كتابة تاريخ قنتي.. التحدي والاستجابة

3


أحمد إبراهيم أبوشوك
كتابة تاريخ أي حدث، أو منطقة، أو علم من الأعلام، أو مذكرات، أو ذكريات، ليست بالأمر السهل، كما يظن بعض القارئين والمهتمين بتواريخ أوطانهم؛ لأنها تحتاج إلى جهدٍ جهيدٍ، يقوم على البحث والاستقراء، والتحقق والتثبت من صحة المعلومات ومصادرها، ثم سرد وقائعها بطريقة علمية، تجعلها أقرب إلى الواقع الذي تشكلت فيه. وقبل فترة مضت كتبتُ نداءً على موقع “قنتي الأم”، طالباً من أعضاء الموقع وزواره الكرام الكتابة عن أنسابهم، وخلفياتهم الأسرية، وإسهامات الأعلام، والحوادث البارزة التي وقعت في منطقة قنتي وما جاورها. فكانت استجابة المتداخلين ممتازة، وحماسهم منقطع النظير للتعاون في إنفاذ هذا المشروع. لكن المساهمات الفعلية كانت أقل من المتوقع، بالرغم من الاقتراحات المهمة التي وردت في هذا الشأن.
ومن الاسهامات المشرقة آنذاك، أنَّ أستاذ الأجيال خضر سيدأحمد مكاوي قد شرع في توثيق ذكرياته بعنوان “ذكريات الفتى المعهدي”، وقد وجدت استحاناً واسعاً من القارئين؛ لأنها كانت تحمل بين طياتها كثير من المعلومات التاريخية عن قرى قنتي وحلالها، وبعض العادات والتقاليد التي اندثرت، فضلاً عن الحديث عن بدايات التعليم في قنتي وتطوره، وفوق هذا وذاك، التجارب التي عاشها صاحب ذكريات، الذي عمل في فضاءات متعددة من فضاءات الحياة الإنسانية، وأيضاً أكسبته الاسفار داخل السودان وخارجها معظم فوائد أسفار الإمام الشافعي الخمس (تفرج هم، واكتساب معيشة، وعلم، وآداب، وصحبة ماجدٍ). وبهذه المناسبة اسمحوا لي سادتي أن أجدد الدعوة، وأكرر المناشدة إلى استاذنا الجليل خضر أن يكمل ما انقطع من “ذكريات الفتى المعهدي”.
ومن زاوية أخرى، أود أن أسدى الشكر والتقدير إلى الأديب المطبوع الأستاذ أحمد محمد مكاوي، الذي ألقى إضاءات كاشفة على طرفٍ من تاريخ قنتي وبعض ذكريات صباه التي عاشها بين أتراب ذلك الجيل، بطريقة قلمية رائعة، وسرد أدبي سلس، وخيالٍ خصبٍ لمَّاحٍ. وكان من ضمن إضاءاته الأدبية الساطعة الحديث عن جامع الخليفة محمد بن مالك، الذي شدَّ انتباه بعض المتداخلين، الذين وعدوا بجمع بعض المعلومات التوثيقة عن تاريخ المسجد العتيق، ودور المعرفي والديني. ولا جدال في أن تاريخ الخليفة ود مالك تاريخ ضارب الجذور، وقد صنَّف الدكتور علي صالح كرار في كتابه “الطرق الصوفية في السودان”، الخليفة محمد بن مالك ضمن أربع مجموعات، كان لها شرف الالتقاء بالسيد محمد عثمان الميرغني الختم في القرن التاسع عشر الميلادي في كردفان، وصحبه أفراد هذه المجموعة في رحلاته الداخلية، حتى بلغوا معه مركز السنية بكسلا، الذي يُعرف حالياً بحي الميرغنية. ومن هناك سافر السيد الختم إلى الحبشة، ثم مكة، وعاد أولئك الخلفاء المرافقين له إلى أوطانهم، لنشر تعاليم الختمية، وتسليك المريدين في الطريق، فكان دورهم بارز في منطقة مروي الكبرى. وشملت المجموعة الثالثة الخليفة محمد بن مالك في قنتي، والخليفة محمد بن عبد الحليم النقيب في الغُريبة. وتعكس كل هذه الشواهد ومثيلاتها أهمية الخليفة ود مالك، وضرورة التوثيق لمسجده العتيق بكوع الجنة (الساب).
