ليلة فض الاعتصام

1


أحمد يعقوب
(1)
كان الليلُ سرمدياً في تلك الليلة الليلاء؛ رابضاً مثلُ كلبٍ وقور وجاثماً على أنفاس المدينة- حاملاً معه ناموساً واحداً منذ الأزل (الحلكة)، والمدينة التي باركها الاسلاف مؤخراً. استيقظت على غناء النّيل للعُشب، وفي أزمنة لم تصفو فضاءا تها قبل حقب سحيقة، بزغت شمسٌ من ثورة في أفق مترع بالهُتاف والأناشيد، ورقصت فراشة تغازل رحيق زهرة الشّمسْ، والثّوار من نوافذهم الشّاهقة المفتوحة على محيطات الحلم، يرون هضاباً وأشجاراً وطيوراً تخفق عبر سماء موشحةٍ بالحرير الأزرق، إنها كانت المدينة الخُنثى تستعيد وقائع ماضٍ سحيق في بحر تتقاذفه الأمواج، وقائع لاتريد الوقوف طويلاً في محطاتها الجهنمية، وقائع أزمنة قديمة تنزع إلى نسيانها ورميها في البحارات العميقة، والمدينة بدت كقطار يتموج في السّهب المترامي والاغوار الغامضة، وفي قراراتها تدرك أن طيور الحزن تخفق بجناحيها، طيورِ رمادية يطلقها الفقدان والفراغ، هي ذي تنتشر فوق الاشياء أو تنبثق منها، إنها تشع ثم لاتلبث أن تغيب في ظلمة غربتها، وفي مكانٍ ما ناءٍ ومنسي، ثمة حلمٍ يُضاجع في أرخبيلاتها الماتعة آن دهر ٍ من الحبور والصفاء، حين كان قلبها يخفق تحت ظل هذه السحابة الماطرة، ومن إفريز نافذتها يبدو الجيشان على الأصابع أولاً، ومن الضغط المتواتر على ثدييها يبدو الثوار متكورين في الأمل، وتحت برق هذا الغسق تبدو كإمرأة ذات جمال غريب، استدارة وجهها الإفريقي؛ شفتيها المكتنزتين بالكنداكات، الإشعاع الشهواني المنبعث من جزر خصرها المبجّل، وصوتها المبحوح دوماً، السّاقان المتوهجتان اسمراراً من أشعة النيل في الصباحات اللاهبة، وأتساءل أهي امرأة الازمنة التي أْصْطَفتها الخطيئة لتكون ولائم للنّزيف وانهماره في هذا الخريف الأخير، أم هي محض طيفٌ كاذب عبر خيال رجل مريض ذلت ليلة.

*(2)*

ومابقى في الذاكرة ليلتها، هو الرمال وآثار الحريق وجثث طافية على سطح النيل، وهذا الدويُّ المتواتر للذاكرة الخربة والشاحب ظلها، ولم يكن أحدهم يعرف كيف طُويَ ملف ذلك الزمن الخراب، وكيف تم تغيير وجهة النهر إلى صحراء التّيه والقفر اليباب؟ وكيف ضربت الصاعقة جذع الاسلاف واحرقتها، وما يُلمح الآن خطفاً، أو برقاً خجولاً شاحباً يرتعش من الارتباك، حين رأينا وجه المدينة الواشية بثوارها بلا مبالاة ودهشة الصدمة، وإذ تستعيد زمانها الماضي يوم فض الاعتصام لا تحصي سوى الخسارات والخيبات.وفي الأصباح البعيدة من الآن، وعبر عصور مبجلة في التوهان والنسيان ومع هسهسات شموس الفجر الداكن كانت تُسمع تراتيل من كتاب الثورة تُتْلى بخشوع ورهبة وعرفان (حرية سلام وعدالة )، والفجرة الكفرة الذين طردهم المسيح من أمام الهيكل كانوا يرون في ظلاماتهم وجه المدينة بعد فض الاعتصام أصفر وشاحب وممتقع من آثار الكآبة والقلق والهلوسة، الموت البارد والملقى فوق البلاط والاجساد المسجاة في أبديتها، والنيل.. أيها النيل ويْحُكَ لماذا لم تبتلع تلك الاجساد ؟ لماذا نكأت الجُرح الغائر في الجوف ؟ لماذا كنت كريما ً كحوت يونس حين لفظتهم ولم تُنْبِت لهم فاكهة من يقطين؟.

