لزوم ما لا يلزم

3

حيدر إبراهيم علي

من أشق الأمور وأثقلها على نفس المرء أن يجبر على التعليق على ما كتب، إذ يفترض أن النص صار ملكا نهائيا للمتلقي، بشرط أن يقرأه بعقل موضوعي باحث عن الحقيقة، وفؤاد بلا شوائب وأغراض خارج الفكر. ومثل هذا الدفاع أو التعقيب فيه بعض النرجسية البغيضة، لأن الكاتب سوف يذكر بعض فضائله وإيجابياته وكأنه يمتن على الناس. فشكرا للاستاذ عبدالله مكاوي إذ كفاني بعض هذا الشر في مقالته الودودة .

كان تعقيب الأستاذ عادل شالوكا قائما على محاولة صيد لكاتب مرتد أو منافق أو متناقض يتراجع عن مواقفه حول العلمانية. وهنا أقول ببساطة إن مقالي هدف إلى شيئين (1) فكرنة السياسة وعدم إطلاق شعارات دون تعميقها وسط الجماهير والقواعد، ولو قرأ  الأستاذ عادل العنوان بنية طيبة لما كتب مقاله فالعنوان يقول  إن العلمانية ليست مجرد شعارات سياسية فقط. يقول المناطقة أن هذا الأمر هو كذا وزيادة. ومقالي توجه نحو هذه الزيادة في الشعار . لأن الزعيم السياسي الذي أطلق الشعار في مفاوضات جوبا مطالب ببث وغرس هذا الشعار كفكرة ومبدأ بين قواعده بحيث يكون كل فرد في الحركة التي يتزعمها قادرا على شرح المفهوم والدعوة له والدفاع عنه أمام الخصوم والأعداء لو اضطرا لذلك.

وبالمناسبة أنا لم أتراجع عن دعوتي للعلمانية وقد كتبت قبل سنوات عام 2003م كتابا عنوانه “العلمانية.. المفاهيم والقضايا ” في وقت لم يكن هناك من يتحدث عن العلمانية أصلا ولا يوجد أي سبب يجعلني أتراجع عن مواقفي! لأنني لست دوغمائيا أو متعصبا بل لأنني أقوم بتربية نفسي على ما آمنت به وعملت به أيضأ بلا تناقض بين الداخل والخارج كما أواظب على التعلم المستمر كل صباح. فلا تخف علي من الارتداد والتناقض.

تحتاج ثورة ديسمبر إلى السياسة المفكرة العقلانية وليست سياسة السوق ”أمسك لي وأقطع ليك”. وفي الحديث الشعبي فلان والله سياسي،، تعني أنه كذاب ومراوغ. ويخرج من المأزق بالحيل والمقالب. وهذا ما نحاربه في السودان الجديد.

الهدف الثاني لمقالي وهو الإسراع بعملية السلام وأن يكون أولوية. وتخيل دخول المفاوضين في نقاش حول العلمانية متي سوف تختم المفاوضات؟

هناك مدرستان ورؤيتان لعملية التغيير والنهضة. واحدة تؤمن بدور السلطة والسياسة، والأخرى تعلي من قيمة الثقافة والفكر وتربية الفرد  وأري نفسي ضمن الأخيرة لذلك  لا أثق في الشعارات السياسية المجانية خاصة ولو جاءت في بلد غير ديمقراطي مثل السودان ظلت السلطة فيه متداولة بين الطائفية التقليدية عن طريق إنتخابات شكلية بلا برنامج ولا ديمقراطية داخلية والطائفية الجديدة أو طائفية الأفندية  أو ما تسمى بالأحزاب العقائدية  التي تلجأ للعمل الانقلابي والدكتاتورية العسكرية تفرض برامجها الخيالية.

مدرسة السلطة هي التي عبر عنها قول ينسب لعثمان بن عفان : ”إن الله لينزع بالسلطان  مالا ينزع بالقرآن” وفي السودان يتحدث زعماء عن الدستور والقوانين بأنها لا تساوي الحبر الذي كتبت به.. وقبل ذلك رفض البرلمان حكم المحكمة الدستورية في قضية حل الحزب الشيوعي .

معذرة هذه قناعات شخصية راسخة في نفسي ولا أحتاج للشهادة من حزب أو تجمع  أو جبهة  ثورية أو غير ثورية. ولست مطالبا بالتبرير أو التوضيح قناعات يسندها الضمير فقط وليس اللجنة المركزية أو الإمام  أو المرشد أو الأمين العام.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!