرمق، من تجار الجوع وسماسرة النخاسة ومصاصي دماء البشر … ولرأيت العشرين مليوناً من الجوعى والمرضى، تظللهم سحائب الغُلب والقهر والفقر والإذلال العصبي والنفسي والجسدي.. وقد تكوموا في جانب.. وفي الجانب الآخر.. بضع مئات من الحفاة العرأة رعاة الشاة وقد تطالوا في البنيان!.. ,امتطوا سيارات الأباطرة.. وأنشأوا مزارع الأكاسرة.. ولبسوا لبوس القياصرة.. وجلسوا في الجنان بين القيان.. يرفهون عن حكامنا المنحلين المرتشين الساقطين.. تحرسهم كراديس جيشنا “الباسل” وسرايا سلطتنا “الساهرة” وطوابير أمننا “الحافلة” وأقوام قضاتنا “العادلة” يحرسون سلطتهم ويباركون نهبهم.. ويشاركونهم رجسهم وفسوقهم وفجورهم.. ويشهرون سلاحنا في في وجوهنا.. دفاعاً عن باطلهم وسرقتهم لقوت أطفالنا.. وعرض نسائنا.. ورجولة أبنائنا.. ومقدرات بلادنا.. ومسيرة أجيالنا.. ومستقبل وطننا وحاضره.

ولقد تركت بلادنا – أبي وهي عربية الإنتماء، قومية المسلك والمنهج، وستراها الآن وهي في مستنقنع “معسكر داوود”!! وفي أحضان الصهاينة وأسيادهم من الإستعماريين.. تركتها وهي مركز الإشعاع للتحرر الإفريقي.. يهرع إليها نكروما ويقصدها كاوندا.. وأنت تراها الآن وهي مستلقية في أحضان الإمبريالية.. مفترشة دهاليز الإستخبارات الأمريكية وعملائها.. وتركتها وهي ترفض القواعد وتطردها.. ,انت تراها الآن وهي تقنن في إنشاء القواعد من بحرية وبرية وجوية وصاروخية وإستخباراتية أمنية.. ولقد كنت سيدي الأب – رئيساً لهذا البلد ورمزاً لعزتها وكرامتها وكبرياء شعبها.. الوطني والقومي والعالمي.. ولا يذكر أحد داخل السودان وخارجه، أنك غادرت البلاد إلا مرات معدودات.. لمناسبات رسمية خارجية، ولم ترض يوماً لنفسك ولا لشعبك ولا لوطنك أن تجوب أنحاء المعمورة، تستجدي المعونات وتطارد الهبات.. وتمد يدك ويد شعبك لدنانير معدودات لك أو لبلادك.. وانت ترى الآن “رئيس” آخر الزمان! لا يستقر له حال ولا يحط به رحال … حاملاً قبعته في يد وكرامته –إن كانت قد بقيت له كرامة – في اليد الأخرى.. يلهث وراء الدراهم لا الدنانير.. يجثو أمام كل حاكم ويقعي تحت قدمي أي أمير.. يلتقط الفتات ويجمع الصدقات ويدبج القصائد وينشد المواويل حتى أصبح سخرية السابلة ومحل تندر الدهماء والغوغاء في أي قطر!! ,اصبح إسم بلادنا الخيرة الكريمة المضيافة العزيزة مقروناً “بشحاذة الدولة” وتسؤله العالمي وتردده وتكرار تواجده، حتى أحط بمنصب الرئاسة وقداسة القيادة في بلاده.. وحتى في بلاد الآخرين!! وتركتها سيدي وهي خضراء يسر لونها الناظرين.. تنبت من كل سنبلة مائة حبة، يفيض خيرها على أهلها وجيرانها.. وتطعم أهلها وجيرانها وإقليمها وقارتها.. وهي الآن جائعة!! تأكل ثديها.. تركها الجياع وهجرها الزراع.. فأصبحت سراباًبقيعة وقاعاً سبسباً وخراباً يباباً.. ,أصبح ثمرها الرطب زقوماً وغسليناً.. واضحى نيلها – صانع الحياة والحضارات – وقفاً على غيرها.

التعليقات مغلقة.