قراءات نقدية في رواية (ذاكرة شرّير) للروائي منصور الصويم

4

أحمد يعقوب

*”التاريخ الأدبي الوحيد الذي يعترف به، هو تاريخ القراءة، فالقراءات هي التي تكون تاريخية، وليست الأعمال الأدبية، بحيث أن هذه الأخيرة تبقى دائماً هي نفسها، ووحدها القراءات تتغير مع الزمن، وقيمة الاعمال تتشكل من خلال القراءات”* بورخيس

تأسيس:

لطالما كنت أنحو منحىً مختلفاً في إطار قراءاتي النقدية للرواية، ودائماً ماأنطلق من زاوية أنني قارئ بالحرف اعتاش وهو فضيلتي الوحيدة، وفي الآن نفسه تخطى براديغم النقد المتعارف عليه بين النقاد، مُجترحاً طريقة مغايرة للقراءة، وتقوم على أن النص الذي لايستهويني كقارئ، ولايفتح أبواباً تأويلية ولايبعثرني في شتاته السردي، ولايعطيني حرية أعادة إنتاجه مرة أخرى وكتابته مع ضمان ملء فراغاته المتعمدة (احتراماً للقارئ) لن يثير شهيتي أبداً، وأنا اذْ أقرأ نصّاَ ما فانني أبحث عن ما يخفيه الكاتب ولايريد قوله وعن مسوغات خطابه السردي في نصه الذي بحكم (موت المؤلف) لايمثله وليس مسؤولاً عن تفسيرات قارئه، ففي الأخير لا قراءة تتطابق مع النص المراد قراءته بل ومراد كل قراءة أن تختلف عن النص لا لتكون شارحة له أو ناقدة له بل خالقة لنص مقروء، نص جديد ضمن تمثًلات النقد يعانق جدليات الإحلال والإبدال في مستويات خطابه والمسوغات التي يبررها أو يتناساها.
(1)
النص (ذاكرة شرير)، الذي يقبع بين طيّات 181 صفحة في طبعته الأولى 2010، الصادر عن منشورات الاختلاف – {الدار العربية للعلوم ناشرون} الذي ترجم إلى الفرنسية مؤخراً؛ هو نص جامحٌ ومهتاجٌ وممسوسٌ بكل الثنائيات، وتتجلى عبقرية النص في إقامة اتفاق القص Narrative Contract)) بين الكاتب والقارئ المحتمل وبين الراوي والمروي له، والكاتب في سعيه لاقامة بناء الحكاية سعى إلى تقسيم عناصر الحبكة واقامة التوازن بين السرد والوصف، مدركاً أنه عليه القيام بإنشاء شبكة علاقات داخلية وخارجية صريحة أو ضمنية بين الأطراف المذكورة آنفاً، ويتوزع القص بين عدة أصوات حسب الزمكان الحكائي، وفي سعيه الدؤوب للسيطرة على شخوصه، أفلتت شخصية البطل ( أدم كسحي) من سيطرته مما حدا بالراوي بـ(افشاء المعلومة) وهي مخالفة لصيغة السرد ومتعمدة ؛ تقوم على ذكر معلومات كان الأجدر كتمانها أنه إفراطٌ في الكشف يحدث كعقاب على افلات شخصية البطل من براثن الراوي. إن آدم كسحي (الكسيح) البطل، الذي ولد في العراء وترعرع على أكل (الكرتة) ونزق (السلسيون) وتربى في كنف الشوارع وتعلم منها، ماتت أمه المتسولة مبكرة وتركته لصويحباتها المتسولات ويومها ابتدأت حكاية كسحي، نقرأ “أمي العظيمة مريم كراتيه دخلت السينما مساء موتها، وشاهدت فيلماً هندياً راقصاً، ومليئاً بالورود والأغاني والدماء، بعد خروجهم؛ وأمام بوابة السينما وجدوا صندوقاً خشبياً محطماً فانتزعوا منه شرائح خشبية طويلة تصلح كعصى، قرروا إعادة أنتاج بعض مشاهد الفيلم، قسموا الأدوار بينهم، فكانت أمي البطلة، والبطلة تقاتل بجوار البطل ولاتموت، مثل البطل. إلا أن أمي العظيمة مريم كراتيه ماتت، حين ضربها رئيس الخيانة، ليغوص مسمار بطول البوصة في رأسها ويخترق جمجمتها ويلامس مخها او روحها، فتنسرق منها الحياة وتقع قرب البطل… بطلةٌ ميتة” ص(12) تبدأ الحكاية من هنا، تموت بطلة ويبعث بطل آخر ليواصل المشوار وليواجه حياته المتقلبة دوماً مابين الشارع والفلل الانيقة والسجون والفقر والغنى والجنس والكبت والدين والشعوذة والدجل ثم السجن في انتظار الموت الذي هو اليقين الوحيد، في هذه الدارماتيكية يتبدى خطاب المجتمع الذي لايحتاج إلى آدم كسحي بعد موت أمه البطلة ولأنه عالة على هذا المجتمع، فقد تقرر التخلص منه أو تسليمه للشرطة أو رميه على قارعة الشارع، ولكن روح الأمومة عند وهيبة المتسولة هي الأخرى تغلبت في النهاية بعد تدخلات العجوز عشة “سنحتفظ به ونرعاه كأنه ابننا”. ويمكننا معاينة مدى استباقية السارد، أثناء مراجعاته الورائية أحداثا تبدو متقدمة على مستوى النقطة الزمنية، التي وصل إليها السرد في الرواية. وهذا ما نلاحظه في مواطن عديدة في فصول النص.
(2)
