مؤلف “عمك تنقو” فاكهة مجلة الصبيان

108

معتصم الشعدينابي:

كنت أطالع صورة لأستاذنا الجليل أحمد المصطفى الحاج الشاعر والكاتب والمتخصص في كتب ومسلسلات الأطفال، وبرفقته الفنان الشامل شرحبيل أحمد، بصفحته الشخصية على فيسبوك، وتجاوزت الصورة التي أمامي لسنوات خلت وتذكرت مجلة الصبيان وعمك تنقو الذي ارتبط باسم شرحبيل أحمد إذ كنا نجد إسمه مكتوبا على الرسوم، ولكن استوقفتني هي لتخبرني أن لديها معلومات تؤكد أن أول من “اخترع” شخصية عمك تنقو – إن جاز استخدام مصطلح الاختراع – هو الأستاذ بابكر عبدالرحمن بابكر مختار، وسنأتي بالتفصيل للحديث عن الأستاذ بابكر، فسألتها كيف لي أن أتأكد من صحة هذه المعلومات، فاتصلنا بابنته الأستاذة عواطف بابكر التي بدا حديثها مقنعا بالنسبة لي وسردها شائقا، وإن كانت تشكو طول المدة وتترجى الذاكرة و(تحنسها) لتسمح لها بمواصلة (الحكي) فتوافق الذاكرة مشكورة على أن تخرج لنا ما يبهرنا ويثبت حق رجل من الأفذاذ تجاهله التاريخ في أحداث مهمة لم يكترث هو لتوثيقها لزهده وتواضعه وترفعه عن الصغائر، وإن كانت الأشياء التي نتحدث عنها أكبر من أن توصف بأنها صغائر لما لها من آثار راسخة في أذهان أطفال المدارس الذين أصبحوا اليوم أجدادا، وهم يذكرون مع أحفادهم قصص عمك تنقو ومجلة الصبيان وما أدراك ما مجلة الصبيان وهل من جيلنا من لم يكن مداوما على قراءتها.

كان اسمها الصبيان وأذكر أن أمي كانت تهتم بها كثيراً، وهي من علمتني قراءتها وكنت ألاحظ أنها تستمتع بقصصها ومنها عمك تنقو وترددها حتى رسخت عندي، وكانت من الأسباب التي حببت إلي القراءة، وبالطبع معها أخريات من الكتب والمجلات في ذلك الزمن الجميل، حيث لم يولد الموبايل والتاب والبلي استيشن ولا قنوات الأطفال، وهذا عالم يطول الغوص فيه. المهم أذكر هنا مثالا (مجلة ماجد، ميكي، صباح، الشياطين الـ 13) وغيرها.


وحتى لا نبتعد كثيرا عن أجواء عمك تنقو فسأعود بكم إلى حديث الأستاذة عواطف بابكر عبدالرحمن وهي معلمة أيضاً، سردت خلاله قصة ميلاد عمك تنقو ومجلة الصبيان وشعرتُ بالأسف والأسى وأنا أستمع لسردها وسرحت في التردي المريع الذي يصيب مؤسساتنا، بل أهمها، وهي وزارة التربية والتعليم التي صارت من وزارات الترضيات في عهد الإنقاذ كما أنها الآن لم تنج من المزايدات والزج بها في أتون صراعات الساسة دون الالتفات إلى جوهرها، وهذا كذلك حال لا يسر ولا يجدي الحديث عنه هنا كثيراً، ودعونا نرجع معاً إلى قصة أستاذنا بابكر عبدالرحمن الذي بهذه المناسبة تعرفت وأعرفكم على جوانب كثيرة ومهمة من حياته، وسأروي على لسان ابنته الأستاذة عواطف قصة سنتين أو ثلاث سنوات فقط من سنينه الحافلة بالمعرفة والعطاء، وسنختصر الحديث هنا عن موضوعنا الأساسي وهو (عمك تنقو):

