كتابة على هامش عامي الرابع والثلاثين

2

لقد مرّ زمن ليس بالقصير منذ أن بدأت بالاشتغال على تمارين الخيال والتركيز بشكل يومي. بالتحديد كان ذلك في صيف عام٢٠١٣.
كنت أملك ذاكرة جنونية تلقط ما أحب وما لا أحب، من الأشياء حتى المارة في موقف جاكسون. جوار كبري الحرية لوحة مضيئة نلتقي فيها عند المساء أنا وعدد من كتاب القصة والرواية الشباب والنشطاء السياسيين من اليسار، وكنا في النهار النهار نتكسع ما بين جريدة القرار التي أسستها مجموعة من الشباب الصحفيين كأول جريدة في السودان يكون الناشرون فيها مجموعة شباب بعد أن يئسوا من تنمر الناشرين في عهد نظام الإنقاذ الذي أسقطته ثورة الشباب التي أطلق عليها ثورة ديسمبر أبريل المجيدة، عند كل مساء كالعادة نتجه صوب اللوحة نقرأ ونقيم وندشن بعض الكتب الجديدة للكتّاب الشباب، ونتناقش في القضايا السياسية الراهنة، بعدها بعام تزوجت من شاب في نفس التخصص، واستمرت التجربة لثلاثة أعوام أنجبت فيها ولدين، الأول توفي بعد ولادته بـ ١٨ ساعة، دخلت في كومة من الإحباط والحزن، فقدت فيها قدرتي على التركيز تماماً، وبعدها بست أشهر حبلت بولدي الثاني رفيق، وبعد ولادته بـ ٨ شهور قررنا أنا وزوجي الانفصال، وقد كان. ثم بدأت الأمور باللحظة صراعًا للبقاء، لم يكن لدي وقت لأفكر بأي شيء آخر. وأشعر وكأنني وصلت إلى قمّة السلّم واصطدمت بفضاء مفتوح. لقد كنت واثقة من قدرتي على حل أي مشكلة قادمة. أخذت نفسًا عميقًا ثم بدأت بالتفكير في المرحلة القادمة من حياتي. أوشكت على الوصول لسن الثلاثين. ودون مقدمات، خطرت لي فكرة ملحّة: علي أن أكتب بحثًا عن المسرح تخصصي الذي أحب.
بإمكاني تذكر اللحظة بالضبط. لقد كان ذلك عند الساعة الرابعة عصرًا ، في أول أبريل، من العام ٢٠١٧ كنت أنا ورفيق في ضفة النيل بجزيرة توتي منتظرين بعض الزملاء وحيدة أشاهد تعرجات النيل المندفع من الجنوب إلى الشمال.
وبينما كنت أنتظر راودتني هذه الفكرة: “عليك أن تجرّبي كتابة الدراسات والبحوث المحكمة ولم لا تشاركي في مسابقات محلية وعالمية؟”.
لازلت أتذكّر السماء المفتوحة، وجلوسي على الرمل الناعم،
وكأن شيئًا ما سقط من السماء في تلك اللحظة، ومهما كان ذلك الشيء، كنت قد استقبلته حتمًا.
لم يكن لدي أي طموح غير أن أصير “مشروع باحثة”. كانت لدي فقط رغبة قوية وحلم بعيد في كتابة كتاب عن المسرح يصي مرجعًا أسوة بكتب نهاد صليحة وجوليا كرستفيا وسيمون ديفوار لم أكن أعرف عن ماذا سأكتب- بعد كنت أملك فقط إيمانًا بقدرتي على الكتابة. عندما جلست للكتابة وجدت نفسي لا أملك قلمًا لائقًا للكتابة حتى، سوى لابتوبي المهشم من كل الزوايا.
في ذاك الصيف الحار ، كنت قد انتهيت من العام الدراسي في المدرسة وجدتي تطالبني بالعودة إلى القرية (النويلة) وقتها بدأت أجمع في داتا عن المسرح السوداني والفرق المسرحية . لم أعرف ماذا سأفعل بها، لذا قمت بإعداد دراسة مختصرة بعنوان (الإنتاج المسرحي في السودان قراءة وإحصائيات) كان لشركة إنتاج وإعلام طلبت مني أن أقوم بتقديمها في الفندق الكبير خلال (ندوة) لمجموعة من المسرحيين وبعض شركات الإنتاج. أذكر حينها أن جهاز الأمن أوقف الندوة بحجة عدم التصريح وأذكر أيضًا أن الحضور كان نوعيًا وكبيرًا من المهتمين.
في الأسبوع التالي قررت المشاركة في مسابقة دكتور يوسف عيدابي للبحث المسرحي وكانت المسابقة أعلنت دورتها التانية بمحاور من ضمنها التعدد والتنوع الثقافي في إدارة الفرق المسرحية المستقلة. وكان سؤال التعدد مشروع تفكير اشتغلت عليه في جريدة الأيام أثناء عملي محررة لملف لوجوسيات الثقافي إبان فترة انفصال دولة جنوب السودان. وكان مشروع ما بعد الحداثة هو همي الشاغل في تلك الأيام. ورأيت أنه مدخل مناسب لقراءة التعدد الثقافي في السودان وبدأت مشروعي البحثي الأول في كتابة (تجارب ما بعد الحداثة في المسرح السوداني الفرق المستقلة نموذجًا)، حيث انتهجت طريقًا جديدًا في الكتابه البحثية طريقة المقابلة، مستفيدة من عملي محررة في الصحافة الثقافية بعد ثلاثة شهور من