وفي مسوغات خطاب الرواية التي تكشف اشكاليين عويصين في مجتمعنا (أطفال الشوارع واستغلالهم، الشعوذة والدجل)، يتبدى الخطاب في التحاق آدم كسحي بالشارع رسميا ً وسط ترحيب من ( الشلة)، وقيامه بالتسول وفي أعوامه هذه يرى مجتمعه، سيارات فارهة ووجوه وسمتها النعمة، منافقين وأنبياء كذبة، وأولاد حرام وبائعات هوى، فترينات العرض الممتلئة عن آخرها بالبضائع المستوردة، المطاعم الفخمة، عاشقان يتبادلان القبل، فقراء حد الترف، متسولون مثله، مثليون، كنائس وجوامع، رأى كل ذلك ولم ير ضمير الإنسان الغائب كليّاً، بل كانت الأصوات القبيحة على حد وصفه تنهرهم وتجبرهم على الذهاب بعيداً، وأتساءل هل كان الكاتب يمارس نوعاً من التدليل Argumentation كتقنية كلامية تتصل بالخطاب تسمح للكاتب بأن يُعرض قيما يؤمن بها ؟ أو يتصنع الإيمان بها للفوز بتأثير القارئ، أو التأثير في مواقفه ومشاعره وأحكامه؟ أم هو يتخفى تحت ستار هذه الشخصية؟ وهوما يعطينا القدرة على تأويل النص والانفتاح على قراءة جديدة. ولكن آدم كسحي الذي شهد موت شيخه (حاجو محمدو ) الذي علمه الكتابة والقراءة وبعض سور القرآن سيفارق شلة (الشماسة والمتسولين) إلى براحات أوسع، سيدخل عوالم الطقوس والغرف المحروقة بالبخور والادعية والمحايات والجان، وسيستقبل في غرفته التي خصصها له الشيخ الفاسق الذي يداوي النساء بمضاجعتهن، نسوة مرفهات وسابحات في بحور بذخهنّ ورجالٌ من علية القوم ووزراء ورجال أعمال يريدون مزيداً من الثروات، ويمكننا أن نلاحظ في تتبعاتنا إن الروائي (الصويم) في الواقع كان موفقعا في رسمه لشخصياته (وهيبة، أم سلمة، سنية، خليل، زوجة مدير السجن أسيا، عمران، العجوز المتصابية) على البعدين الخارجي والداخلي، أما الخارجي فتلك الملامح الشخصية الظاهرة للعيان، والتي تشكل بذاتها الإطار الخارجي لها. وأما الداخلي فهو ما لا نراه ظاهريا، وأنما هو ما يتعمق ودواخل الشخصية من ملامح تنصب لذاتها على الأبعاد النفسية التي لا يدرك كنهها، إلا بالغوص في أعماق الشخصية وسبر أغوارها. والسارد هنا ومن خلفه المؤلف الضمني، راح يغوص في متابعة أعماق منظور شخصية البطل كسحي وشخصية خليل وسنية وشخوص أخرى من الرواية، محاولا توضيح مواقع الأحوال الشخوصية صعودا ونزولا ــ لأجل تقديم العلاقات المحورية في النص على أوجه من الأهمية القصوى. لذا فإننا نكتشف أن عوالم الشخوص في الرواية، كانت على أعلى درجة من درجات مأزومية الشخصية الداخلية والخارجية.
(3)
في فصلي (سماء مرصعة بالنجوم – ووسوسة ابليس) التي أعدها من أجمل فصول الرواية وأكثرها حرية في تقديم وكشف تبريرات خطابه، ومن خلال بنية التأمل لتمظهرات هذا الفصل الروائي، تتحول الكتابة الروائية إلى فضاءات تتحقق من خلالها الصور الطلسمية، وجنائن لأرواح الموتى، وهذه التداعيات بدورها تكون منفلتة من سلطة موارد الواقع (قليلاً)، بل وتخضع هذه المشاهد المكونة لرؤى مخيلة السرد، إلى مكونات غيبانية وغرائبية وحدودها الجغرافية ذات دلالات ملامسة لواقع معارف التنجيم وخزين الظلال النفسية اللامعقولة، نقرأ (لك غرفتك ياكسحي، جدرانها ملساء ومطلية بالأزرق الطليق مفروشة بالسجاد الفارسي الاحمر؛ المشغول بصور المهاري والفرسان الأصليين. فراشك منخفض، ويقترب من التراب ملاءاته بيضاء ونظيفة وعلى الحائط عند متناول يدك علقت الواح الكتابة ضخمة عتيقة الخشب ناعمة…. لك صندوق قوارير البلاستيك واقلام الكتابة الخشبية ودفاتر الورق الأبيض وجوارها منضدة الكتب المقدسة والصفراء) الرواية. ومن خلال هذه المشاهد الفقراتية في النص، تتبلور في مخيلة السارد الشخصية تلك الأفعال الإيحائية المتصلة بمواطن التفاعلات النفسانية الخاصة في باطن مخيلة اللامعقول، لتمكنه من تصور مظاهر الأشياء في سمات شخصية هذا الرجل ومن سيزورونه لاحقاً تبرّكاً به وطلباً للعلاج؛ وأمكنته منسجمة مع دقائق البنى الماورائية والمبثوثة بواسطة أخيلة مؤثثات فضاء المكان نقرأ ” حين شرعت في تلاوة ورد الابواب السبعة الشجيُّ والطويل، صرخت احدى النساء صرخة داوية وحادة، واصلت القراءة غائصاً في أكثر في النفوس ومتقمصاً أكثر سمات شيخي الفاسق وتعابيره القاسية…”، في هذا الفصل الذي ربما كتبه الراوي لنفسه يحدد موضعية السارد في النص الروائي، بموقعه في المستوى السردي، وفي علاقته بالحكاية الروائية. وقد حدد بعض نقاد السرد وضعين اساسيين للسارد/ الشخصية. فأما أن يكون راويا يروي من خارج الحكاية، غير مشارك في أحداثها. وأما أن يكون ساردا ومشاركا في الحكاية. وتبعا لهذا الأمر وجدنا السارد الشخصية في أحداث رواية (ذاكرة شرير ) يشكل ذلك الحضور المهيمن على محيط الفضاء النصي ونمو الشخصيات كشخصية فاعلة في الأحداث، فيما راح السارد الشخصية نفسه يشغل محل الصديق الثالث أو الرابع أو الخامس في الرواية.

