كلمة اليوم العالمي للمسرح بعنوان: This Coronavirus Is Not Ours

4

يكتبها: أبوالقاسم قور

(1)
نحن سكان كوكب الأرض، من جنس بشري، و كائنات أخرى وأشجار ً، وغازات و كافة انواع الحياة، علينا توخي الحذر، واحترام دروس التاريخ.
يحدثنا تاريخ فن المسرح انه ومنذ ما يقارب ثلاثة الف سنة كان الطاعون، و الجائحات والسوالف العاتيات التي لا تبقى ولا تذر.
في القرن الثالث قبل الميلاد كتب الشاعر الأغريقي سوفكليس رائعته (اوديب الملك)، والتي ظلت محل إعجاب فسار بها الركبان في مشارق الأرض ومغاربها، ولا زالت موضوعاً للدراسات المسرحية ، ونموذجاً للتطبيقات في مجالات النقد الدرامى والمسرحي وعلم النفس. خطأ اوديب الأساس هو بحثه عن هويته، فقد سأل سؤالاً وجودياً تبيباِ (من انا)؟.. كان اوديب يبحث عن الإجابة لهذا السؤال المدمر. ثم ما فتئ ان اضاف سؤالاً اخرا وهو من قتل لايوس؟ وفي بحثه عن هويته وقاتل لايوس، قتل اوديب ابيه خطأً وتزوج امه خطأ ليصبح ملكاً، فصار دون علمه (قاتل الاب وزوج الام) father killer and mother husband… وهذا ابشع مصير انساني. إن البحث عن الهوية يقود الي الهلاك..ونحن في السودان ظللنا نردد هذا السؤال القاتل، سؤال الوجود من نحن؟ ما هويتنا؟ ولم ننفك نعيد ونكرر حتي تقاسمنا جغرافية السودان من أجل التاريخ، جنوب يزعم بزنجية لا تشوبها عروبة من مكان ، وشمال يفخر بعروبة نقية لا تأتيها الزنوجة من تحته ولا من فوقه ، حتى إذا ما مر الزمان وفعل فعله، ادركنا حقيقة قاطعة انه لا جنوب بلا عروبة ولا شمال بلا زنوجة ثم اقبل بعضنا على بعض تباكي مريب علي الوحدة. و لا زال السؤال الوجودي قائم في مسارات التفاوض، التي ابتدعت خمس سودان جديد، أطلقوا عليها اسم المسارات، فهل يا ترى سوف يتقسم السودان الي خمس دويلات؟ تلك هي خطورة التاريخ التي يحذر منها التاريخ. لكن أزمة اوديب الحقيقية هي فشله في معرفة اسباب الطاعون. واليوم يمر عالمُنا بمحنةِ طاعون العصر Covid19، ذلك جراء الطمع والتسابق الدولي بغية السيطرة على السوق العالمية. ليس حقيقة ان عالمنا قد تعفن بهذا القدر او فسد فصار يعج بالجراثيم وفيروس Covid 19، بل هم… هم من جرثموه.لقد ورثنا هذه الأرض نظيفة، وامرتنا كل الشرائع السماوية بصونها وتعميرها، وعدم تدميرها او جرثمتها فكيف يحدث هذا؟ .
ويحدثنا تاريخ المسرح عن الطمع بوصفة السبب وراء كافة الحروب كما يقول الفيلسوف ايمانويل كانط في كتابه Peace complaint. كما كتب الشاعر وليم شكسبير رائعته ليدي مكبثMacbeth مصوراً خطورة الطمع عندما يقترن بالخوف ، حيث بلغ الطمع بماكبث مبلغاً عظيم الدرج، ليقتل ضيفه ( دنكان) داخل قصره، في مشهد خنجري، لا زال يجد الإعجاب التمثيلي لطلاب هذا المجال والضرب من اضرب الفنون. وفي رائعته (الملك لير) كان الطمع هو السبب المباشر كى يقدم الملك لير,ملك إنجلترا على تقسيم مملكته على بناته الثلاث، حتى يضمن ايلولة الأمر لاسرته، لكنه يكتشف في النهاية انه كان في خسران مبين حينما خطرت تلك الاستراتيجية الغبية على ذهنه.
يعيش عالمنا شهوة الطمع في المال والسلطة. لكن بالمقابل؛ يحدثنا المسرح في تاريخه الحديث منذ نهاية القرن التاسع عشر، عن كتّاب عظام، كالدوح يرمي بظلاله ليتفيئه الناس أينما كانوا في مشارق الدنيا ومغاربها. في مسرحياتهم وروائعهم الخالدة، كان كل من النرويجي هنريك ابسن، والايرلندي جورج برنارد شو و الروسي انطوان تشيخوف و الإيطالي لويجي بيراندلو يصنعون شخوصاً لتصنع التاريخ الاجتماعي، تجادل وتناقش وتبحث كى تخترع الحلول للمشاكل المختلفة. كما هو في (البطة البرية) و(بيت الدمية) لابسن، (وبستان الكرز) لتشيخوف و(ست شخصيات تبحث عن مؤلف). كان تيار المسرح الحديث كما تشير البروفسير فيلبس هارتونيل بجامعة أكسفورد، تيار اجتماعي عظيم. انه مسرح يقوم على مقولة (زولا)… المسرحية شريحة من الحياة The play is a slice of life.
