https://www.dirtyhunter.tube

مات الشاعر عبد الله محمد خير (1946-2008م)

126

أحمد إبراهيم أبوشوك

طرحت صحيفة ليبراسيون الفرنسية سؤالاً على نخبة من الكُتَّاب العالميين مفاده “لماذا نكتب؟”، فكانت إجاباتهم متفاوتة في دلالاتها الرمزية وتعابيرها اللغوية، ونذكر منها إجابة الشاعر الفلسطيني محمود درويش: “ربما لأنني متورط في الكتابة بإيقاع لم يسمح لي بالتساؤل… وأحياناً أكتب لألعب… لكن لماذا أكتب؟ ربما لأنه لم تعد لي هُوية أخرى، ولم تعد لي محبة أخرى، ولا حرية أخرى، ولا وطن آخر غير الكتابة.” واضح من إجابة الشاعر درويش أن في الكتابة إمتاع ومؤانسة عندما ما يخلد الكاتب إلى نفسه وسط أزاهير ذكرياته المعطرة بريحان الحياة النافذ والمعتقة بعبق التواصل الإنساني الفواح، ولكنها أحياناً تكون مؤلمة ومحزنة عندما يدوس الكاتب بسنة قلمه على موضع الألم ومفصل الداء والإعياء، كما يقول الأديب الألماني جونتر جراس، ليجترأ طرفاً من ذكريات الماضي الآسن، أو سوالف الأيام البواكي ليتذكر رحيل شخص كان محبباً إلى نفسه، علماً بأن الحياة علمتنا أن الحب يقوم على معايير قياسية مختلفة، فهناك حب فطري تفرضه قرابة الصُلب والترائب، وهناك حب مكتسب يقوم على شبكة من العلاقات الإنسانية، بعضها غريزي مع الجنس الآخر، وبعضها مدني منبسط لا يعرف الحدود، وبعضها مؤسس على وشائج قربى وثقافة تراث مشترك.
هكذا كان حبنا لشيخ العاشقين عبد الله محمد خير حباً تراثياً مشتركاً، سُداه جماليات المكان وأدواته المادية والبشرية التي جسدها الشاعر في مجموعة من قصائده الحسان، التي كانت تدور رحاها حول عشقه الأبدي لحياة القرية وواقعها التراثي الذي شكل ثوابت مخيلته الشاعرية، وحبه لحسانها الغواني اللائي تغنى بجمالهن حتى نُعت بـ “شيخ العاشقين”. لا غرو أن الشاعر عبد الله قد استطاع أن ينظم ببراعته المعهودة وأحمديته الثاوية على بساط المبدعين الخالي من التكلف واقع ذلك الريف في شكل عقود أدبية، واسطتها تراث أهلنا الطيبين عند منحنى النيل، وحباتها تقاليد مجتمعهم العفوي الذي كان ولا يزال يعيش بين جدلية القديم الموروث والجديد المستحدث، الذي جلبته إليهم قنوات تواصلهم المدني مع أهل الحضر، حيث تكمن تقابلية ذلك التواصل في مدارها الأدنى عند حلة الحسيناب، ومدارها الأوسط عند قريتي الكَكُر والجابرية، ومدارها الأعلى عند حواضر ومدن مختلفة، قطفت ثمرات عشق عذري غرسه ترابلة ذلك المدار الأدنى دون أن تقدم اعتذاراً لهم ولشيخ العاشقين المرهف في عشقه، والذي ظل يردد ظلم هذه التقابلية في كثير من أشعاره، ونستشهد في هذا المضمار بقوله: “متلي كم زول مات بالشجن *** قبلي دو الزومة انسجن”. لكن الوعاء الجغرافي لهذه التقابلية لم يكن وعاءً ضيقاً، بل كان مطاطاً في تجاوزه للمتطلبات الذاتية الكامنة في شخص الشاعر عبد الله، لأن هذا الأخير حاول من خلاله أن يعالج بخياله الجامح قضايا ذلك المجتمع الريفي، قبل أن تكون تلك القضايا قضايا “عابد ريدك تعال وريني شن سويت”، وأن معالجاته جاءت منبسطة انبساطاً طردياً مع خيال شعره اللماح، وذوقه المُنساب مع مياه الدميري عند منحنى النيل.