كذلك كتب الأستاذ خالد السيد عبد الرحمن فرح شذرات عن سيرة العالم الجليل الشيخ مصطفى سيدأحمد بابوش (أو مصطفى ود السيد) وخلوته العتيقة، التي يعتبرها الأستاذان الجليلان خضر سيدأحمد ويوسف سلفاب بأنها كانت تمثل نقطة الإشعاع المعرفي التي انطلقت منها طلائع الطلبة الذين واصلوا مساراتهم التعليمية العليا من أبناء قنتي. وفي هذا يقول الأستاذ خضر سيدأحمد: “من الخلوة النموذجية [أي خلوة شيخنا مصطفى] إلى المدرسة الصغرى، كنا أول دفعة افتتحت بها مدرسة قنتي الصغرى يناير1948. فقد كانت مرحلة متطورة لخلوة شيخ مصطفى النموذجية. وقد كان افتتاحها حدثاً تاريخياً. فلم يكن يوجد بالساحة سوى مدرسة كورتي الأولية، ومدرسة تنقسي الأولية، ومدرسة منصوركتي الصغرى، التي كانت تسمى مدرسة البيه، أو مدرسة شمس العلا [التهامي]، الذي كان ناظراً للمدرسة.” ونعتبر مثل هذا الدوين عن الشيخ مصطفى وخلوته النموذجية مهم لعكس الجانب الثقافي في قنتي.
كذلك شد انتباهي اليوم ما كتبه الأستاذ عبد الله عمر فقير، تعليقاً على مقال الأستاذ المحامي معاوية عيسى عن جده “الحاج عثمان عيسى: سيرة ومسيرة”، إذ كتب الأستاذ عبد الله قائلاً: “نعم كان أول تعليق لي قلت: إنَّ المرحوم كان يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وكنت أقصد هاتين الواقعين [واقعة معارضة فتح بار بالقبولاب، وواقعة مساعدة امرأة مسكينة]، وقلت كان يحارب الرذيلة، ويدعو إلى الفضيلة، والمرحوم يعتبر شخصية عامة وأب روحي؛ لذلك أنا اعتبر كلما قلته يا معاوية واجب أدبي وأخلاقي عليك؛ لأن المرحوم شخصية قومية وعامة، وليس من زاوية جدك. ومن هنا أرجو من …. أحمد أبوشوك تأليف كتاب عن رموز المنطقة الذين ساهموا في إنشاء كل المؤسسات والمرافق والمشاريع في منطقة قنتي، طبعاً المشكلة ستكون في نفقات التأليف.” أولاً، أُثمن ما ذكره الأستاذ عبد الله عمر بأن سيرة الحاج عثمان عيسى جديرة بالتوثيق والاعتبار، لأنها جمعت بين التجارة والشأن العام (التعليم). ومن هنا أشد أذر الأستاذ معاوية أن يكمل ما بدأه من مشوار، وياحبذا لو كانت هذه السيرة موثقة ببعض الوثائق والخطابات التي تركها الراحل؛ لأنها تُسهم في التثبت من صحة الأحداث وتواريخها وشخوصها الآخرين. ثانياً، أود أن أؤكد للأستاذ عبد الله عمر أن كلفة الطباعة والنشر ليست المشكلة، وهذا أمر مقدور عليه، بحكم علاقاتي مع بعض دور النشر والناشرين، وقطعاً لا احتاج لأي دعم مالي في هذا الشأن؛ لكن المشكلة الأساسية تكمن في جمع المعلومات الصحيحة الموثقة، بعيداً عن الكتابات العاطفية المعتمدة على الذاكرة المطلقة والتراجم الإطرائية؛ لأن كتابة التاريخ ليست كتابة خواطر، تحتاج إلى تدقيق وتمحيص، حتى تكون سجلاً صالحاً للأجيال القادمة.