لكن البشرية لم تنج من الجائحات والكوارث والحروب. لقد ظلت تتنواشها من ذات اليمين وذات الشمال، من فيضانات، و زلازل، وحروب تقتل آلاف الابرياء والأطفال والنساء، والشيوخ وتدمر الممتلكات، ويزداد النزوح، و الهجرة القسرية، فيفشل العالم ذهنياً.. لكل ذلك ما ان ظهرت بوادر الحربين العالميتين الأولى والثانية ، كان المسرح قد أعلن، ان العالم لم يعد افضل مما كان، حيث أصدر المسرح بيان الفشل الذهني للعالم، إذ لم يعد العالم مكاناً كريماً لرفاه البشرية كما اعتقد الإنسان في الثورة الصناعية، وبناء دولة الحرية والعدالة والسلام، وصون حقوق الإنسان، بل لقد آضت تلك الامنيات، وظهرت فوق السطح أزمة الإنسان الغربي المعاصر ، أزمة وجودية عبّر عنها المسرح في تيارات العدم، والعبث والقسوة كما هو في روائع جان بول سارتر (لا مفر) ، وصمويل بكيت (في انتظار جودو) ، واوجين يونسكو(في المغنية الصلغاء) وانتونين ارتو في قسوته.
واليوم يقف عالمنا على حقيقة ان العالم يعيش جائحة طاعون Covid19 و يا للهول.بدون مقدمات، وبضربة لازب لم تعد الثورة البيوجزيئية وهي تعالج أدق واصفر عناصر الذرة (الجينوم)، وكذلك انهارت كل توسعات ثورة الكونتوم و الطفرة السبرنية، ليعلن فيروس كرونا عن قوته وجبروته، فيهزم العالم… لا لا لا أصدق… هل تعلمون، ان ما يحدث هو الطمع وشهوة المال والسلطة. أربعة عشر يوما، وسكان الكرة الأرضية يبحثون عن طريقة ناجعة للاختفاء عن كائن لا يرى بالعين المجردة، وخصيصة سلوكية لعدم التلاقي، يبحثون عن منهج للعزلة ، والاختباء عن بعضهم البعض. هذا بالطبع بحث عن سلوك عكس طبيعة المسرح… فالمسرح هو سيسيولوجيا التلاقي والاحتفال كما يرى الفرنسي جان ديفينيو، وهدفه السير على نعل الآخرين. المسرح هو أن نلتقي و أن نحتفل…. نلتقي لنبكي او كى نضحك…. هذا بالطبع ما يفعله المسرح… كسر الخوف، الخوف من الموت، والخوف من التاريخ على هذا الكوكب منذ اكثر من ثلاثة الف سنة، لكن اليوم علينا أن نهرب من بعضنا بذنب Covid19. لا أعتقد أن ذلك صحيحاً. هناك شيئ ما، انها الحرب، ابشع اضرب الفنون التي اكتشفتها الإنسانية… الحرب محيط بلا قاع يبتلع كل شيئ دون تمييز كما يقول الفيلسوف بيير ، انها حرب جرثومية قذرة . لقد بلغ بهم الطمع درجة ان تنافسوا على حيازة الجراثيم!
لكن اليوم يعلن المسرح لا… لا للخوف، ولا للرعب، اخرجوا الي مسارحكم، اخرجوا الي مدارسكم، اخرجوا الي عملكم، قاوموا الجراثيم، نظفوا العالم.
يقول ألبرت اينشتاين (لا أدري نوع السلاح الذي سيتقاتلون به في الحرب العالمية الثالثة، لكني على يقين سوف يستعملون العصى في الحرب العالمية الرابعة).
وفي السودان حذرنا المسرح من مغبة الغلو والتطرف في مسرحية خطوبة سهير، تلك الخطوبة التي لم تكتمل فقط بذنب اب للخطيب بلغ درجة من التعصب الديني والقمع لم تمكنه احتمال سلوك والد العروس الشخصي بمنزله، حذرنا حمدالله عبد القادر عن التطرف الديني، وحذرنا عن عدم المبالاة بالقيم والعادات… لكننا اليوم في السودان على طرفي ذات النقيض. التعصب، والنذق، والانتقام وعدم قبول الآخر. ومن قبل حمدالله عبد القادر حذرنا العبادي عن خطورة التاريخ و التعصب القبلي. وفي مسرحه. و في نظريته، ظل المفكر السوداني عيدابي يدعونا في مسرحه الي سودانوية هادفة الي تبني مشروع إدارة التنوع الثقافي…لانه يعلم خطورة التاريخ.

انتهى

*أبوالقاسم قور حامد، من أبناء منطقة أبيي – المجلد، مواليد ١٩٦١م، نال دكتوراة في الفلسفة جامعة الخرطوم ٢٠٠٠م عن رسالته (ثقافة السلام) ، وماجستير الفلسفة في الآداب ١٩٩٧م، و بكالوريس النقد المسرح في النقد الدرامى ١٩٨٨م وبكالوريوس القانون جامعة النيلين. استاذ زائر لدي عدد من الجامعات الأفريقية، ومستشار للشؤون العربية لدي البرنامج الأفريقي لجامعة الأمم المتحدة للسلام باديس أبابا www.africa-upeace.org
منذ عام ٢٠١٢ م عضو المفوضية القومية لحقوق الانسان. ناشط في مجال ثقافة السلام وحقوق الانسان يقيم بالخرطوم واديس أبابا
جوال الخرطوم :٠٠٢٤٩٩٢٦٢٩٩٥٣٩
جوال أديس أبابا
+251116180991-82

تمت ترجمتها الي اللغات الإنجليزية والفرنسية و الصينية والاسبانية. وتم بثها في اليوم العالمي للمسرح عبر عد من الاذاعات العالمية.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!