هل كان النيل هاجساً في شعر عبد الله؟
لا جدال أن الشاعر عبد الله ابن بيئته، لأن البيئة كانت تمثل بُعداً مكتسباً في حياته العامرة بالعطاء، وتعكس ضرباً من التواصل الأريحي الذي كان قائماً بينه وبين تلك البيئة في نسق سداه التأثير ولحمته التأثر. فلذا نلحظ أن أدبينا الأستاذ الطيب صالح، متعه الله بالصحة والعافية، قد جعل من النيل بُعداً محورياً في حياة شخصياته الروائية الدائرية التي نسج حولها قصصاً محلية النشأة وعالمية الصنعة، وقد كانت هذه الثنائية مرتبطة بقدرة النيل الخارقة على تجاوز قيد المكان الثابت جغرافياً، والمتغير دوماً بتغير جماليات الحياة القائمة على ضفتيه. كان عبد الله مسكوناً بمخرجات ذلك الواقع الجمالي، وما تحمله معها من قيم تراثية بديعة النشأة، وكانت تمثل تلك الجماليات الخلفية التي انطلق منها شيخ العاشقين، واستمد منها وحي أشعاره الملهمة، وشأنه في ذلك شأن أبناء جيله الذين تقاسموا معه ذلك الشعور وذلك التأثر، ونذكر منهم الشاعر خضر محمود، وحسن الدابي، والسر عثمان الطيب، وإبراهيم ابن عوف. وقد جسد لنا الشاعر عبد الله طرفاً من محورية النيل في كثيرٍ من أشعاره، وتحديداً في قصيدة الجروف:

الجزيري بقت مخادة
وتانى ختت طين زياده
السواقي البى الغرب طلعت قصادا
وفى الضهاري الرمله الناس زرعت مقادا
الجرف سبروقو ملَّح
والبحر فات منو روَّح
قام لبس التوب وسرَّح
من بعيد بى إيدو لوَّح
قالوا مندلِّين يشوفوا
كل زول ينـزل جروفو
الجرف بالخصبه رجَّح
وللبذور الطيبة نَّجح
فى الأصيل قمريهو يصدح
لى نعيمو وخيرو يمدح
داك يسلك وداك ينقح
وداك بالشرقية ينبح
جاى دافر القش متمسح
مرة يغطس ومره يطفح
التبش نوارو فتَّح
والدخن قندولو دندح
خدَّر الشتل المصفَّح
جاب قلوب لى اهلو فرَّح

هكذا كان النيل في مخيلة عبد الله، يهدم طرفاً من أراضي أهله الحسيناب في الكَكُر والجابرية في موسم الدميري، ويعوضهم ما أخذه هدماً في شكل جزر قابعة في وسطته المنحسر، وجروف ممتدة على ضفتيه التي طرَّزتها سلاليك ترابلتهم الفحولة، وحولتها إلى خضرة زاهية، وبساتين مزهرة بنوار التِّبش وقناديل الدخن، وحدائق نغم شجي تتخللها تغاريد القماري في صباحاتها البواكر، وصيحات الترابلة عند المغيب، وهم ركوباً على ظهر النيل الخالد وعلى “تماسيح” قش نظموها لأغناهم في مرحاتها. هكذا ذهبوا من قراهم خماصاً وأعادوا إليها بطاناً، لما يحملونه معهم من ذكريات طيبة، وزاد تصنعهم مساويط أمهاتهم الحانيات، وأنامل حسانهم العذارى اللائي وصفهن الشاعر حسن الدابي في مقطع من مقاطع رده على عرضحال الجلا (ود الدابي مالك ساكت** ماشفت الجلا السواها) وما خلفه من إشكالات عاطفية لشيخ العاشقين:

بناتنا حليل سروحن في السبيقه … وصيبط أم الرأس مبقع والكُريقه
أيدهن حلوة غير لبس أم دقيقه … وبدون كترة غويش نفسن طليقه
يا حلاة قتانٍ الفوق السليقه … ودا اللقيمتو تطمِّن الماسكاوه ريقه

