كيف يصبح سيناريو الانقلاب غير مقبول؟

2

خالد عمر يوسف

قرأت على صفحة أ. أحمد شموخ في فيسبوك بالأمس مقتطفاً أوردته صحيفة “نيويورك تايمز” في العام 1989 قبل ثلاثة أشهر من انقلاب الجبهة الإسلامية صرح فيه بروفيسور محمد عمر بشير قائلاً “إنه لا خيار للجيش في السودان سوى التدخل للإنقلاب على حكومة رئيس الوزراء الصادق المهدي وان هذا السيناريو اصبح مقبولاً في الأيام الأخيرة”.

حكاية تمهيد الطريق نحو الإنقلاب في السودان مكررة بصورة كربونية فبعد كل ثورة ينجزها الشعب السوداني تشتعل الساحة بالصراعات الحزبية، حتى يبرز خيار استلام الجيش للسلطة كخيار وحيد، خيار يجد تفسيره في طبيعة تكوين االمؤسسة العسكرية التي أنشأها الاستعمار كمؤسسة تمتلك كل سمات الحداثة من إنضباط ومناهج إدارة وتسليح في وسط مجتمع تقليدي لم يكتمل تحديث قطاعاته المدنية وتسوده أنماط علاقات اجتماعية ما قبل رأسمالية تمزقها القبلية والعشائرية. هذه الوضعية تقود لفرضية سهلة قوامها أن الجيش الحديث هو ال perfect fit لتحديث الدولة وفرض الاستقرار فيها وحمايتها من عبث المدنيين، لتسقط حقيقة ناصعة وهي أن الجيش جزء من هذا المجتمع وتوجد به ذات أمراضه من تفاوتات اجتماعية وطبقية وهو مرتبط بحماية مصالح محدودة كما أنه لا يعكس تنوع السودان وقد ظل طرفاً في حروب الداخل التي شنت ضد مكونات اجتماعية في البلاد.

هذه الوضعية تكتسب تعقيدات إضافية في سودان اليوم إذ أن المؤسسة العسكرية لم تنجو من سياسات الجبهة الإسلامية التي سعت لتأمين حكمها عبر سياسات فرق – تسد، فقسمتها داخلياً وسمحت بتكوين جيوش موازية مثل الدعم السريع والدفاع الشعبي وهيئة العمليات لتغلق الطريق أمام توحد القرار العسكري بإنهاء حكمها وهو ما أجبرها عليه الشعب حين فرض كلمته في ثورة ديسمبر المجيدة ليغلق كل الطرق سوى طريق الاستجابة لصوته الراغب في التغيير، ولتنتقل تعقيدات ما قبل السقوط للمرحلة الانتقالية التي ورثت واقعاً مثقلاً بضعف المؤسسات المدنية وعدداً من الجيوش التي تأتلف مصالحها حيناً وتختلف أحياناً أخرى وقد صدق بروفيسور عطا البطحاني في تقليله من فرضية دعاة التخويف من سيناريو الهبوط الناعم حين قال “الأثر التراكمي الكليبتوقراسي والكارثي للإنقاذ يجعل من الهبوط الناعم عملية صعبة، إِن لم تكن مستحيلة. وذلك لغياب شروط بنيوية للهبوط الناعم. فالتجارب المقارنة للدول التي انجزت هبوطا ناعماً تشير الى النخب التي حكمت في عهود الاقصاء والقهر تماماً كالإنقاذ، أنجزت عمراناً تنموياً نقل بنية مجتمعاتها للأمام، وهيأ لها – أي لهذه النخب – مواقع نفوذ وامتيازات خارج جهاز الدولة، مكنها لاحقا من قبول التسوية والمقايضة بالتنازل عن السلطة السياسية مقابل إدارتها للاقتصاد – كما في جنوب افريقيا كمثال بارزً. بالنسبة لنا السؤال والحسرة المميتة: ما هي إنجازات نخب الانقاذ (بما فيها المكون العسكري – الأمني)، طيلة الثلاثين عاماً؟ أين هي مواقع النفوذ والامتيازات التي تم بناؤها بعيد عن الدولة حتى يمكن للمكون العسكري – الأمني الانسحاب لها، دون أن يخسروا كل شيء؟ لا توجد. ألا تلاحظ أن هذا واحد من أسباب التراجع والتردد وفتح خطوط اِتصال مع، “… نصراؤهم وسط المدنيين”.

