في ذكري غيابه الخامسة (الترابي) بين الأثر الباقي والأثر الباغي

64

الخرطوم ” الزين عثمان
في الخامس من مارس كان منسوبي حزب المؤتمر الشعبي يذرفون دمعهم السخين في ذات الساعة التي كانوا يوسدون فيها شيخهم وعراب المشروع الإسلامي في السودان تراب مقابر المنشية, في ذلك اليوم استيقظ السودانيون على صباح دون أن يكون فيه من يسميه أتباعه المجدد والمفكر والمؤسس للبناء على أسس الإسلام في تاريخ السودان الحديث، ولا ينهون تعريفهم دون أن يسبقوه بالتوصيف الشيخ الدكتور حسن عبد الله الترابي.
قبل خمس سنوات اغمض الترابي اغماضته الاخيرة في احد المشافي بالعاصمة الخرطوم حين كان الجميع يتبع جنازة الراحل كان ثمة اتفاق عام على عظم درجة التأثير التي كان يملكها الراحل الترابي على مسارات السياسة السودانية عند ضفة السلطة، فالترابي هو الذي وضع لبنات البناء الأولى لمشروع الإنقاذ والجميع يستدعي العبارة الأشهر (اذهب إلى القصر رئيساً وسأذهب إلى السجن حبيساً)، لم يكن تأثير الترابي حبيساً فقط في قصر الحكم وإنما من كانوا يعارضون الانقاذ بضعفهم يؤكدون على تأثير الرجل من خلال نسبة كل ما يرونه تراجعا في البنية السياسية في البلاد عقب العام 1989 ويقولون هذا حصاد ما زرعه الترابي ومشروعه الحضاري. كما أن البعض يرد حالة التشرذم التي جرت في السودان بانفصال جنوبه إلى سياسات الشيخ الذي شرعن ما يسميه البعض بتحويل النزاع السياسي إلى نزاع يأخذ الطابع الديني، رغم أن الجنوب انفصل بعد اثني عشر عاماً من مغادرة الشيخ للقصر وتنقله بين المنشية والمحابس. لا تنتهي المفارقات هنا، ما حدث في السودان في يونيو من العام 2011 وهي الاحداث التي يصلح ان تختار لها عنوان الاثر الباغي
في مكان أخر يري مناصري الرجل بان له أثر لا يزول وان غاب بالموت سيظل شيخ حسن هو شيخ حسن وتأثيره كذلك علي المشهد فهو المفكر صاحب العقل المتقد والرجل الذي استطاع بكارزيمته الخاصة صناعة نموذج الحركة الاسلامية السودانية نموذج حتماً سيؤثر علي استمراريته وفعله علي ارض الواقع غياب الترابي وبالطبع كانت ثلاث سنوات من غياب الشيخ بالموت كافية لان يسقط الشعب السوداني مشروعه السياسي ويذهب باتباعه مجتمعين الي السجون عقب نجاح ثورة ديسمبر ابريل في اسقاط عصابة يونيو بحسب ما يتم توصيفها في الشارع الأن
بعد خمس سنوات من رحيل الترابي كان مدهشاً ان تمضي اللحظة حتي دون استعادتها من قبل انصاره ممن كانوا يتبعون خطواته جيئة وذهابا اولئك الذين كانوا يجيزون التشريعات في البرلمان بالتهليل والتكبير ليطاردهم السؤال هل مات الشيخ في قلوب انصاره ؟ مع استثناء حالات ظهور هزيل لبعض منسوبي الشعبي في وسائط التواصل الاجتماعي وهم يستدعون ذاكرة زعيمهم الروحي بدا الامر غير مثير للاهتمام عند كثيرين وهو امر ربما يتم تفسيره لحالات التحول في المشهد السوداني عقب الثورة التي اندلعت شراراتها لتحرق مشروع الاسلاميين في الحكم وفي جانب اخر فان الامر له علاقة بان معظم قيادات المؤتمر الشعبي يقبعون الان خلف السجون ويخضعون للمحاكمات جراء ارتكابهم جريمة انقلاب 1989 رفقة اخوة الانقلاب واعداء المفاصلة من المؤتمر الوطني
لكن ذاكرة الشيخ التي لم يستدعيها انصاره في المشروع سرعان ما كانت تأتي محمولة فوق حروف مناهضيه ومشروعه الذين استدعوا تفاصيل المأسي السودانية في حقبة الانقاذ وعلي راسها المحاولات المستميتة لفرض الرؤية الاحادية علي الكل واقرارها عبر القوة والعنف وهو ما دفع بالصحفية السودانية شمايل النور لاستقطاع جزء من محاكمة منسوبي جهاز الامن في قضية قتل الاستاذ احمد الخير في خشم القربة بخلفيته الاسلامية وتحديداً ترديد احدهم عبارة كونه اختصاصي اغتصاب وعلقت النور قائلة (الأثر الباقي) الذي بدا وكانه يختصر كل مسيرة الرجل في السياسة السودانية التي تجاوزت الستين عاماً والتي ارتبطت عند كثيرين بانها سيرة اغتصاب السلطة وما تمخض عنها من مترتبات
في ذكري رحيله الخامسة ربما يكون العنوان الأبلغ لحكاية الشيخ هي غياب اثره الباقي عند انصاره وبروز الأثر الباغي لدي مناهضيه وكانه يمنحنا عبرة جديدة عن كيف لنا ان نمارس السياسة

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!