لكل جواد كبوة.. في شأن د. إحسان فقيري

4

د. إشراقة مصطفى حامد

مقدمة:
لا يمكن لأي كان أن يقدح في المسيرة النضالية المشرقة والمشرفة للدكتورة إحسان فقيري التي وهبت سنوات عمرها النضر لمسيرة الوعي ولمشروع الاستنارة، هذه السيرة هي التي دفعتني لأعلن عضبي ورفضي لردة فعل دكتورة احسان التي جاءت في سياق الدفاع عن المرأة وفي سياق غضبها انزلقت في ذات المحك القاسي الذي أثار كل هذه الضجة. ليست ضجة مفتعلة بل أراها ضرورية ليست فقط في حالة د. احسان فقيري وانما فرصة لمراجعة الكثير في أدبيات الحركات النسوية/النسائية في السودان. وقوع د. إحسان في هذا الخطأ الجسيم لا يسمح لأيا كان أن يمحو بنقرة على الكيبورد تاريخها الحافل بمجابهة الأنظمة الديكتاتورية والقمع الذي طال النساء وانحيازها لحقوق الإنسان. ذات التاريخ الحافل هو ما دفعني لأكتب وجهة نظر تحتاج إلى المزيد من النقاشات في شأن التمييز العنصري/ التمييز بسبب النوع/ التضامن بين النساء وقبل كل ذلك سياسة الاتساق بين ما نؤمن به وما نطبقه على أرض الواقع. انها فرصة لان نراجع مسيرتنا في بعدها الجمعي كنساء وكل المهتمين بمنظومات حقوق الإنسان.
الأمر هنا لا علاقة له بالأنبياء او الملائكة الذين لا يرتكبون الأخطاء بل لها علاقة بكيفية الاستفادة من تجاربنا وأخطائنا وممارسة النقد البناء والواعي ومؤكد ليست د. إحسان الأولى التي وقعت في هذا الخطأ ويمكن ذكر أمثلة من انزلاقات تأتي في محكات عابرة، كالتعليق على أغنية او الضحك على مشهد درامي يعكس كم من البؤس والتمييز ضد النساء ليس ذلك فحسب بل عنف بعض النساء ضد آخريات/ التنمر الخ.

