قصة بطلها رفع الدعم.. الإصلاحات الإقتصادية فى السودان

2

مقدمة:
بعد سقوط النظام البائد وجدت الحكومة نفسها أمام تحديات إقتصادية جسيمة تمثلت في إنهيار الصناعة والتجارة ومعظم القطاعات الإقتصادية بسبب الحصار الإقتصادي وسياسات الحكومة البائدة الفاشلة وتفشي الفساد الكبير بكافة أشكاله وغيرها من الأسباب والتي أدت إلى أن يعاني السودان من أزمة إقتصادية كبيرة إنعكست سلبا على شؤون البلاد ومعيشة المواطنين.
بعد أجواء إنتصار الثورة وتأسيس حكومة جديدة أعدت الحكومة ميزانية جديدة للعام بهدف مخاطبة شعارات الثورة (حرية سلام وعدالة).
موازنة 2020:
هدفت موازنة 2020 الى إصلاح مؤسسي وتثبيت الإقتصاد الكلي وخفض التضخم وإستقرار سعر الصرف ورفع معدل النمو والتنمية وخفض حدة الفقر، حملت الموازنة بشريات منها مضاعفة الصرف على التعليم وتوفير وجبة مدرسية مجانية في المدارس الحكومية ومجانية التعليم في مرحلة الأساس في المدارس الحكومية ومجانية العلاج في المستشفيات الحكومية وزيادة المرتبات حتى 100% في بعض الأحيان، وتوفير أكثر من 250 الف وظيفة للشباب وبرنامج إجتماعي لدعم الأسر الفقيرة بواقع 1500جنية شهرياً لعدد 4 و نصف مليون أسرة وتطوير برنامج الدخل الأساسي بالإضافة إلى إدخال مليون أسرة في التأمين الصحي وتقديم الكفالة النقدية لعدد 200 الف طالب جامعي.
و أقر مبدأ التمييز الإيجابي للولايات المتأثرة بالحروب وذلك بتحصيل 7% لهذه الولايات شملت إنشاء صندوق للتنمية والإعمار الذي سيوجه للولايات المتأثرة بالنزاعات مع تخصيص مبلغ مليار جنيه للدمج والتسريح قابل للزيادة من أجل حفظ السلام.
هذه الميزانية إنحازت للفقراء وهدفها تحقيق العدالة الإجتماعية وهي تعبر تماماَ عن مقاصد الثورة (حرية ، سلام وعدالة).
بعد صدور الميزانية كلَف المجلس القيادي المركزي لقوى الحرية والتغيير لجنة من الخبراء الإقتصاديين لدراسة موجهات ميزانية 2020 وذلك في ديسمبر2019 ورفعت ملاحظاتها وكان أهمها رفض عملية رفع الدعم التدريجي كما ورد في موجهات الموازنة. ولاحقاً تمت إجازة الميزانية بواسطة المجلس التشريعي المؤقت (مجلس السيادة والوزراء) بحضور قوى الحرية والتغيير مع تأجيل رفع الدعم حتى قيام المؤتمر الإقتصادي.
وبسبب عدم التوافق تم تأجيل البشريات المذكوره لأنها تعتمد علي توفير الأموال من عملية رفع الدعم . و تتحمل لجنة الخبراء مسئولية تعطيل الميزانية التي كانت مجهزة وفق خطة مترابطة . وكذلك تتحمل الحكومة المسئولية لرضوخها للضغوط التي مارستها لجنة الخبراء. كما أن عدم التوافق بين أعضاء اللجنة مع تحكم بعض الأعضاء في قرارات اللجنة تسببت فى ضعف أداء اللجنة.
وليس صحيحاً ما يقوله بعض أعضاء اللجنة عن قرار رفع الدعم عن الوقود بأنها خطة صندوق النقد الدولي والصحيح أن الهدف واضح ويهدف إلى سد عجز الموازنة من أجل تعزيز النمو والحد من البطالة وزيادة إحتياطات النقد الأجنبي وتحسين وضع الدين العام .علما بأن صندوق النقد الدولي لا يتدخل فى شؤون أيَ دولة إلاَ بطلب من الدولة المعنية.
يتحدث بعض أعضاء لجنة الخبراء لقوى الحرية والتغيير عن بدائل لسد العجز فى الموازنة لكن جميع هذه البدائل تصلح كإصلاحات مالية لازمة لدعم إستقرار الإقتصاد علي المدى الطويل نذكر منها ( الإصلاح الضريبي وتجريم التجنيب وسيطرة الدولة علي الذهب و إنشاء بورصات للذهب والمحاصيل …إلخ).
وكان من المقرر أن تساهم برامج الحماية التي تضمنتها بشريات الموازنة إلى تخفيف أثر عملية الإصلاح على الشرائح الضعيفة وحسب البرنامج سيتم توجيه نسبة من الوفر المحقق فى المالية العامة إلى زيادة الرواتب وتحسين الخدمات فى الصحة والتعليم والدعم النقدي وتقديم الوجبات المدرسية ومجانية الصحة والتعليم كبديل لدعم الطاقة غيرالموجه بدقة إلى المستحقين.