*(3)*

وإذْ تروي المدينة قائلة: توشّحت تلك الليلة فضاءاتي المترامية، بالنور وعبق ثوراتنا التليدة، اضجعت الأنجم وتوسدت كبد السماء الصافية والمزدهية رافلة في ألق الهُتافات الثرية والمهتاجة، والثوار منتظمون في ترديد الأناشيد الثورية، والكمنجات تصهل على وقع حوافر الحلم المتاتع، وكان النيل يفوح عطراً خلاسياً مسكونٍ بالسافنا وفتيات يخاصرن الوطن، فتيات مبعثراتٍ على شاطئيه الحميم، والكنداكات يعيدون مجد كوش الآفلُ نجمها مرة اخرى؛ وتحت الغضار والسهوب رأيت بلاد ما بين الحُلْميْن ووراء البحارات وهي تتزّيا بالأمل الخديج، كنت أرى انحناءات الثورة بتنورتها البنفسجية تداعب طيّاتها ريح. تتسلل الريح لتعري تلك السمرة الشاهقة تلسع ما تحت الخصر وقد تعرى من زهرة اللوتس هناك ( آمين او هللويا)، وورود تجتث وتجمع بين أصابع من لحم وشهوة، تنتصب ثم تنحني بين أنصال العشب العالي والغضار الكث، وكنت وقتها في تمام بصيرتي وكمال شهوتي، احمل في طياتي كل الثنائيات مروراً بالطهر والقذارة، قديسة وداعرة، خارجة لتوي من ظلمات ومغتسلة بالأنوار خِلت ُ أنني سمعتُ صوتاً يهمس في ضجر وقلق وتوتر “أين الآلهة في هذه الليلة اللّيلاء؟” ولكن؛ ثمة غرابٍ بكامل عُريه عَبَر تخوم مقر الاعتصام وتسرب ضوء شاحب من أعلى جمهورية النفق، حينها أدركت أنني ثكلى، ومع تدفق الإنهمارات وموجات الدم من تلك التويجات عرفت أن الغراب يحمل نبؤته ويحلق بها فوق ارخبيلاتي متوعداً إيّاي بعظائم الامور والخراب والموت الأسود.

*(4)*

وحين أوْغل الليل، في الأزمنة الكلبية تلك؛ قال الذين طردهم يسوع من هيكله، وطردوا أصحاب محمداً إلى أرض الحبشة: هاهو مجدنا آتٍ على أسنة رماح الهلع والخراب الاسود، وسوف نكتبه بمداد من شهوة أو موت خربٍ أو اغتصاب براءة بتلات النُّوّار، ونادى منادٍ: الجحيم، الثبور، الويل وقال آخر: لايجديك الانكار يا بطرس فهاهو يهوذا مثلُ عبدالله بن أبي سلول قد قبض الثمن . وأنا ادخن في صمت مكتئب بضجر القلق، تتموج مع خيوط الدخان ظلالُ مدينة مضطربة بالدسائس والمحاصصات والمؤامرات السياسية، ومن نافذتي المطلية بالصدأ والصدع أرى في لوحات سريالية الانقلابات العسكرية القادمة ودوريات الأمن، ويتبدل الزمن الموّار بالأمل المشع إلى أزمنة الوحل والدم، وسيصيبنا صداع من الهواجس والوسواس القهري والقلق والتوجس والانغلاق ونحن في توهمنا بعرصات من الوطن، حين كان الوحل هو والطين اللازب ستار الظلمة، الذي قد حجب عنّا أن نرى لحظات ماقبل السقوط المدوي إثر الدوي المتوتر لصواعق الحزن التي أبرقت في الانحاء، وحين كنا نلهو في مطبّات من طحالب وأميبا تنشطر كلما تشظت ذاكرة الثورات عندنا.
هأنذا في ضمير الكتلة المتمورة، هضاب ٌ من سديم وداخل الكتلة المديدة، امسّد على رأس الوطن الذي يبكي على الكتف، وهو مغمورٌ بالاسى والمرارة، سلامٌ حزين وارتعاشات موغلة في التشظي، كما الضباب في ليالٍ خريفية هبط على المدن القتيلة، ودثرها باكفانه الرمادية والمحايدة، وقالت للجثث التي ردمت في المدافن الجماعية: نامي أيتها الرمم المغدورة بهدوء وقلنا: طوبى للشهداء ولنا فلسوف نتعزى وأردد ” أصمّمُ وأنا بكامل وعي وإرادتي أن أكون صوتاً فضائحياً لمن يريد أن يتناسى شهداء ثورتنا العظيمة على امتداد تخوم جغرافيا البلاد من أجل فتات موائد السفاد ودمع أمهاتنا لم يجف بعد” وعلى مر الازمنة القادمة وشرطها التاريخي، سيظل شهداؤنا في القلب وستظل ثورتنا مشتعلة، طوبى لهم أولئك الذين لفظهم نيلنا، وطوبى للشعب المحقون دمه بالوعي، طوبى لأجيالنا المشرئبة أعناقهم نحو وطن أجمل وأخضر وأنبل.

*خريف العام 2019*

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!