هل ردة الفعل عنصرية؟
دعونا نعرف العنصرية بطريقة بسيطة بالرجوع إلى مرجع بسيط جدا للطاهر بن جلون في كتابه القيم (العنصرية كما شرحتها لأبنتي)، هذا المرجع متوفر في الشبكة العنكبوتية. وفقا لعدد من التعريفات أقول ان ردة الفعل تنضوي تحت مايُعرف (بالعنصرية المضادة)، التي تأتي كردة فعل باستلاب ذات عقلية الفاعل العنصري ويلعب الغضب هنا دورا كبيرا، ليس الغضب الذي عنته أدورا لورد بقولها:
(1981) AUDRE LORDE, “THE USES OF ANGER: WOMEN RESPONDING TO RACISM”
ردة الفعل العنصرية لا تعني ان د. إحسان فقيري عنصرية ولكنها مارست (عنصرية مضادة) في إطار دفاعها عن النساء كاحتجاج على وصفهن بأنهن (شينات).
غضبها أوقع بها في ردة فعل لا تشبه مواقفها ونضالاتها ومن هنا تبلور رفضي وغضبي أيضا ان يحدث ذلك من قامة مثل د. إحسان فقيري.
بتعريفنا للعنصرية والعنصرية المضادة نجد أن التعليق عنصري (تكون الخواجية دي دايرة تعرف الحلقة المفقودة بين الإنسان والقرد) – انتهى التعليق كردة فعل على تعليق عنصري من صاحب البوست الذي نشره في صفحة جيل السبعينات وهو كالتالي (لمن تختار اختار صاح، أي السودانيات اخواتنا وامهاتنا بس النصيحة شينات ومافي أمل لتحسين النسل فلعشان كدا يا صديقي اغزي الشيطان وقول بسم الله وعرسها من بلاد الفرنجة ….. الخ). انتهى التعليق العنصري بسبب النوع والشكل لصاحب البوست وهو ليس صاحب الصورة الذي ناله ما ناله من تجريح واساءات وانتهاكات لأبسط حقوقه الإنسانية، فليس هناك أقسى من ان تصف انسان بانه قرد، تصنيف الانسان وانزاله درجة من كونه انسان الى حيوان وهنا الإشارة الى (قبح القرد).
عنصرية وعنصرية مضادة ولكن الفرق ان د. إحسان فقيري لم تستخدم في ردها كل امتلكته من أدوات وآليات الوعي وجاء الرد متمثلا فيما يعرف بالعنصرية المضادة وهذا الرد القاسي تسبب في حالة أقرب الى الذهول والغضب للكثيرين والكثيرات وانا منهن.
الغضب؟
اشارت ادورا لورد في كتابها القيم
Macht und Sinnlichkeit
الذي أصبح من المرجعيات الهامة في أوساط اكاديمية وحركات مدنية حقوقية عن الغضب كوسيلة مقاومة، ففي رأيها ان المرأة التي تستجيب للعنصرية تعني المرأة التي تستجيب للغضب. الغضب من الإقصاء، والامتيازات التي لا جدال فيها، والتشوهات العنصرية، والصمت، وسوء الاستخدام، والقولبة، والدفاع، وسوء الفهم، والخيانة، والاستغلال الخ.
وذات الغضب يمكن ان يتحول الى حالة ثورية ضد الذات لنفض ما يعتريها من ممارسة سلوكيات رفضتها النساء عبر مسيرتهن ولكنهن يقعن أحيانا في ذات المستنقع بوعي او دون وعي.
واقعنا السوداني، بدء من مناهجنا، ارثنا الثقافي الذي يحوي الكثير من التمييز بكل اشكاله، فالعنصرية سبب أساسي في كل ما يحدث في بلادنا وعلينا مراجعة ما يعرف بالعنصرية المؤسساتية التي عملت على اقصاء آخرين لأسباب تتعلق بسلطة متوهمة، سلطة اللون، الدين، (العرق)، النوع، التوجه السياسي…. الخ.
ذات السلطة هي التي أسست لمعيار جمال واحد ارتبط في مخيلة الكثيرين (باللون الفاتح والشعر الناعم والقبيلة الخ.) لهذا لا اتعجب ابدا ان للتعليق البائس بالقول ان (السودانيات شينات) وعلينا مراجعة الكثير من الامثال الشعبية واغاني الحقيبة وكل الموروث الثقافي الذي جرف بعض النساء الى استخدام كريمات تفتيح البشرة ليكونن مقبولات لدي مجتمع له تصورات ذهنية محددة للجمال ومعاييره.
مسيرة الوعي يعتريها الكثير من المطبات والانزلاقات كما حدث مع د. احسان فقيري وهي كبوة جواد في هذه المسيرة النضرة والتي لم ننجو منها وعلينا مراجعة مسيرتنا جميعا اذ ان لا أحد يخلو من ممارسة التنميط بوعي او بدون وعي ولكن المخرج يٌكمن في مراجعة الذات ونقدها بشكل مستمر. الاتساق يحتاج الى تمارين يومية ونقد بناء مسنود على ارثنا في المقاومة ضد كل موروث سلبي وله تأثيراته السلبية على وعينا.