ماهو الدعم:
من الواضح أن أغلب الدعم في السودان يتركز حول الدعم غير المباشر والذي تقدمه الحكومة لبعض الفئات في المجتمع ويشمل ذلك المنتجات البترولية من بنزين وغاز وجازولين والكهرباء بالإضافة إلى بعض السلع مثل الدقيق والأدوية والتأمين الصحي. والدعم غير المباشر هو الفرق بين تكلفة الإنتاج وثمن البيع.
إصلاح منظومة الدعم :
إصلاح منظومة الدعم يجب أن تكون على رأس الإصلاحات الإقتصادية للدولة، ويجب أن يكون الهدف الأساسي من الدعم الحكومي هو دعم الفئات الإجتماعية الأقل دخلاً وكذلك معالجة الإختلالات في قطاعات الإنتاج.
كما سبق فإن هناك ضرورة لتحويل الدعم إلى برامج زيادة الرواتب ودعم الخدمات الصحية والتعليم، وسوف يساهم ذلك في الحد من تسرب الدعم ويساعد في وصوله إلى مستحقيه، فهذه الخطوة لها ميزات عديدة فهي تساعد على إعادة توجية الدعم فبدلا من دعم طبقة ميسورة من خلال دعم البنزين يكون الوضع الأمثل بيع البنزين بالسعر السائد عالمياً، هذا الأمر يجب أن ينطبق علي البنزين المستخرج محلياً لأن العدالة تقتضي أن يستفيد جميع المواطنين بشكل متساوي من موارد البلاد.
ومن أهم أهداف إصلاح منظومة الدعم هي:
زيادة كفاءة الدعم من أجل ضمان وصوله لمستحقيه.
يساهم رفع الدعم من تقليل الإستهلاك حيث يجعل نمط إستهلاكه أكثر رشادة ومسؤولية.
كما أنه يسد ثغرات التلاعب والفساد والتهريب .
بالإضافة إلى أنه يسير سيراً على خطى دول العالم المتقدم ، حيث أن جميع دول العالم المتقدم تقريباً تعمل بحسب أسعار السوق العالمية.
وحسب ما ورد فهناك عدة عيوب مرتبطة بعملية الدعم الحالي أبرزها عدم وصول الدعم إلى مستحقيه حيث يحصل عليه المستحق وغير المستحق، فمثلا تحصل كل البعثات الأجنبية وعربات العبور الدولي والأغنياء والشركات الكبرى على هذه السلع بنفس الأسعار التي يحصل عليها محدودي الدخل والمنتجين. وبالنسبة للولايات فإن سعر الجازولين اليوم في أم روابة 7000ج للبرميل وفي الفاشر 13000ج وفي الجنينة 25000ج وفي منطقة المثلث 3500ج ويشتريه أصحاب المصانع ب 12 الف داخل ولاية الخرطوم. ومن هنا يكون السؤال: هل الولايات مستفيدة من هذا الدعم ؟

