قولاً واحد: فصل السلاح عن السياسة (3-3)

5

 

عبدالله علي إبراهيم

لم نتوقف من قبل لمراجعة تكتيك الحرب المسلحة الشاملة برغم الكثير الذي خسرناه منه. فلم تنم المعارضة المدنية عادة نقد الاحتكام المعارض للبندقية كتكتيك. ولكن فتّق توقيع المعارضة المسلحة والمدنية على “ميثاق الفجر الجديد” في 6 يناير 2013 بمدينة كمبالا نقاشاً غير مطروق من قبل حول التكتيك المسلح أعرض جانباً منه في هذه الحلقة الأخيرة من المقال.
لا أواخذ هنا التكتيك المسلح من وجهة نظر سلاموية pacifist . فللنضال بفوهة البندقية مشروعية ولكنه مثل الطلاق: أبغض الحلال. فأنت لا تتبعه لأنك قادر على إتباعه ولك فرقة مسلحة تحت تصرفك للغاية. فهو آخر ما يلجأ إليه المناضل بعد استنفاد جهاده بقوة ليناضل بالقوة. وأنت لا تسلك طرقه الوعرة بعذر أن الإنقاذ هي التي استفزتك لترفع السلاح إن طمعت في العدل (وكان هذا التحدي وما يزال حماقة إنقاذية بلهاء) فتنصاع لها. فلا يرسم السياسي تكتيكه بدعوة من الخصم. وسخر أحدهم من هذا المنطق من قبل فقال ما يفعل المعارض لو قال له الرئيس البشير أرقص عشرة بلدي قبل أن تطيح بي.
لعله من اللافت هذه المرة أن المعارضين السلميين عابوا معارضة الكفاح المسلح في سياق نقدهم لميثاق الفجر الجديد. فقال الحزب الوحدوي الناصري، الذي كان يأمل في جذب المقاتلين إلى خيار المقاومة المدنية، إن العمل العسكري سيقود إلى تعميق الأزمة السياسية. وحتى من أعتقد في وحدة المقاومتين مثل الدكتور صديق أم بدة فضّل أن جاءت الإشارة إليهما بغير تحديد مثل قولنا إسقاط الإنقاذ “بكل الوسائل”. كما قال السيد الصادق المهدي إن العمل العسكري، لو نجح، سيفرض وصاية جديدة لمالك السلاح على من هو خلو منه. وهو ما أخذه، البراق النذير البراق، من الكتاب اليساريين، أيضاً على التكتيك المسلح. فقال إن وجود السلاح بيد قوى معارضة بعينها سيقرر تكوين الحكومة الانتقالية لصالحها. وطالب للضمان أن يشمل ميثاق الفجر الجديد نصاً يحل المليشيات المعارضة مثل ما قضى بحل مليشيات الحكومة ودفاعها الشعبي. فكتائب المعارضة المسلحة هي أيضاً، في قوله، قوى لم تترعرع في عقيدة قتالية تتنزل عند الإرادة الشعبية. واتفق معه صديق أم بدة في وجوب التزام المسلحين بدمج قواتهم في الجيش السوداني الذي هو موضوع إصلاح مختلف. بل قال إن على المعارضة ألا تروع الدفاع الشعبي الحكومي بالحل. فتخويفه استفزاز يجعل كلفة التغيير فادحة.

وبلغ النقد للتكتيك المسلح في أعقاب دربكة الفجر الجديد حداً أضطر الحلو أن يدافع عنه. فجاء بحجة أن الإنقاذ هي التي طلبت أن تلقاهم من وراء ذلك الوادي في ما نسميه عندنا ب”المطالعة” مما سبق لنا الرد عليه. واضاف أن من يستنكر مثل ذلك الجهاد على الهامش لم يسبق له استنكاره على قوى المركز التي استخدم سائرها الانقلابات للوصول للحكم. وبالطبع الانقلاب عمل يقع داخل القوات المسلحة بشكل رئيسي لا يرتهن بقوي مدنية كما العمل المسلح. ناهيك من أن الانقلاب من مكروهات السياسة السودانية التي أسقط الشعب فيها حكومتين جاءتا عن طريقه في 1958 و1969 (وفي 2019 بقماومة مدنية وضحاء) .
بدا لي أن تحفظ المعارضين السلميين على العمل المسلح ارتكز على كبواته الظاهرة. فأخبار الحركة الشعبية وجيشها الشعبي في “سودان الجنوب الجديد” غير مشجعة. كما أيست حركات دارفور المسلحة منه. فبينما احتدمت الخصومة في أعقاب وثيقة الفجر الجديد كانت الحكومة تلقى الفرج بدخول حركة منسلخة من حركة العدل والمساواة في مفاوضات معها في منبر الدوحة. وصار تفاوض حركات دارفور من وراء ظهر بعضهم البعض، والتحالف مع الحكومة، عادة فاشية فيها. وبدا أكثر جهادهم طلباً لغنم من الحكومة لا اعتبار فيه لحليف من دارفور أو للمعارضة الحزبية والشعبية في المركز. وشابت الغيرة الحركات لا يريد واحدها للحكومة أن تفاوض غيره. فحتى العدل والمساواة، التنظيم القوي بقيادة خليل إبراهيم، انسحبت من منبر الدوحة في 2011 ضيقاً بشراكة آخرين فيه. بل ربما قادت هذه الغيرة العدل والمساواة لغزو العاصمة السودانية في مايو 2008 للبرهان بأنها صاحبة “الذراع الطويل”، الاسم الحركي للغزوة، دون غيرها. واحتكرت الحركة التي تفاوض الحكومة مطلب “قسمة الثروة والسلطة” لها خاصة دون الآخرين. وتقطعت بسبب هذه الأنانية أواصر الزمالة والقضية بين الحركات وأنبتت عرى الحركات بالشعب الدارفوري. وبالنتيجة صارت الحركة مرجعية نفسها لنفسها. وهذا ما حذر منه أمريكال كابرال، القائد السياسي الفذ في غينيا بيساو، حين قال إن على حركته المسلحة ألا تنسى أنها تكونت من مناضلين مسلحين لا من عصب مسلحة-مليشيات. فالعصب سرعان ما تنطوي في ذاتها في عماء عما أثارها أول مرة.
ولعل أحكم ما سمعت في سياق نقد التكتيك المسلح أخيراً هو دعوة عبد الوهاب الأفندي ل”فصل السلاح عن السياسة” لنضع خاتمة لخريف الدم السوداني الطويل.

قال أمليكار كبرال، الثوري من غينيا بيساو، إن على الثوري، متى حمل السلاح دفاعاً عن قضيته، إلا ينسى أنه مناضل مسلح لا عصبجي مسلح.
فيديو لجلسة التوقيع على ميثاق الفجر الجديد (6 يناير 2013): وقلوبهم شتى.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!