قراءة في حُزْنِ فتحي وهو يكتب لوداد

3


د. عصام محجوب الماحي

* مقالٌ سياسيٌ عميق، ووطنيٌ عريق، وإنسانيٌ دقيق ورقيق.
عُمْقه يشرح قضية إنسان مع أسرته، وقضية شخصين مع وطنهما.
عَراقَتُه في ربط الأمس باليوم وكذا الغدِ. ماضٍ يحْسِبه مَن لا يَعْرِفه بأنّه ذهب، لكنه مستمر في الراهن؛ وحاضر تظنه اكتمل، بيد أنّه يستشرف المستقبل وينتظره؛ ومستقبل تسافر فيه وإليه وإنْ طال السفر.
دِقّة ورِقّة المشاعر الإنسانية التي فيه، بحر عريض يضج بالحبِ المُسْتَمِر حضوراً وغياباً. يحكي قصة أمواج عالية صارت برداً وسلاماً على الإبحار بفَهْمِ الآخر وتبادل الاستجابة في رحابة صدر وأنفس عزيزة تبادلت حفظ كل شيء في خانته الصحيحة، من الكرامة حتى الهواية، فسَكَّنت السِلْبي في حَيِّزِ لم يتجاوزه، وجعلت الإيجابي يَطْغى ويفوز بحضورهِ الأنيق.
* كل مَسْألة شخصية في المقالِ، تُلاحق بتفاصيلها الشأن العام.
فيه درس.
فيه رسائل.
يشرح قضية، ويقدم مُرافعة دفاع وحيثيات اتهام تعتمد قراءتُها للناحية التي تقف فيها، أنت أو القارئ.
فيه أدب وإبداع.
وصراحة وجَرْد حساب داخلي وعام.
فيه وعد، وتحقيق وعد، ووعد جديد.
فيه تأكيد عطاء وعطاء وعطاء، دون انتظار أخْذ.
وفيه أخذٌ في محبة وبمحبة واستعداد لإيثار النفس الأخرى.
وفيه شُكر لمَن أعطى ولم يستبق شيئاً وذهب راضياً مَرْضِياً، وفيه حمد للرب وإيمان بتصريفه الأشياء فأصبحت الأشياء هي بالفعل ذات الأشياء.
النجاح هو النجاح ولا يمكن أنْ يكون إلّا للأفضل، أي التفوق. الوصول هو الوصول، ولا يُصف بتحركٍ نحو الهدف. والاستمرار هو الاستمرار لا خطوة للأمام أو اثنتين ثم توقف هو عين التقهقر. والارتقاء درجة هو الصعود لأعلى. وهكذا وهكذا وهكذا.. إلّا الموت في ذلك المقال، فقد صار حياةً يعيش في حاجيات وخصوصيّات بقيت في مكانها، حَتّى العِطْر لم يَنْقُص في قارورته بيْنما رائحته تحيط بالمكان، فاصبح الموت حياة في ذلك المقال لتعيش مَن ذهبت بأشيائها مع الأحياء.
* مقالٌ فيه حزن اتَّسَق، ووجع نبيل على حياةٍ قصيرةٍ بِحِسابِ الزمن، طويلة بعمرِ استمرار الإنجاز، فيختبئ الفرح في الإعجازِ. وفي معانيها وإنتاجها تصبح سنين الغياب الطويل يوماً أو بعض يوم بالحضور المستمر، روحاً وأشياءً جميلةً، فيعود الفرح من جديد ويجلس مكانه ليبدّد الوحشة والرهق المُضْني. يراقِب. يوجِه. يحَفِّز، فلديه الكثير من المُلْهِمات لسنين قادمات تكفي أمّة، فما بالك بأسْرَة. مَن غير وداد قادر أنْ يفعل ذلك كما عرّفنا بها فتحي؟
* مقالٌ فيه الْتِفات لتعويذةِ ثُنائيّةِ “الواقِعيّة والتفاؤل”، حيث بدأت سلوكاً وأصبحت فكرةً وثَبَتَت كمبدأ، فلا غرو أن تَمَسّك بها كاتب المقال.
شكراً وداد بأن جعلتي فتحي يكتب ما كَتب، فلا يبكي وَحْده غِيابِك.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!