أمثلة لبعض الدول التي رفعت الدعم :
تواجه الدول المستورده للنفط تفاقما في عجز موازناتها كما هو الحال في موازنة 2020 حيث بلغ العجز حوالي 3.5 % من الناتج المحلي الإجمالي ويبقى الخوف والتردد من الإضطرابات الشعبية عاثقا في السير قدماً على طريق الإصلاح في معظم الدول من أجل معالجة عجز الموازنة. لكن مع ذلك نفذت عدة دول خطة رفع الدعم من أجل أن يستثمر المبلغ الذي يتم توفيره في تطوير منظومة التعليم وكذلك الصحة بعد عمل إعادة هيكلة للإنفاق العام من رفع قدرة الدولة علي الإنفاق. ومن هذه الدول:
مصر
رفع الدعم عن الوقود خطة نفذتها مصر منذ 2014، ليس له علاقة بقرض صندوق النقد الدولي ولكن من أجل سد عجز الموازنة.ساعدت الإصلاحات الإقتصادية فى مصر علي تعزيز النمو والحد من البطالة وزيادة إحتياطات النقد الأجنبي وتحسين وضع الدين العام ووضعه علي مسار تنازلي.
الكويت
قرر مجلس الوزراء في 1 أغسطس 2016، رفع أسعار الوقود بنسب تتخطي 80%، وتعتبر تلك الخطوة الأولى لرفع الدعم عن الوقود منذ 50 عامآ.
وقد سبقتها السعودية والإمارات والبحرين.
قطر
وفي السياق ذاته ، رفعت قطر أسعار البنزين بنسب تتراوح بين 30% إلى 35% وكان ذلك في 2016
عمان
أعلنت سلطنة عمان في يناير 2016 أسعاراً جديدة للبنزين والديزل، وقالت أنها كلفت لجنة بتحديد الأسعار شهرياً بحسب تغيُرات أسعار الوقود في السوق العالمية.
إيران
تبنت إيران خطة عامة في 2010 ترمي إلى زيادة أسعار البنزين والمحروقات الأخرى تدريجيآ.

البرازيل
إختارت البرازيل سياسة الرفع التدريجي للدعم وبهدف حشد الدعم الشعبي للإصلاحات، إلتزمت الحكومة بأن يؤدي تخصيص تجارة المنتجات النفطية وتحريرها إلى إنخفاض الأسعار وتحسين الخدمات، وبدأت العملية في أوائل تسعينيات القرن العشرين من خلال عمليات تحرير واسعة النطاق شملت أسعار البنزين والديزل للمستهلك النهائي.
غانا
تميزت خطة إصلاح سياسة الدعم في غانا بإشراف الحكومة على حملة إعلامية واسعة، شملت خطبآ عامة لرئيس الجمهورية ووزير المالية تشرح منافع الإصلاح وأخطار الإستمرار في سياسة الدعم الشامل، وتضمنت الخطة زيادة الحد الأدنى للأجور وزيادة تمويل برامج الرعاية الصحية في المناطق الفقيرة.
الأردن
التجربة الأردنية كانت مميزة، ففي نوفمبر 2012 حررت الحكومة أسعار المحروقات، إعتمدت آلية تلقائية لتعديل الأسعارالداخلية وفق تقلبات الأسعار العالمية. وتوزع الحكومة تعويضات نقدية علي الأسر التي لا يتجاوز دخلها الشهري 800 دينار (ألف و 120 دولاراً)، وتبلغ قيمة الدعم السنوي 70 ديناراً لكل فرد في الأسرة التي تستحق الدعم.
هذه فقط بعض من الأمثلة لدول رفعت الدعم عن الوقود من أجل ترشيد الإنفاق لرفع الإيرادات.