لكن للأسف كل هذه المصطلحات التي يرويها لنا الشاعر حول النيل وجزره المعطاة أضحت في ذمة التراث وحافظة جيل المبدعين، لأن مفردات قاموس الحداثة حلت محلها تدريجياً، وجعلت بعضها أثراً بعد عين. فمحورية النيل التي يبرزها لنا الشاعر عبد الله لا تعني الكثير بالنسبة لأبنائنا الذين يعيشون في حواضر الاغتراب، لأنهم في حالة اغتراب مع الذات، فمجتمعاتهم المضيفة تعدهم وافدون لا يمثلون جزءً من نسيجها المحلي، وأهلهم في نواحي السافل يعتبرونهم امتداداً طبيعياً لهم، ولكنه امتداد لا طعم له، ولا رائحة، ولا لون. نسأل الله أن يعيد غربتنا مادياً ومعنوياً، لأننا قوم لا يألف الشتات. وشيخ العاشقين قد عاش بيننا بهذا المفهوم الذي جعل ارتباطه بالحسيناب وبزينوبة الأم وزينوبة الأبنة ارتباطاً سرمدياً إلى وافاه الأجل المحتوم في الخامس عشر من أكتوبر 2008م، وهو لا يدري بأنه سيموت خارج أرض الوطن، ويُدفن في مقابر أحمد شرفي بأم درمان بعيداً عن النيل الذي ألفه عند سواقي الحسيناب.
ما أروعك أيها الشاعر عبد الله عندما تجعل “الجزيري” وجمالياتها خلفيةً للوحة تراثية، تلونها بذوقك الراقي، وترسم عليها منشطاً راقصاً من مناشط أهل الريف. وما أبدع تلك المناشط عندما توثق لحفل عُرس، تشع في وسطه أنوار الرتاين، وتعطر سماءه زغاريد الحسان وأنغام الطنبور ونفثات الدليب، وتصول وتجول في وسط دائرة الحاضرين إحدى الحرائر، وتعلو هنا وهناك صيحات أهل العريس “أبشر يا عريس بيتك مبارك”. ويصدق في هذا المشهد قول الشاعر:

تراني حلفت بى الله
وتاني بقول وحات الله
وكت السمحة فى هيباته تتجلى
تشيل خطوات فى ايقاع
حلات ايديها في التله
تودي صديرا قداما
تخلي سبيبا يندلى
تخلي الداره فوق نيرانا تتغلى

محورية العشق في قاموس شيخ العاشقين
عاش الشاعر عبد الله في مجتمع يصنِّف البوح بحب العذارى نوعاً من الكفر الصُراح الذي لا دخنة فيه، لأنه يُلقي باللائمة على الحبيب الذي يمثل طرفه الموجب، ويسبب حرجاً للمحبوبة التي تمثل طرفه السالب، علماً بأن إله الحب في ذلك المجتمع الريفي يُعدُّ إلهاً ناشزاً، لأنه ربما يقود طرفي المعادلة القائم عليها إلى ما لا يحمد عقباه. فسداً للذائع حاول أهلنا الطيبون عند نواحي السافل أن يُوصدوا أبوابهم في وجهة كل طارق، لأن الحديث عن العشق و”الريدة” من المحرمات في قاموس تداولهم الاجتماعي. ولكن شيخ العاشقين كان شاعراً متمرداً على هذه التقاليد، فمعظم أشعاره كانت منسوجة في لوحات جمالية، مذوَّقة بصور العشق، والحب، والشجن، وعبارات اللوم لذلك المجتمع، التي يجسدها قوله: “ليه يضايقونا الناس كده *** والغرام سُنَّه مؤكده”، ويؤكد ذلك الموقف في مقطع آخر في احدي قصائده، حيث يقول: ” ما بصح يا الحاج أب شنب *** ولسه ديل ما بقو للأدب *** في المعاملة ما تكون صعب *** أنت ما تقسى على العنب”. ومن أجمل روائعه التي تعكس هذه المواقف، قصيدته المشهورة بـ “دروب الريدة”.

ريدكم لي شديـد يـا يابـا ريـدي أنـا للبريـدو شديـد
إلا أنـا مـا معاكـم ديـمـه لـكـن عــن حبيـبـي بعـيـد
خلونـي اللسافـر أبـوي لـو كـان فـي إجـازة العـيـد
أمشي أزور حبيبي الغالي دايـر أوفـي حـق الريـد
عشان يا يابا من يوم روح ما جاب لي منـو بريـد
وما قال لي وين يا زولي كيف عامل بـراك وحيـد
ليشـن يابـا مـا بترضونـي يانـي وليـدكـم الويحـيـد
خـايـف بـكــره مـــا تلـقـونـي إلا تتلـتـولـي الـقـيـد
شان شوق الحبيب مالكني والنار في ضلوعي تقيد
دايـر يابـا أمشـي وأزورو يمكـن شوفتـو لـي تفـيـد
يابـا عليـك عطفـك لـي مـا تخلـونـي أبـكـي شـديـد
ويابا إن كت تدري البي ماب تأبى لي أبقى سعيد
يابـا إن كُـت قـادر أخلـي كُـت خليتـو بـدري أكيـد
زولاً حبو عاش في قلبي كيفـن عـن طريقـو أحيـد
كـان يـا يابـا مـا جـربـت تهـواهـا الحـسـان الغـيـد
وكـان يـا يابـا مـا أشجـاك صـوت البلـبـل الغـريـد
وكان يا يابا ما ساهـرت وعينيـك ضاقـن التسهيـد
مـا بتهتـم بـي أعـذاري مهمـا أقـول ومهـمـا أعـيـد