ولاحظت أيضاً اهتمام بعض أبناء قنتي الفضلاء بتدوين سير بعض الأعلام الذين تربطهم بهم وشائج قربي، ويحضرني في هذا المضمار ما كتبه الأخ الأستاذ عبد الله عبد الغفار ميرغني عن جده العلم “ميرغني ود الحاج”، إذ يقول فيه: “وأصبح شخصية معروفة في كل المنطقة من كرمة إلى كريمة، مستفيداً من وسيلة النقل التي كانت متوفرة آنذاك، البواخر النيلية التي كانت تجوب المنطقة من كرمة إلى كريمة… فطبع على ظروف خطاباته ومراسلاته (ميرغني سيد أحمد الحاج واولاده تجار ومزارعين بقنتي)”.
في الختام اسمحوا لي يا سادتي أن ألقي الضوء على نقطتين مهتمين، واقتراح جدير بالعناية والتنفيذ:
أولاً: إنَّ تدوين تاريخ قنتي ليس بالأمر السهل؛ لأن معظم مادته منقولة عن طريق السماع، ولا توجد مدونات كثيرة تعين الباحث في تقصي الحقائق التاريخية، ومن أهم الشواهد في ذلك أن الأستاذة مها خضر محمد سعيد الميرفابي، علي سبيل المثال، قد قضت سنوات معدودات في توثيق تاريخ الميرفاب في قنتي، وجمعت كثيراً من الروايات الشفوية، التي وجدت بينها نوعاً من التضارب الصريح حتى في ترتيب الانساب، فما بالك وكتابة تاريخ منطقة بكاملها. ومن أراد أن يقف على حقيقة ذلك، عليه أن ينظر في مخطوطة الأستاذة مها الموسومة بـ “تاريخ أسرة سعيد محمد عثمان علي نقد بلال”، وطبيعة أدوات البحث العلمي ومناهجه التي استخدمتها بهدف التحقق من صحة بعض المعلومات، وتوطينها في سياقها التاريخي السليم، ثم إعادة تركيبها في سردية تاريخية أقرب إلى الواقع.
ثانياً: كما ذكر الأستاذ خضر سيدأحمد لقد جمعتُ مادة لا بأس بها عن تاريخ قنتي، بدءاً بتاريخ طرابيل هارون، ومملكة الدفار، وتاريخ بعض الأعلام، وتاريخ المنطقة الإداري، والاقتصادي، وطرفاً من التعليم، وبعض الأنساب، لكن الصورة لم تكتمل بعد؛ لأشرع في عملية الكتابة (الكتابة أم دق)، والكتابة أصعب من القراءة (القراية أم دق) والتصنيف، وإعادة تركيب المعلومات. ولذلك لا يمكن الشروع في الكتابة بطريقة منتظمة قبل أن تبلغ المعلومات نصاباً محدداً.
ثالثاً: اقترح أن يكون هناك فعالية سنوياً تُعقد في قنتي، تنظمها لجنة نادي قنتي بالخرطوم بالتعاون مع الأندية الثقافية في قنتي، ويمكن أن يكون عنوانها الرئيس في نسختها الأولى “يوم التعليم في قنتي”، وإلى جانب قضايا التعليم تناقش فيها القضايا الأخرى المرتبطة تطوير المنطقة، وتدوين تاريخها وسير أعلامها.
وختاماً، أرجو من أي شخص لديه معلومات مفيدة وموثقة عن تاريخ قنتي وأعلامها أن يرسل لي عن طريق بريدي الإلكتروني (ahmedabushouk62@hotmail.com)، مع خالص الشكر والتقدير. فمشوار الألف ميل يبدأ بخطوة، ولذلك يقول الأستاذ والشاعر اليمني عبد العزيز المقالح: “لابد من صنعاء وإن طال السفر”. فآمل أن يأتي يوم يُدشن فيه كتاب تاريخ قنتي الأرض والناس، وذكريات الفتي المعهدي، وديوان الشاعر خضر محمود سيدأحمد.
مع صادق تحيتي ومودتي

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!