في ذكرى قيام الثورة وخيانة الرفاق للشهداء والرؤية

2

أحمد يعقوب
(أ)

آن تنفست تلك العصور السحيقة في ملامحها وأطلت أزمنة كان قرص الشمس فيها قنديلاً لثورات عديدة، حين كان النبي جون قرنق زعيمها بلا منازع يكتب أناجيله في غابات السافنا الغنية ويحظى برعاية القديسين والكجرة، يقتات عسلاً برياً وجراداً ويحمل خيزرانه المحروق في اللواكات معمّداً بها الثوار، واضعاً رجليه في طست من الماء المجلوب من بحيرات صافية نبعها، قارئاً تاريخ الأمم الزنجية والحضارات واصول الفراعنة الزنوج الذين بنوا الأهرامات بدءاً من السودان على تخوم النيل مروراً بمصر ؛ حينها كان كبريتنا الاحمر وشيخنا الأكبر أنتا ديوب يتلو موبقات الغرب في السوربون، ويشرح عظمة البلاد الإفريقية وارنستو جيفارا يطارد اليانكي في تلك السهوب بين أقصاب السكر والمهاتما غاندي يداوي امرأته وهو يتزر بنسيج يديه مؤدياً طقس صلاة جماعية وخلفه السيخ والهندوس والمسلمون يرتلون في شبق (الحب، التسامح )، حافيا هكذا عارياً الا من الكرامة والحرية لشعبه، ومانديلا في سجنه على تلك الجزيرة التي سجدت له ينادي بالسلام والمصالحة، آنذاك كان النبي جون قرنق يتخلق في أزمنة التحرر الوطني والاباء الكبار ( كوامي نكروما، نيريري، جومو كينياتا…..) مستصحباً تواريخ فليكس دارفور ومحمد على السوداني رواد البان أفريكانيزم المقصيّين عن تاريخنا المزيف – بحمى الايدلوجيات سليلة فيروسات الصحراء البائدة وطحالبها المتعفنة ببراز إبل السفاح الحجاج بن يوسف الثقفيُّ، مثقفاً بميوله الاشتراكية قارئاً أناجيل المعجزة كارل ماركس بوعيٍ ممارسي بعيداً عن الدوغمائية والتقديس، منشداً اشعار الفيتوري ومرنماً مع وردي، حاثّاً الصبيات في جغرافيات مجاورة بالرقص تحت أضواء قمر الليلة السابعة والعشرون على سجع الادونقو وطبول إفريقيا العجائبية.

(ب)

أتراني أهجس الان، وانا أرى سيدي جون قرنق ممتشقاً بندقيته يعيد رتق جروح تاريخنا النازف- بمشروع يقوم على التنوع، حين فشلنا منذ مؤتمر الخريجين في بناء الدولة الحديثة ! وحين تعاركنا بايدلوجيات تبريرية محوّلين بلادنا الى روما الحريق وكل طرقها تؤدي الى الخراب وانفصالات الذات الوجدانية، حين رضعنا هرمونات الهدم والتدمير والاقصاء والاخصاء، حين أصبح الظلم والحيف والجور أقنوماً لكل الحكومات التي تعاقبت على بلادنا، واذْ أتفكر في سيل هذه النباتات المتسلقة وعي كان سيدنا جون قرنق يخلق طوطمه عن كفاح يبدأ من أنغولا وناميبيا مروراً بخليج الخنازير ومعارك غرانما دخولاً الى العاصمة هافانا، وفيديل كاسترو مع حفنة من الرجال الذين ءامنوا بقضيتهم يقضّون مضجع الامبريالية التوسعية المتوحشة التي تمتص دماء الشعوب كالبق، مروراً بالاراضي المشبعة بروائح السافنا الغنية والمناخات العجيبة من بور ,ايود، كبويتا، فشلا، رمبيك، بيبور، أكوبو، جوبا واويل جبال النوبة النيل الازرق ودارفور كان مخلص الشعب د. جون قرنق الرجل الملتاث عقله بالحروب العادلة والسلام العادل المثقف الذي يحتفي بذكرى سانتا كلارا يقود معاركه، والفلاحون ملح الثورة يقدمون كل شئ الطعام واللباس والمأوى والدم، واذ اتساءل كيف استطاع هذا المغوار الذي بعث في لحظة من عدم أن يلملم كل بقايا الطوباوية الاشتراكية التي تحلم في يقظتها بكومونة ريفية وأولئك المتصوفة القادمين من الشتات والحالمين بكومونة أفريقية وكل المتناقضات من الحركات الاسلامية، والذين لا رأي لهم اطلاقا- في حركة واحدة من أجل الحقوق واستردادها ويقود أعظم ثورة في بلدنا من أجل كل المهمشين لتصحيح الوضعية التاريخية للوطن منذ الاستعمار، يقف عقلي عن التفكير ويستدعي في الآن ذاته ما يسمى بالديالكتيك.
والآن وما يتبقى من مشوار ذاك النضال الطويل والنبيل يلخص في: المرارات، الفشل، التدمير، الإقصاء، الإخصاء، الخيانات، غياب الأجندة، التوهان، سلطة الرجل الإله الواحد (شمالا وجنوبا)، غياب التنظيم، المؤسسات.
إن جيلنا هو الوحيد القادر على إعادة الأمور لنصابها، فبعد تكلس فكر ما يسمى (بالقادة التاريخيين) في محطة واحدة الذين يرون الامور باعينهم فقط؛ آن لنا أن نبدأ مشوار الإصلاح وإعادة الرؤية والمشروع المختطف إلى الطريق الصحيح.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!