تعكس هذه القصيدة طرفاً من الصراع الذي كان دائراً في ذلك المجتمع حول قضية الحب التي يعدها الشاعر سنة مؤكدة، ويعتبرها والده محمد خير ضرباً في ضروب الوفاء العابث، لأن عقد قرانه بزينوبة لم يكن مؤسساً على مثل هذه القيم الرومانسية في بداية عهده، بل كان قراناً يقوم على موازنات محلية تواضعت قرية الحسنياب عليها، وأن الشاب عبد الله يجب أن لا يكون نشازاً في ذلك الواقع. وبالرغم من هذا الواقع المرير إلا أن الشاعر عبد الله كان عذرياً في عشقه، ومتطلعاً لمستقبل يرضي طموحات الوالدين، دون أن يعكِّروا صفو علاقاته العاطفية وسنة الله المؤكدة في خلقه، ويتجلى ذلك في خطابه الاعتذاري الذي عنونه إلى والده ممثلاً رمزية ذلك الواقع، بقوله:

دحين يا يابا ماك مشتاق وحيدك يبقى عنـدو وليـد
يحوم في البيت ويلعب فيهو يمرح في براءة سعيد
يقـول لـي يمـه يـا حبوبـه يـا حبوبـه عنـدي نشـيـد
يسعدنـي ويسـر بـال أمـه ليـك يـا يابـا يبقـى حفيـد
هـاك يـا يابـا مـن أشعـاري أبيـات أنهكـا التـرديـد
كم تاه في دروب الريده قلبي وكـم نظـملو قصيـد

وبالرغم من هذا الرجاء الممزوج بالحزن لم يضع الشاعر عصا ترحال الحب عن العاتق، بل ظل هائماً في بيداء عشقه المفقود دون أن يكل أو يمل، لكنه آثر توثيق حيثيات هذه المسيرة العاطفية غير الموفقة في جملة من قصائده الحسان، وأشهرها تلك المجموعة المعروفة بالرسائل، والتي تبدأ بالقصيدة التالية:

عاد يا قلبي كيف تعمل
ماضيك اللكان أجمـل
سعادتك فيهو ماش تكمل
ودقاتك بتتعطل
تقبل والله ما تقبل
مجبور ترضى باللحصل
تخطيطك تراهو فشل
وما دليت دلوك نشل
كفاك زمن شربت عسل
هاك اتجرع الحنضل
ظنيتك كبرت عقل
وفوق نيرانو تتململ
أخيرلك صلى واتنفل
أوعك تاني تتطفل
ماضيك بالأماني حفل
أفراح في لعوب وحفل
غاب نجم السعود وأفل
جديا كان ولوف وجفل
فـي دنـيـاك مافي عــدل
شقـاوتـك ما بي تتبدل
بي فوقك جا ماشي قدل
ديسو اللي كتيفو هدل
يميل ويميل ويستعدل
وعينيهو الملاني جــدل
تقبل والله ما تقبل
مجبور ترضى باللحصل

ولم يقف سيد العاشقين الجريح عند هذا الحد، بل كتب رسالة ثانية إلى صديقه الشاعر حسن الدابي، ليشاركه في عظم المصيبة، ويخفف عنه غلواء حداده المكلوم في مجتمع لا يقدِّر قيمة المشاعر العاطفية، ولكنه يؤثر تفضيل الحضر على الريف، وتمييز “السكاكي” على ود البلد، كما شرحنا ذلك في مقام آخر، حيث استأنسنا بمفردات قصيدة بت البلد التي نظم حباتها الشاعر الألمعي الأستاذ السر عثمان الطيب.

