لمس المجامر.. غياب قسري

3

عصمت عبدالله

ولأن الصحف السودانية صارت الكفاءة عندها ليست معياراً لاختيار منسوبيها، بل اكتفت بمعيار (الشلليات) و(فردتي وفردتك)، فتخسر مثل عثمان عوض ضرار كاتباً على أخيراتها، بل وفضّلت أنصاف أقلام ومتسلقي حوائط الكتابة، وتجاهلت كاتباً ذا رسم مختلف وشاعراً من سلالة حميد وثورجياً من طينة جيفاراً وإنساناً من نسل المبادئ.. زاهداً في الظهور الإعلامي، ممتنعاً عن الشوفونية، بل وكثير التهرّب عن اللقاءات التي يُراد إجراؤها معه. كثيراً من تجدني أردد عبارة (خسارة) حينما تقع عيناي على شبه كاتب (يبرطع) على أخيرة إحدى الصحف ولا ترقى كلماته لمستوى صحيفة حائطية لمدرسة أساس، ومثل عثمان عوض ضرار تُحرَم يومياً من قامات أحرفهم الأمم.. الأستاذ عثمان ذو كفاءة تؤهله ليتقلد رئاسة تحرير أي صحيفة أفضل من كثيرين يتقلدون المنصب وضحالة مستوياتهم الكتابية والتحريرية شاهدة على ذلك.. بل ويصلح أن يكون معداً برامجياً ومحاوراً ومذيعاً مقتدراً في فضائياتنا.. بل والأجدر أن تستعين به مراكز البحوث والتدريب الإعلامي والتوجيه وكليات الدراسات الأدبية والإعلامية والتربوية.
عثمان عوض ضرار زاملتُه في صحيفة الشاهد، لم يكن يسعدني مقال بقدر مقاله، ألمح فيه الأسلوب الجزل العميق المعاني، السهل الميسر للفهم حتى لأبسط القُرّاء دون أن يخالف طموح أكثرهم ثقافة.. تجد فيه السياسة بالفهم الواعي المعتدل، الأدب بكل إبداعاته، الشعر بكل ضروبه، اللغة الرصينة، الصياغة التحريرية مكتملة الأركان، والجاذبية.. وكثيراً ما تجد كل تلك الأشياء في المقال الواحد دون تضارب في ما بينها، بل يُكمل بعضُها البعض عند مقال عثمان عوض (لمس المجامر)..
جاءت به أرقي في الولاية الشمالية مولوداً وتبادلته ولايتا الجزيرة ونهر النيل في الدراسة الأولية، وفي حنتوب العريقة كانت ثانويته، شاهداً على نبوغه، أما الجامعية فقد كان بين رصفائه النجباء في كلية الهندسة جامعة الخرطوم، ولكن الدراسات الأدبية – حباً فيه – انتزعته من بين المهندسين، فكان نعم المُنتزَع. ألّف ضرار العديد من القصائد المغناة وغير المغناة، غنى له على سبيل المثال: محمد النصري (أماني) وطارق العوض (حدثتني سحابة عنك) ومعاوية المقل (بخاف نتلاقى زي أغراب) والراحل عبود تبوري (هي ما زي الشمس بتغيب) وغيرها من القصائد كـ : ذات الشامة، سوق عكاظ، كيف أكتبك، يا سمرة كيف، تقول ناسي، آخر الأخبار، أنا محتاجك، الغيوم الراحلة، بت من فوق، يا ريتني، ما بين الظروف والأقدار وغيرها الكثير.. وأشهرها على الإطلاق وكانت بمثابة جسره إلى جزيرة الإبداع الشعري (باكر بجيك) التي كانت من نصيب الفنان عبد الرحيم أرقي.
شاعر وأديب وإعلامي مثله تتسابق الصحف والقنوات (المحترمة) لكسب وده وقلمه، بل وقد تبيع في سبيله عدداً من أشباه الأقلام والألسن، والكُتّاب (الفكة) إن قلّت إمكانياتها، عن الإيفاء بمستحقاته المادية. فعنده قد تجد معلومةً تساوي مقالات سنة عند هؤلاء، وكلمة حق تساوي ملايين الكلمات المتملقة عند هؤلاء.. بل يُعدُّ من قلائل الكتاب المطلعين والمثقفين، الذين تتجدد عندهم الكلمة بتجدد مناسبتها، وتتنوع، ولا يكتب إلا الكلمة المناسبة في الزمان المناسب.. بل لا تخرج الكلمة من قلمه أو لسانه إلا بترتيب وتفكير..ما دفعني للكتابة عن هذا النجم المتواري (قسراً) أنني طالعت حواراً أجراه مع الشاعر الراحل حميد، فتحسرت على أن صُحفنا تفتقر إلى كاتب مثله، محاور وأديب يناطح شعراء وأدباء بلادي.. حتى الفضائيات تفتقد محاوراً ومذيعاً مثله يكون ملماً بمكنونات ضيفه، على النقيض من السطحيين الذي تضج بهم الشاشات. وتحسرت على أن الجيل (الراكب راس)، معظمه لا يعرف عثمان عوض ضرار، بسبب إعلامنا، الذي يُلمّع الصدئين فقط.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!