(4)
سيرة الوطن كما يتبدّى في النص:
وتشتمل هذه الرواية على مجموعة فصول ( مثلث الاسمنت، صلبان تلوح، دم يتناثر، فتيان المستقبل، أيقونات مريم العذراء، السجن وأسيا الاسيانة، سماء مرصعة بالنجوم، وسوسة إبليس)، راحت تختص كل منها بالعنوانات التي تقارب وحدات الموضوعة الروائية، والدلالة العلائقية الناتجة عن عضوية مكونات واقعية استيهامية غرائبية. فالرواية تبدو عبارة عن سيرة ذاتية لاوهام الوطن وتناقضاته ومشاكله وقضاياه المسكوت عنها بالمعنى المقارب. إلا أنها من جهة ما تبدو فضاءات مسلية ومتبدية في أوهام الشخوص وهي تجدف في مأزومية وتراجيديا النفس الخاسرة، ويبدو الوطن بسماواته الغائمة في ظلال النص منهوك القوى وخائراً، أوقيانوس جغرافيته مبعثرٌ بين حلم المهمشين بكل فئاتهم بالحب والخبز، وفي مقاربات سيرة الوطن وتغريباته كان زمان الحكي، في حقب التفكك والفوضى والفساد والسجون والاستغلال والحروب والتهميش والدين والطائفية واللادولة والايديولوجيا المحنطة في الكتب، منذ عهود الازمنة الكلبية، والاقصاء والاخصاء، لذلك كانت أزمات الشخوص الروائية في النص أزمات بنيوية، وفي النهايات التي أرادها الكاتب لشخصياته المحورية في نهايات الرواية أراد لها الروائي مزيدا من حافزية القبح والظلامية والخوف والهلع والامل الكاذب، وفي تبديات سيرة البلاد التي جعلتنا وشخوص الرواية جميعا نحيا داخل سطور جغرافيا وطن وبقايا أنسان يقبع في أقصى درجات قاع سراديب بلادنا الواقعة بين الطين والخراب وهو مقصيٌّ من المشهد كليا ومن حلبة الصراع الاجتماعي وعلى هامش الحقل يبدو منزوياً ؛أدركنا ضعفنا الكامن في اعماقنا ووحشيتنا حين يغيب ما يسمى بالانسان ويظهر مايسمى بالبشر.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!