في نقد عملية الذراع الطويلة (10 مايو 2008): ما هكذا تورد الإبل يا خليل

3

 

عبد الله علي إبراهيم

أنشر في مناسبة الذكرى الثانية عشرة لـ “الذراع الطويلة”، هجمة حركة العدل والمساواة على العاصمةفي 10 مايو 2008)، كلمة انتقدت فيها حار حار الهيئة الوطنية لحماية المتأثرين بـ “كعة “أم درمان (وهي عبارة البوني في وصف تلك الغزوة). وتقع كلمتي في سياق نقدي الذي لم ينقطع لمن اختاروا التكتيك المسلح في مواجهة الإنقاذ بديلاً للمقاومة المدنية. فأخذت على تلك الهيئة أنها حين احسنت الاعتراض على شغب الحكومة بحق معتقلي الغزوة من هم بيد الحكومة امتنعت عن لوم حركة العدل والمساواة على تصعيدها الحرب بغير مردود عسكري أو سياسي مكافئ لترويع السكان الآمنين.

لو عرض عليّ مؤسسو الهئية الوطنية للحماية والدفاع عن المتأثرين بأحداث 10 مايو مذكرتهم المنشورة بالصحف وغيرها للتوقيع عليها لراجعتهم في جوانب هامة منها. فقد أصابت المذكرة في مطلبها من الأجهزة الأمنية أن تتوقف من ملاحقة من تتهمهم بالضلوع في غزوة أم درمان على أساس السحنات وملامح الإثنية خاصة من مواطني دارفور المقيمين بولاية الخرطوم. واستنكرت المذكرة بحق الحملات الإعلامية التي غذت حملات التفتيش والقبض والتعذيب والاغتيال على الهوية بما في ذلك من انتهاك صارخ للدستور الانتقالي، وحكم القانون، ومعايير العدالة. وثَمَّنتُ أيضاً نذر الهئية نفسها لتوفير أسباب الدفاع أمام المحاكم للملاحقين بسبب وقائع 10 مايو ومن هم في الأسر وسيقدمون للمحاكم.
كلام زي الحلاوة. ما أزعجني في بيان هؤلاء القانونيين وصانعي الرأي ونشطاء حقوق الإنسان صمتهم القريب من المؤبد عن تحميل حركة العدل والمساواة جناح بعوضة من وزر ما هم بصدد فعله لحماية جماعة مخصوصة من المواطنين. فلما خطرت لهم فعلة العدل والمساوة بنوا إدانتهم لها على العموم أو المجهول. فقالوا إنهم يدينون صريحاً تعريض المدنيين (سواء في العاصمة القومية أو في مناطق القتال) للعنف لما فيه إنتهاك صريح للقانون المحلي أو الدولي. وغريب أن لا يخص قادة الرأي هؤلاء العدل والمساواة بذكر .. أي ذكر. فهي ربما عندهم معفاة من الالتزام بالدستور الانتقالي الذي شددوا على الحكومة الالتزام به آية وشكلة. ورقصة التانجو (والدستور) بحاجة إلى راقصين اثنين لكي تتحقق.
هذا بلع ذمة بالواضح. وسببه لا يحتاج لدرس عصر. فصاغة العريضة معارضون رسميون أشاوس للإنقاذ. وهذا عمل يكفله الدستور أو يكاد. ولكن كانت غريزة المقاومة وحدها ما حركهم لإبداء هذه الغيرة دفاعاً عمن هم موضوع ملاحقة الحكومة حالياً: الأبرياء منهم ومن قد تنهض تهم بحقهم في المحاكم. ولو كان صاغة العريضة من صانعي الرأي حقاً كما يزعمون لعابوا على العدل والمساواة خرق الدستور الانتقالي وتعريض أمن المواطنين من دارفور والعاصمة القومية لضروب شتى من الخطر. وهذا باب في التربية إن خلا منه صانع الرأي صارت صناعته للرأي هي الحرب بصورة أخرى للنظام الذي يبغضه. فلو قسطوا لوسعوا من دعوتهم للمعاني الغراء في مذكرتهم لجذب آخرين من أمثالي يريدون “وزنة بلوفة” المذكرة حتى تحيط بالواقعة وأسبابها وأدوارها باستقامة.
أريد أن أسال القارئ سؤالاً قبل أن استرسل في بيان مظاهر بلع الذمة في مذكرة قادة الرأي موضوع النقاش. هل قرأ أي منكم عن نكسة انقلاب 19 يوليو 1971 في سياق كعة (مصطلح البوني) 10 مايو وتداعيتها؟ يطرشني! حتى جريدة الميدان، لسان حال الحزب الشيوعي، الذي ردته تلك النكسة إلى الطفولة واليتم، لم يأت يوم 22 يوليو، أبشع الأيام، على لسانها في معرض شفقتها على مواطني دارفور من الاشتباه بالسحنة واللغة. وجئت بهذا المثل لكي أدلل على أن المقاومة، لا التربية، كانت هي دافع قادة الرأي موضوع هذا الحديث لكتابة مذكرتهم موضوع مؤاخذتنا. فبينما أعرض قادة الرأي عن استصحاب 19 يوليو في نظراتهم أكثروا من الأشارة إلى واقعة “المرتزقة” في 1976 التي تأذى منها “الغرابة” كما يتأذون حالياً بعد فشل كعة أم درمان. وخلص قادة الرأي من موافقة الكعة و”المرتزقة” (وهي حركات نُسبت للدارفوريين بصورة أو أخرى) إلى أن دولة “أولاد البحر” تضطغن على أولاد “الغرب” متى أخفقت تحركاتهم السياسية العنيفة بصورة لن تحدث للفاشلين من أولاد البحر العنيفين.
