قراءة في واقع الصحافة في السودان

4

معاذ زكريا المحامي

منذ العام ١٩٩٣م والعالم يحتفل بيوم الصحافة، عندما أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة موافقتها على اعتبار الثالث من مايو من كل عام يوماً عالمياً لحرية الصحافة، جاء ذلك على خلفية إعلان ويندهوك المنبثق من فعالية نظمتها منظمة اليونسكو بدولة “ناميبيا ” في الثالث من مايو ١٩٩١م.
وينص إعلان ويندهوك على أنه لا يمكن تحقيق حرية الصحافة إلا من خلال ضمان بيئة إعلامية حرّة ومستقلّة وقائمة على التعدّدية. وهذا شرط مسبق لضمان أمن الصحافيين أثناء أداء مهامهم.
ولما كان هذا اليوم سانحة لتقييم حال حرية الصحافة في كل أنحاء العالم، لنسقط هذا الكلام على واقعنا السوداني فيما مضى.
عانت الصحافة السودانية ما عانت في ظل النظام البائد، تكبلها القيود وتحد من حريتها الحدود، ومنسوبوها يلاحقون بسبب ما تخطه أيديهم، وبموجب قوانين شتى (القانون الجنائي، قانون الأمن الوطني، قانون الصحافة والمطبوعات، قانون جرايم المعلوماتية).
كل هذه القيود والمثبطات لم تثنِ الكثيرين من رفقاء القلم من مواصلة المشوار، والقبض بأيد قوية على جمر الكلمة الحراق، إيماناً منهم بدورهم المنوط بهم في خدمة قضايا شعبهم، لا يمنعهم من ذلك عسف نظام أو عنت سلطة حاكمة استمرأت أن تعمل مقصها الصدئ وتمارس رقابتها القبلية على الصحف، بل وتصادر بعضا منها دون سابق إنذار، وتعتقل الصحافيين وتلاحقهم، حتى أضحى الإشتغال بالصحافة بالنسبة للكثيرين مشقة دونها مشقات، فهجروا بلاط صاحبة الجلالة زرافات ووحدانا.
ثم جاءت الثورة، وكان شعارها الأول (الحرية)، حرية الرأي وحرية الفكر دون قريب أو سلطان إلا سلطان الضمير والقانون.
الحرية كقيمة لا تضاهيها قيمة أخرى، خصوصاً في عالم الصحافة، وينسب إلى السيد توماس جيفرسون الرئيس الثالث للولايات المتحدة الأمريكية قوله: (إذا خيرت بين حكومة بدون صحافة، أو صحافة بدون حكومة  لاخترت الأخيرة دون أدنى تردد).
فإذا كانت الصحافة مكبلة فكيف تستطيع القيام بدورها وأداء رسالتها كسلطة رابعة من سلطات المجتمع المدني، تراقب عمل أجهزة الدولة وتقف على مواطن الضعف والخلل، وتجترح المعالجات والحلول، وتقتفي أثر الفساد، وتدفع من أجل تقديم المفسدين إلى العدالة، وتنقل صوت المواطن إلى المسئول، وتعكس عمل المسؤول إلى المواطن، تناصر الحق وتنصر المظلومين.
يمثل هذا اليوم كذلك فرصة سانحة للوقوف على واقع الصحافة في السودان، فما تزال الصحافة تعانى – حتى ما بعد الثورة – من أوضاع مزرية تمثلت في تدنى أجور العاملين وتأخر المرتبات، وضعف الحوافز والبدلات، وغياب التأمين الصحي والإجتماعي، فيما لا يزال عدد من الصحافيين عرضة للفصل التعسفي والطرد من العمل، أضف إلى ذلك ما تعانيه الصحافة من ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج وتكاليف الطباعة والتوزيع حتى زادت أسعار الصحف أضعافا مضاعفة مما كانت عليه قبل سنوات.
وحيث يتخذ هذا اليوم مناسبة لتذكير الحكومات بضرورة احترام التزامها بحرية الصحافة، نناشد الحكومة الانتقالية لتحمل مسؤولياتها في هذا الصدد، كما ندعوها للعمل جنباً إلى جنب مع الصحافيين، والفئات الأخرى من ناشرين وموزعين من أجل الأرتقاء بأوضاع الصحافة في السودان، وتهيئة المناخ المناسب لأصحاب الأقلام حتى يتمكنوا من مزاولة أعمالهم وأداء واجباتهم في جو حر ومعافى.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!