الكتابة أرسلت البحث للجهة المنظمة بالإيميل من قريتي النويلة جنوب غرب الجزيرة بعد عناء من شبكة الاتصال في مساء ٣١ من شهر أغسطس استقبلت مكالمة هاتفية من أحد منظمي الجائزة يخبرني بالموتمر الصحفي لإعلان الجائزة، كنت وقتها نسيت تمامًا المسابقة. كنت مشغولة أذكر ، حينها سافرت لتقديم كتاب عن السينما لـ (وجدي كامل) ضمن مشروع قراءة من أجل التغيير بجامعة الأهلية مدني. والتقينا أنا والصديق أحمد الحاج أذكر أن الحرس الجامعي أخذ بطاقتنا الشخصية لمدة ساعتين لجهة ما غالبا الفحص الأمني بعد أن انتهيت من الندوة، وبعدها عدنا إلى الخرطوم. فاز بحثي بالجائزة التانية ونشر في كتاب صدر ضمن الكتب الصادرة للعام ٢٠١٩ في معرض الخرطوم الدولي فيجناح مركز د. يوسف عيدابي صالة واحد.
حظي الكتاب بالكثير من التقدير، كتب عنه الصحفي خالد سعد عثمان أنه إجابات كبيرة وبعض تساؤلات.. ودون استيعابي لما يحدث، وجدت نفسي من أهم الكتّاب الشباب في السودان بعد مشاركتي بمسابقة الهيئة العربية للبحث العلمي للشباب.
لأربعة أعوام ظللت أعمل معلمة لمادة الفنون والمسرح أدرب الأطفال على المسرح والرسم أراقب المخزون الإبداعي. وقعت في صراعات حادة مع إدارة المدرسة من أجل تخصيص حصص للفنون. كثيرًا ما أغادر المدرسة غير مبالية بالدوام الرسمي إلى محطة استوب جامعة النيلين لألحق بمحاضرات الدبلوم بقسم الفولكلور كنت أعيش حياة شخصيتين، وفي النهاية وجدت رغبتي في كتابة بحث آخر عن ما بعد الكونيالية ولاسيما في المسرح مركزة على الخصوصية الثقافية السودانية،
لقد استمتعت بالطريقة التي كنت أكتب فيها حتى هذه اللحظة، ولكني لست مقتنعةً تمامًا، بعد الكثير من التفكير، قررت أن آخذ إجازة من المدرسة ومن حسن حظي كانت عطلة منتصف العام لأتفرغ تمامًا للكتابة. دخلي ٢٢٠٠ ج وهذه حقيقةٌ قمت بوضع نفسي أمامها.
أن أصير كاتبةً محترفةً وكيف بإمكاني أن أحافظ على تركيزي ورفيق (ولدي) مع أمي وأشتاق إليه كثيرًا وتحاصرني أحاسيس الأمومة اللعينة. وكنت أجلس لفترات طويلة للكتابة. وأسهو في عدم تناول الوجبات وكثيرًا ما أصاب بالهبوط لانخفاض السكر. لم يناسبني هذا الحال. إن أردت أن أعيش حياة طويلة كباحثة وناقدة، كان لابد لي أن أستيقظ فجرًا قبل السادسة، وأخلد للنوم قبل العاشرة ليلًا. هو آخر زمن للدخول للسكن الجامعي بجوار كمبوني.
هنا تسكن الطالبات اللاتي يأتين من الأقاليم لطالما أنا كنت لا أستطيع التركيز إلا في الصباح، أستمر بالكتابة بعد استيقاظي، ثم أخرج متوجهة لشارع الجمهورية لأمتطي إحدى المركبات العامة إلىجامعة الخرطوم. أسترخي أو أستمع إلى الموسيقى.
كلما أشعر بعدم الرغبة في الخروج من السكن. في تلك الأيام أحاول العثور على الأعذار الممكنة لكي لا أفكر بأي شيء. أذكر قمت بعمل مقابلة مع الباحث والمفكر السوداني محمد عبدالرحمن بوب صاحب مشروع مناظير محلية، سألته: هل يشعر كاتب مثله أنه لا يريد أن الخروج من المنزل؟ وهل يشعر بالاكتئاب أحيانا؟ وأن لاجدوى من الحياة مثلًا؟ ضحك بطريقة جعلتني أسحب سؤالي. “نعم بالتأكيد. طوال الوقت!” وذكر أنه
تفرغ للكتابه، لمدة ثلاثين عامًا وأنه بصدد طباعة أربعة كتب تباعًا في نقد الفنون قلت: ياااا…. وسرحت طويلًا. وسرعان ما وجدت نفسي أبحث عن كتب إدورد سعيد وخالد أمين واريكا فيتشر يا إلهي أي لعنة هذه؟
في العام ٢٠٠٦ وأنا برلومة في كلية الموسيقى والدراما يبدو من الواضح أنني لم أكن أملك تفكيرًا واضحًا. رغم أني بدأت أكتب زاوية صغيرة في جريدة الخبر في ملفها الثقافي كتابة شبه أكاديمية ولا تحمل أي رأي، لم أحصل على الوعي اللازم بعد. ورغم هذا كنت أشعر بالتغيّر في تفكيري الآن في الرابعة والثلاثين بلا شك تأملت الحياة أكثر ، وتكشّفت أمامي رؤى لا محدودة
وكلما أذكر أنني بدأت بالتفكير والتأمل من دائرية الفكر . أضحك بملء فمي في الرابعة والثلاثين في تلك اللحظة. بلا رغبة كبيرة بدأت حياتي معلمة للفنون. وهي البداية المتأخرة، والحقيقية لي باحثة وناقدة.
ميسون عبدالحميد
ناقدة مسرحية

التعليقات مغلقة.