وهذا جهل بالتاريخ مكتوب على صفق الشجر كما كان يقول الأستاذ السمحوني زميلي في فصل شرف التاريخ بجامعة الخرطوم في 1965-1966. والله ما وراك ما يفعله أولاد البحر (المزعومين) بأولاد البحر (المزعومين) متى ما كبا فريق منهم وتعثر. فقد عشت ايام نكسة 22 يوليو متفرغاً حدثاً بالحزب الشيوعي. ولما بدا لنا أننا أنهزمنا “جَد” تلفت حولي في منزل الصديق جرجس نصيف فوجدت طاقم مديرية الخرطوم الشيوعي، الذي عليه الرك في التأمين لأمثالي، تبخر من حولي. ولم أعرف عمق الهزيمة ومتاهاتها حتى بلغت منزل عزابة أصدقاء عند تقاطع شارع كترينا والسكة حديد. وسمعت النميري يأمر بالقبض على الشيوعيين عن بكرة أبيهم على الهوية وينذر بالثبور من آواهم لا فرق بين قريب حبيب أو عاطف: القبض على الهوية السياسية. وكان اليوم وما بعده مثل يوم القيامة: يوم يفر المرء من أخيه. حدثني من قال أن زوجته طلبت منه أن يبحث عن مخرج ليأمن الأطفال. فبحثت عن موضع لرأسي في تلك الليلة لصعوبة البقاء في منزل أصدقاء مطلوبين مثلي. فأخذني زميل هميم إلى دار قريبة من بيت العزابة. وصبروا عليّ ليلتهم تلك. وأفزعهم صوت نميري يتوعد الشيوعيين وأواتهم فطلبوا مني أن أترجل. وأستأذنتهم استخدم التلفون. فأدرت أقراصه لأتصل بابن عمي المرحوم الباشمنهدس محمد على إبراهيم (وأبوه بالحق اسمه عطا المنان الشهير بشقتت وله مترة ود شقتت بالقلعة مركز مروي. وأكتسب محمد اسم أبي لأنه رباه وعلمه وزوجه من أختنا المرحومة قمر القسوم عليها الشآبيب) وقلت له أنا بخير ولكن تقطعت بي الأسباب فأبعث بأمي إلى منزلي بحي الزبيرية بالديوم عند شارع النص (دكان عطا) لتفتحه فسأبقى به حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا. وحين خرجت من باب مضيفي لليلة واحدة ثقيلة عليه توقعت أن ينقض عليّ أمن نميري وجنده المهتاجين بعد خطوتي الأولى في الشارع. ولم يحدث. وبلغت الدار.
سأكتفي بهذا هنا حتى أعود إلى كيف انتحبت على مرأى من أبي وأخي حين سمعت بإعدام حبيبنا وأستاذنا عبد الخالق محجوب في منزل الزبيرية حتى خشيت أن يظنا بي الظنون. فقد ضاقت بأستاذنا الدنيا بما رحبت من سماحته وجزالته وعلو همته للوطن. وكنت بكيت لأني تخيلت كل ما كتبه عنه الدكتور حسن الجزولي في كتابه “عنف البادية” عن أيام عبد الخالق من 22 يوليو إلى 26 يوليو: انفصال الجمر عن صندل السياسة، في تحوير لمقطع شعري من ود المكي.
لا يريد المتمسحون بالهامش (من فرط قلة جرمهم وحيلتهم السياسية) أن يذكروا “كسرة” 22 يوليو الشيوعية لأنها تخرب “رصة” عقيدتهم عن العداء الأزلي بين أولاد البحر وأولاد الغرب الموروثة جزافاً عن مصطلح المهدية. فلو اعتبروا نكسة 19 يوليو، التي لم يكتب تاريخ بأسها وباسائها بعد، لبدا لهم أن التكتيكات المغامرة من انقلاب وغزو وكعة أم درمان تؤذي أهلها وغير أهلها وتفسد فساداً كبيراً. وإن أهل الحكم لا يرحمون من “سولت” له نفسه إخراجهم منه . . . وقصرت همته. قال صحفي عن مصرع الضابط الذي قاد انقلاب 1960 الفاشل على الإمبراطور هيلاسيلاسي في الحبشة: لقد أسرع الخطو سابقاً التاريخ وقد تأبط بندقية فدفع ضريبة العجولين. وهذه هي التربية التي خلت منها مذكرة صناع الرأي التالف الذين لم يجدوا الشجاعة في أنفسهم ليقولوا للعدل والمساواة ما هكذا تورد الإبل.. يا خليل..

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!