قبة المدنية وفكي السلطة.. عندما تصبح الدائرة المفرغة مفزعة

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

وفي ظل ضعف القوى المدنية وضيقها “المبدئي” من الديمقراطية _في تجليات احد أشكال انقساماتها بين قوى تقليدية وقوى تدعي الحداثة_ هناك طريقين لتأخير الانتقال الكامل وزيادة كلفته:

١/ سيناريو اقرب لما حدث في مصر (وهذا ليس نقد للسيسي بقدر ما هو نفس النقد للقوى المدنية هناك وتنبيه للقصور في القوى المدنية هنا وهناك).
٢/ سيناريو المواجهة الشاملة على نحو ما يحدث في سوريا وليبيا، (رغم اننا لم نكن ابدا بعيدين عن شبح الحرب الأهلية حتى انها ليست شبح في كثير من بقاع السودان وبأشكال تجعل ما يحدث في سوريا وليبيا فصل رحيم مقارنة بما حدث (وعدم الوعي بما حدث) من انتهاكات الحرب الأهلية الجسيمة وتطاول امادها في السودان وعدد ضحاياها).

لن يكون هناك انقلاب بالمفهوم التقليدي الذي عرفناه والذي يبدو اكثر أمانًا مما نحن بصدده. فمع ضعف القوى المدنية _وعجزها منذ ١١ ابريل على خلق قيادة جماعية وتطوير قاعدتها جماهيريًا ومفاهيمها، وفهم طبيعة الثورة السلمية ومراحل انتصارها كعملية مستمرة (process) وليست كحدث (event) والذي تبدا فيه التسوية التاريخية مع المكون العسكري كضرورة لم نعي بها والا نحن نخبط (حائط فض الاعتصام)* _ يصبح السيناريو الاول هو الاقرب في حال تماسك المكون العسكري والأمني. وفي حال نقل الصراع الحالي بين القوى المدنية داخل المكون العسكري ومحاولة توظيف تبايناته وتطوير التناقض داخله وفي ظل تلكؤ وتحايل القوى المدنية المتنفذة الان في عملية السلام وعجزها عن استيعاب رفاق المقاومة المسلحة يصبح الطريق ممهدًا امام السيناريو الثاني: سيناريو المواجهة الشاملة: الكل ضد الكل.

هناك من يخدم هذا الانقلاب غير التقليدي بوعي وبدون وعي معاً، جهة واحدة تفعل هذا الامر ومن جبهة القوى المدنية نفسها وتروج لانقلابها بالاستثمار في الرعب واتهام غيرها بعدم الوعي بالمهددات التي تتربص بالبلاد ولا بأس بفزاعة الدولة العميقة، والتي يبدو ان القوى التي أسقطتها وهي في عنفوانها وعلى سدة الحكم قد باتت تخشاها الان!

ما يحدث في مصر وسوريا وليبيا انتقال يبدو اطول طريقًا في مصر وأغلى كلفة في ليبيا وسوريا، لكنه انتقال بالمناسبة والسبب فيه تأخيره وكلفته الظاهرين: ضعف القوى المدنية وضعف الإرادة الوطنية عندها وفقرها القيمي (الأخلاقي) والفكري وبؤس الخيال عندها، نفس البؤس والفقر عند القوى المدنية المسيطرة عندنا (وان كان تفاوت التجارب الخاصة بيننا قد يضع مصر افضل حالًا مننا)، والسبب الاساس فيه ليس طموحات العسكر او المدنيين حتى، فالمدنية الحقة كفيلة بالجام طموحات الأفراد والمجموعات وأقدر على “موضعة” المؤسسات والحفاظ على استقلاليتها ومهنيتها و”طبيعتها” من خلال الأدوار المنوطة بها.

الحجة الاخيرة لكوننا لا نعي بالمهددات وكون الوطن في “وضع حرج” هي حيلة الممارسة السياسة القديمة للاستمرار والبقاء والتحايل على فشلها والاختباء تحت (قبة) المدنية واحتكار الوصاية على الجماهير ومصادرة رايها بدعوى ان “القبة تحتها فكي” **.

هوامش:
*تبدا التسوية التاريخية كضرورة على شاكلة الشراكة الحالية، لتتطور الضرورة كموقف مبدئي ورؤية متماسكة من خلال العدالة الانتقالية (لمخاطبة الانتهاكات والفساد والتمكين) وتفكيك الدولة القديمة واستعادة الإرادة الوطنية وتحرير القدرة المدنية وإطلاقها وصولًا للحقيقة والمصالحة والسلام باستحقاقات كل هذا بدلًا من حالة النكران والمساومة الحالية والتي لن تتيح غير شراكة (الأعداء) والتربص الحالية وعدم القدرة على مخاطبة المستقبل.
**القبة المقصودة في المقولة الشعبية هي قبة الامام المهدي في أمدرمان.

التعليقات مغلقة.