الاصطياد في الماء العكر:

أقف تماما مع أي نقد بناء ضد أي سلوك اقصائي وبذات المستوى ارفض أي استغلال لكبوة جواد د. إحسان لتصفيات حزبية او منظومات نسوية.
تابعت ما يدور بشكل يومي ومن عدة وسائل ميديا اجتماعية، احتفيت بالنقد البناء ولكن لا لأي نقد هدام لن يدفع بمسيرتنا الإنسانية الى الامام. هناك من تصدوا إساءة وتجريحا لدكتورة احسان فقيري وبذلك هم وقعوا فيما رفضوه وامتلكتني حاسة الباحثة الى رصد وتحليل ما جاء كردة فعل من البعض ولم تستند الى رؤي علمية بل حاولت نصب المشانق لدكتورة احسان ولكل ما انتمت له. بل ذهب بعضهم للمطالبة بسحب الجائزة الأخيرة منها وكأن اوربا تخلو من العنصرية. حركة النساء الاوربيات بمختلف درجاتها في الاعتدال والتطرف تعرف ان طريق النضال ضد التمييز لن يحدث بين يوم وليلة وتعرف أيضا ان النساء يتأثرن بالواقع الذي أنتج وعيهن ويعرفن أيضا ان مقاومة هؤلاء النساء ضد السائد تحتاج الى الاستفادة من كل آليات النضال ضد مسببات التمييز. اندهشت أيضا الى بعض الآراء التي تماهت عبر تبريرات غير موضوعية في محاولة لإيجاد تبرير لردة فعل د. احسان في الوقت الذي راجعت د. احسان موقفها وممارسة النقد الذاتي وتسجيلها للمنشور في الأسافير والذي وجد أيضا ردود فعل متباينة بين من يراه جسورا ومن يراه غير كافي وعلى كل أرى ان الوقفة في حد ذاتها فعل ثوري والفعل الثوري يتمرحل، فليس من ثورة تهبط وتكتمل فجأة وهذه المسيرة تتعرج صعودا وهبوطا ولكننا نتعلم من هذه الرحلة القاسية، رحلة الوعي والاتساق.
استقالة د. إحسان فقيري من لا لقهر النساء فعل ثوري وفيه رسالة تجترح واقعنا الحالي وهذا موقف سياسي ناضج وتعبير قوي لنقدها الذاتي، هذا سلوك يضاف الى مسيرتها ويؤرخ لها.
لتكن هذه القضية بمثابة طرق على مغارات وعينا كنساء وان نواجه الكثير من الموروثات بروح جماعية، لنراجع رؤيتنا في قضايا مفصلية عن التضامن بيننا كنساء وهذا يتطلب اجتراحات أعمق كثيرا مما نظن. هذا سيخرجنا من الفضاء النظري الى أرضية عملية ربما يفتح الحوار حول العنصرية الى الاعتراف فعليا باحتياجات النساء الاخريات وسياقتهن المعيشية وواقعهن الاقتصادي وان نغيير كثير من المفاهيم في طرق عملنا، فالمرأة الريفية او النساء في مناطق الحروب والصراعات المسلحة لها احتياجاتها وهمومها واحلامها وكون لنا نوع اجتماعي واحد لا ينفي التراتبية بحكم الامتيازات التي تحصلت عليها بعضنا بحكم واقعنا السياسي الذي ظلم الكثير من النساء على حواف المدن والارياف من التعليم، العمل، المشاركة الشعبية التي تكفل حقهن في التعبير.
كل امرأة لها قدرات مختلفة ولها ترسانة من الغضب والذي يمكن تحويله الى طاقات خلاقة ضد القهر بكل اشكاله ومصادر هذه الطاقة يمكن ان تخدم التغيير المنشود وهنا لا أعنى تغيير المواقف بل تغيير أساسي وجذري في موروثاتنا وخلق أطار مفاهيمي نؤسس له من واقع النساء المختلف وهذا امر شاق تعودنا عليه واكتسبنا من مناهضتنا للواقع منذ صرختنا الأولى، ولادة الحبل/ الختان/ الحروب/ الهجرة/ التشريد/ النزوح/ العنف بكل اشكاله/ التحرش/الاغتصابات/الاعتقالات والإنقاذ وبقاياها. هذه التجارب علمتنا واكسبتنا الكثير من آليات المقاومة والتمسك بحلم التضامن الحقيقي بيننا.

فيينا، 18 مايو 2020

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!