عليه فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً في واقع اليوم حال تفتت المؤسسات المدنية وعدم قدرتها على فرض أجندة الإنتقال لن يكون الإنقلاب العسكري بل سيكون انهيار الدولة على الأرجح، وهو سيناريو لا يجدي النظر إليه وهو يتخلق بل يجب العمل الجاد من أجل قطع الطريق أمامه والذي له عدة متطلبات نوردها في النقاط التالية تباعاً:

أولاً: ضرورة الإصلاح المؤسسي العميق داخل المؤسسات المدنية لتقوية هياكلها بما يعينها على تحمل صعوبات ومسؤوليات الانتقال. تشمل هذه المؤسسات الأحزاب والنقابات ولجان المقاومة وتمتد لتشمل السلطة المدنية نفسها، فالسمة البارزة لكل هذه المؤسسات هي الانقسامات والصراعات وضعف الآداء وتعليق اخفاقاتها على بعضها البعض وإغفال النظر عن أزماتها الداخلية. لعن الظلام لن يوقد الضوء والواجب هو أن نخوض معركة الإصلاح المؤسسي الداخلي في كل مناحي المؤسسات المدنية.

ثانياً: إعطاء الأولوية القصوى لعملية السلام الشامل التي توقف الحرب وترسم الطريق لإنهاء الاختلالات البنيوية في جسد الدولة السودانية وتصالح بين مكوناتها. تتحمل الحكومة والقوى السياسية قسطاً غير يسير من المسؤولية في تأخر الوصول لاتفاق سلام شامل بسبب قلة التركيز في هذا الملف والانشغال عنه بملفات أقل أهمية، كما تتحمل حركات الكفاح المسلح بعض المسؤولية في التردد في اغتنام الفرصة التاريخية التي وفرتها ثورة ديسمبر المجيدة للانتصار للقضايا التي ناضلوا من أجلها عقود طويلة.

ثالثاً: لن يحدث انتقال ديمقراطي دون إصلاحات كبيرة في المؤسسات الأمنية والعسكرية وهو أمر ليس بيسير ولكنه ضروري وجوهري، هذا الإصلاح عبارة عن عملية ممتدة تستغرق وقتاً وتهدف لتوحيد هذه المؤسسات وضمان قوميتها ومهنيتها وتعبيرها عن واقع التعدد والتنوع وتمثيلها لمصالح غالب الناس لا القلة، وتستلزم هذه العملية الوصول لتعريف واضح لطبيعة دور المؤسسة العسكرية وحدود تقاطعاته السياسية والاقتصادية وترسيم العلاقة بين المدنيين والعسكريين بما ينهي علاقات العداء والصراع والاستتباع وينشىء دوراً جديداً قائماً على تكامل الأدوار خدمة للمصالح الوطنية.

رابعاً: الدفع بعملية العدالة الانتقالية لقلب أجندة الانتقال بما يؤسس لواقع جديد تكشف فيه الحقائق وينصف الضحايا ويحاسب الجناة ويتم ضمان أن لا تتكرر جرائم الماضي مرة أخرى. تاريخ بلادنا مثقل بالجرائم والمظالم التي لا تتحكم في ماضينا فحسب بل تمسك بخناق المستقبل أيضاً، ولا يمكن المضي قدماً بدون مواجهتها وابراء الجراح وصياغة علاقات جديدة بين مكونات الوطن تدير الخلافات فيه بشكل عادل ومنضبط لا يهدد كيان الدولة نفسها ولا ينحاز لبعض فئاتها.

خامساً: إحياء الفريضة الغائبة لدى دولة سودان ما بعد الاستقلال وهي المشروع التنموي الوطني الذي يحسن حياة الناس وينهي التفاوتات الاجتماعية ويستغل الموارد المحلية ويعاظمها. ظل نقاش النموذج التنموي في الخطاب السياسي خجولاً وفي أدنى سلم الاهتمامات ومع اشتداد حدة الأزمة الاقتصادية اليوم فإن الحوجة ليست لمعالجات اقتصادية موضعية بل لمشروع تنموي شامل يحرر البلاد ويستنهض طاقاتها.

ختاماً قد يبدو الوضع الآن قاتماً ومحاطاً بصعوبات عديدة وتسوده الاختلافات وهو أمر مزعج ولكنه طبيعي فلا بلاد تبنى دون تحمل وعثاء مهام البناء. هذا طريق طويل نتعثر فيه ونتأخر وننهض ونتقدم، ومواجهته لا تتم بالحلول العدمية التي تهدم كامل المعبد ولا بالخطابات التي تتهرب من تحمل المسؤولية وتبتغي المعصومية، طريق البناء شاق ويتطلب الخوض في وحله وابتغاء سلامة الوطن لا الذات.

8 يونيو

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!