سياسة إدارة العملة:
الوضع الراهن في سياسة إدارة دولار الصادر والدولار الجمركي للواردات يستدعي إعادة تقييم حقيقي وإعادة نظر واضحة. سعر الصرف الموازي ساعد عملية تدوير الفرق بين السعرين خارج النظام المصرفي وفي هذه الحالة تتحكم الدولة في نسبة من عائد الصادر بينما يتم تدوير الباقي فى المضاربات في العملة داخل وخارج السودان وهؤلاء هم من يعارضون أي إتجاه من أجل الإستمرار فى نفس النهج. وعليه يكون تحرير سعر صرف دولار الصادر مهماً من أجل أن تعود الفائدة للمنتج بشكل أساسي لأن الزيادات بالعملة المحلية سوف تزيد من تداول الكتلة النقدية وسوف يساعد أيضاً علي زيادة الأسعار للمنتج.
من ناحية أخرى يجب تقييم الدولار الجمركي علي أساس السعر الجاري من أجل تعظيم عائدات القيمة المضافة وبسبب إعتماد المستوردين لسعر الدولار الجاري لإجمالي الفاتورة في قياس تكلفة الواردات وبذلك لا يستفيد المستهلك عن نسبة الخصم الممنوح للمستورد في حساب الفاتورة لغرض التقييم الجمركي.

ختاماَ:
حسب تجارب العديد من الدول نلاحظ كيف تم حل مشكلة الدعم من خلال قرارات متشابهة.
يواجه الإقتصاد السوداني صعوبات كبيرة ويكون الحل في قرارات شجاعة تراعي مصالح كل مواطني السودان في مختلف أماكنهم خاصة أن الملايين منهم أصواتهم لا تصل الي المسئولين، في حين يرى الكثيرين أن الحكومة تستمع إلى من هم أعلى صوتاً.
يجب أن تعمل الحكومة من أجل تفادي سياسات النفير وإطفاء الحرائق وتضع بدلاً عن ذلك سياسات توفر إستدامة إستيراد المواد البترولية من خلال رفع الدعم بدون تردد.
من المؤكد أن تسفر هذه القرارات عن حملات مناهضة من الطبقات الطفيلية المستفيدة من تشوهات عمليات الدعم، لكن ستنجح الحكومة إذا واصلت بإصرار في برنامج رفع الدعم بدون تردد.
ميزانية أي دولة يجب أن تخاطب الأهداف الإقتصادية والإجتماعية والسياسية. والبشريات التي تضمنتها الموازنة تساهم في إصلاح الإقتصاد وتؤسس للعدالة الإجتماعية وليس من المعقول تأجيل كل هذه الفوائد بسبب التردد من مواجهة تعنت بعض أفراد لجنة خبراء الحرية والتغيير. لذلك القرار طبيعته الأخلاقية.
لقد تحمل وزير المالية شتى صنوف الإساءة وتقليل الشأن والإستخاف فقظ بسبب سياسات واضحة سارت عليها أغلب البلدان فى حالات مشابهة.
يتعين على رئيس الوزراء تحمل مسئولية الدفاع عن الميزانية بالتضامن مع وزير المالية لأن الميزانية هي ميزانية الدولة.
ويجب أن تلعب الحرية والتغيير دوراَ أساسياَ فى مساعدة الحكومة من أجل تطوير علاقاتها الدولية لتامين المساعدات المطلوبة .
الحل ليس فى تغيير الوزراء بل فى مواجهة التحديات وزيادة الموارد وحسن إدارتها. و كما شهدنا في أواخر العهد العهد البائد عمليات تغيير متتالية لوزراء المالية ورئيس الوزراء أدت في النهاية إلى إنعكاسات سلبية وساهمت في سرعة زوال النظام.
أخيراً يجب العمل على تجاوز إنتظار المؤتمر الإقتصادي والعمل من أجل تجهيز ميزانية طوارئ تحمي الإقتصاد من الخلل المفاجئ الذي تسببت فيه جائحة كورونا والذي سيقود إلى تدني كبير في الإيرادات وإرتفاع في معدلات البطالة ومن المتوقع أن يؤدي ذلك إلى تفاقم العجز وربما يقود إلى إنكماش الإقتصاد.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!