الأستاذ بابكر عبدالرحمن، كان معلماً تم انتدابه إلى معهد بخت الرضا في الدويم في العام 1946م تقريباً وتصادف وجوده هناك مع إنشاء مكتب النشر، وكان هو من ضمن العاملين فيه، وبحكم أنه شاعر ومؤلف لعدة كتب تم اختياره للعمل بمجلة الصبيان التي صدرت في ذلك الوقت من مكتب النشر، ومن الكتب التي ألفها في ذلك الوقت (صديق الرهو، ثورة المك نمر، قصر الذهب، الكلب جرقاس، أحلام ظلوط،
بجانب كتابين لمحو الأمية باب المعرفة ومفتاح المعرفة).
المهم أنه أوكلت له صفحات من مجلة الصبيان.
ففكر أن يكتب بلسان شخصية مرحة، فهدته شاعريته لعمل مادة شعرية خفيفة، وحينما بحث عن شخصية مناسبة قاده تفكيره إلى اسم تنقو، وهو طالب كان يدرس بالمعهد وقتها اسمه عبدالرحمن محمد عثمان تنقو على ما أظن، وكان يلقب بتنقو، فشاوره في اختيار اسمه فوافق، وبدأ بكتابة (عمك تنقو) في مجلة الصبيان منذ العام 1946م، وكان الأستاذ عوض ساتي صاحب فكرة إنشاء مكتب النشر وفكرة مجلة الصبيان هو أول من رسم شخصية عمك تنقو، وأظن أن الفنان شرحبيل أحمد وغيره من الفنانين انضموا لفريق المجلة في وقت لاحق.
وكانت لي أخت صغيرة اسمها خديجة، وكان عمرها نحو عامين في تلك الفترة، أدخلها والدي في كتاباته واختار لزوجته – أمي- اسم العازة، وواصل به، واستمر هذا الإسم في المجلة.
وأذكر من البدايات هذا المقطع:
عمك تنقو وبتو خديجة
حبو يسافرو يمشو الميجا
شدو حمارهم وشالو العدة
وساقو الكلبة الاسمها وردة
كل ما يلاقو غزالة وأرنب وردة تصيد وعمك يضرب
بتو خديجة تسوي الكشنة
وعمك تنقو يحبها سخنة.
ولم تستمر حكاية عمك تنقو مع الأستاذ بابكر سوى عامين أو ثلاثة، ليبتعد هو عن المشهد ويترك عمك تنقو يواصل المسيرة مع الأجيال جيلا بعد جيل، بعد أن اختار له نمطاً محبوباً ظل راسخا لدى أجيال عديدة، وانسحب الأستاذ بابكر بعد إحساسه بالظلم، فغادر مكتب النشر إثر خلاف مع إدارته حول حقوقه في قصة عمك تنقو، إذ رأت الإدارة أن تكون حقوق الطبع محفوظة لمكتب النشر، كما أنه – بحسب رأي إدارته – لا يستحق عائداً مادياً من عمله في مجلة الصبيان ما دام يتقاضى راتباً من وزارة التربية والتعليم، ومنذ ذلك الوقت فارق أستاذ بابكر عمك تنقو ولكن قطعاً عمك تنقو لم يغب عن ذاكرة الأستاذ كما أنه ظل يعيش في ذاكرتنا وذاكرة الأجيال.

أما التعريف بأستاذ بابكر عبدالرحمن فلن اجتهد فيه كثيراً ولا قليلاً فقط سأكتفي بإعادة ما كتبه عنه الأستاذ محمد عثمان خطيب، على صفحة شخصيات ورموز سنجرابية بالفيسبوك،
حيث قال:
هو بابكر عبدالرحمن بابكر مختار، جده بابكر مختار من قبيلة الفادنية التي تسكن وادي الهواد غربي البطانة في الشرق من كبوشية إلى المحمية وقبيلة الفادنية تنتمي إلى محمد بن الحنفية بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، كما جاء فى كتاب أصول العرب فى السودان لمؤلفه الفحل الفكي الطاهر .
جده لأبيه بابكر مختار من قرية أم شديدة في وادي الهواد، وجاء إلى أبوحمد مجاهداً فى جيش المهدية للانضمام لحامية أبوحمد بقيادة محمد الزين التعايشي، ومعه آخرون من الفادنية، وتزوجوا من المنطقة وشهدوا موقعة أبوحمد في أغسطس 1897.
تزوج بابكر مختار امرأة من الحجير غرب مقرات والدتها من العبابسة ووالدها أحمد يوسف والد القاضي عبدالله أحمد يوسف، وشقيقه المهدي فولدت له ثلاثة أبناء وبنت واحدة الأبناء هم المبارك والطيب وعبد الرحمن والد بابكر
وتزوج عبدالرحمن بابكر شقيقة رجل التعليم إبراهيم أحمد بقرية زروق بالسنجراب، فولدت له بابكر شخصيتنا لهذا اليوم وشقيقاته، وجدة بابكر لأمه والدها من القاسماب برأس الجزيرة وأمها من الخبرا بمقل.
درس بابكر بمدرسة مقرات ومن دفعته فيها عبدالله الطيب وبابكر محمد أحمد بشير ومحمد كرار الشقري ومحمد أبوبكر عبدالله.
التحق بابكر بالدفعة الأولى بمعهد التربية بخت الرضا وتخرج منه معلماً عام 1937
وكان من أميز ثلاثة في دفعته وهم عبداللطيف عبدالرحمن وأحمد الطيب عبدالحفيظ، ولنبوغهم ومعرفتهم لطرق التدريس احتفظ بهم المعهد لتدريس حصص نموذجية أمام طلبة المعهد ولتجربة الكتب الجديدة للمناهج التي يؤلفها رؤساء الشعب.
بعد تنقله بين عدد من المدارس معلماً وناظراً ومن هذه المدارس مقرات وأبوحمد، عمل أستاذاً بمعهد التربية الدلنج، وكان رياضياً ممتازاً خاصة في ألعاب القوى، ولقد شهدته وأنا طالب منتصف الخمسينيات يحصد عدداً من جوائز ألعاب القوى في العيد السادس لمعهد التربية بالدلنج منها رمي القرص (الجلة) ورمي الرمح.
ألّف عدداً من كتب الأطفال منها السراب وحمامة وصديق الرهو، وفي الكتاب الثاني ألّف قصة خيالية من شخصياتها الشيخ الصائم وكاسر الحبيسي.
قضى فترة طويلة في مكتب النشر التابع لوزارة المعارف المختص بطبع كتب المناهج والكتب التربوية وفي أثناء وجوده بمكتب النشر صدرت مجلة الصبيان التي توزع على المدارس والمكتبات ومن ضمن أبواب مجلة الصبيان اقترح لهم مدير المكتب عوض ساتي شخصية هزلية تتصدر كل عدد من مجلة الصبيان، واقترح لهم اسم تنقو لتلك الشخصية وتنقو اسم حقيقي، وهو جد أحد خريجي المعهد من أبناء دارفور منتصف الأربعينيات.
وأوكل نشيد عمك تنقو في كل عدد للأستاذ بابكر عبدالرحمن فأجاد التأليف، وكنا نحن تلاميذ صغاراً نشتري مجلة الصبيان من أجل عمك تنقو ومرته العازة ومن الأمثلة:

عمك تنقو جاري شديد
ماشي يجيب دقيق العيد

ومن الأناشيد الأخرى الهزلية لبابكر عبدالرحمن

كلجو كلاجو عين الداجو
ساكنة بعيدة فى الهجليجة
تدي صغاره بي منقاره
وينك سايرة مهاجره وطايرة
طه العيفة هاك تعريفة
خذ طعمية تزيد النية
فيها ابلبة المتل القبة
حاسب كرشك ماتطرشق

وكل بيت من القصيدة تتبعه صور يرسمها الفنانون شرحبيل أحمد وآدم عيسى وآخرون.
ترقى بابكر لضابط تعليم بحلفا ومساعد مدير التعليم بالدامر للمرحلة الأولية.
وكان أول من ترقى لمنصب مساعد وكيل وزارة التربية للمدارس الأولية.
له من الأبناء المرحوم الدكتور صيدلي محمد بابكر عبد الرحمن صاحب صيدلية مقرات والدكتور طبيب إبراهيم بابكر والنائب بمجلس تشريعي الولاية بالدامر عمر بابكر وعدد من البنات.
رحم الله الأستاذ بابكر عبدالرحمن الذي أفنى عمره في خدمة العلم والتعليم حتى توفاه الله، وهو يحمل مشاعل النور.

ويقول البروفيسور أبوبكر إبراهيم أحمد، في تعليق له على حديث الأستاذ محمد عثمان خطيب حول الأستاذ بابكر عبدالرحمن، يضيف قصة مهمة عن الأستاذ بابكر حيث يقول:
في افتتاح جامعة بخت الرضا كان بروفيسور عبدالله الطيب وزوجته يقيمان في غرفة مجاورة لغرفتي، وقد كنت أتصيد الفرص للدردشة معه حيث لا يمل أحد الاستماع إليه، وأذكر أنني كنت أستدرجه ليحكي لي عن ذكرياته في مقرات وقد كان يذكر الأسماء، ويصف كل شيء وكأنه يراه رغم بعد الزمان.. وفي إحدى المرات قلت له إن شيخ إبراهيم كان يقول إنك تحفظ السورة والنشيد بعد أول قراءة ملمحا لذكائه.. فقال لي “أنا لم أر طالبا ذكيا كبابكر عبدالرحمن فهو الوحيد الجابني التاني”… ولم أكن حينها أعلم أنه دفعته وأن المرحوم بابكر كان هكذا متفوقاً أثناء الدراسة.
هذه شهادة سمعتها من العالم القامة المرحوم بروفيسور عبدالله الطيب.
عليهم رحمة الله جميعاً.
أما أنا فلن أضيف شيئاً بعد حديث الأستاذ خطيب وبروفيسور إبراهيم وبروفيسور عبدالله الطيب، حيث أنه لا يستقيم ذلك كما أنه ليس لدي ما أكتبه أو أقوله وأنا أتلقى هذه المعلومات لأول مرة، سوى أنني حزنت كثيرا حينما لم أجد أي إشارة للأستاذ بابكر بعد المسح الذي أجريته في بعض المواقع ومحرك البحث (قوقل) حتى عند ذكر عمك تنقو والصبيان في الحوارات المكتوبة او التلفزيونية لم يرد إسمه في حديث أي من المتحدثين عن تلك الفترة، وهذا ما أكد لي أن للتواضع والزهد عيوب فالتنازل عن بعض حاضرك لمن لا يستحق هو تنازل عن جل إن لم يكن كل تاريخك الذي لن يحفظه إلا الأوفياء وقليل ماهم.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!