ود الدابى مالك ساكت ما شفت الجلا السواها
شال محبوبتي سافر بيها كيفن عاد بعيش لولاها
بابور البحر مو عارفي شايلي اعز زول جواها
ماهماها حالي البي ما دام نوَّره وضواها
تشتكي بالعلي عيوني أهمله ما سمع شكواها
اللحكيلك ألماك عارفو كيف مسخت بلدنا ورآها
كان كاتمه الشجن في وداعه ال دموعه مو ساتراها
وأيه فايدة حياتي البعده آخوي أتقلب مجراها
تقصر او تطول أيامى دي إنا لأمن أموت بطراها
من يومة رحيله السمحه خلت في العيون ذكراها
خلت في القليب بصماته أحرف كل يوم بقراها
***
ما بتحمل حبيبتى الغربه لا لا وحاته مو قادراها
وكيف حاله إن مشت في بلدا حاره وناسا مو شاكراها
كان فات المحطات جمله يا حسن (لابد) القرير بقشاها
قوم يوم التلاتاء أندله بى تالا الرصيف تلقاها
ما تعاين كتير وتشبه ديك إياها ديك مو ياها
باينه حبيبتي من بسماتا والنور يضوي من محياها
***
يا حسن أنت فوق أوصافه جيب أبيات وقول معناها
واوعك ترتبك فى وداعه ذي ما نحن ودعناها
واكتب لي جواب طمني لا يبقى السفر أعياها
ما بتقدر عليها الدرجه إلا غلب عليها حياها
هاك مني الرسالة التالته وعينى بالدموع راوياها
تلقاك حافظي للبيناتنا وتبقى العشره مو نا سياها
إن كنت ما بخاف عزالى آزول كت بقوم ابرأها
لكين بخشى قنا وقالو وحالي السمحه عارفه براها

ويبدو أن جودية حسن الدابي لم تفلح في حل تلك المعضلة المزمنة، بالرغم من أنها حاولت أن تخفف غلواء الشاعر العاطفي، وتشعره بأنه لم يكن الضحية الوحيدة، لأن ذلك الواقع كان واقع كل العاشقين المتمردين في نواحي السافل، وتتبلور مشاطرة الدابي في قوله: “يا عبدو أخوي قولك حقيقة وكتير الطفَّشه الجلا من فريقها”. إلا أن هذه المشاطرة لم تكن مقنعة في عُرف شيخ العاشقين الذي سطر رسالته الأخيرة وأشهد الزمان فيها على مأساته العاطفية، وظلمه الرومانسي غير المبرر.

يا زمان بالله اشهد
ديمه بطراك ومستحيل انساك والخبر المؤكد
إني شايل ليلي بى ذكراك منكد
ما فى يوم ما ببكي لا من ليلي هوَّد
وكيف تعيش ألم العلى الآلام تعوَّد
يا زمان بالله اشهد
أصلو ياهو نصيبى اسهر وجفنى من ألامو يسهد
وابني لي ماضينا فوق واحاتوا معبد
وأنت فى عشك سعيد هاني وممجد
ما بهمك طرفي عمره يعيش مهجد
يا زمان بالله اشهد
يبقي عشكم انتو جنه طيروا غنا وروضو فرهد
فيهو تتهنوا وتنالوا سعادة أزيد
يا زمان بالله اشهد
قلبي من فارق حنانك كم تأوه وكم تنهد
من دريبك شال خطاه عساه يبقي سعيد ويخمد
كم كتمت الشوق وكت جواي عربد
واختنق في قلبي زي الغيم وأرعد
يا زمان بالله اشهد
الوداع مجبور عليهو وليهو ردَّدا
الوداع زولي الرزين يا ناير الخد
الوداع يا أغلى زول يا احلى مشهد
الوداع وخلينى لي سهري البلا حد
الوداع ومناي ليك إن شاء الله تسعد
يا زمان بالله اشهد

شيخ العاشقين ومعاناة الاغتراب
بدأت ظاهرة الاغتراب في السودان في مطلع الخمسينيات كظاهرة نخبوية قاصرة على إعارة بعض الكوادر المهنية المدربة للعمل في بعض بلدان العالم العربي، لكنها سرعان ما تحولت إلى ظاهرة جمعية شملت كل قطاعات المجتمع السوداني، وكل الذين ضاقت بهم الأرض بما رحبت، أو أؤلئك الذين شرَّدهم سلاح الصالح العام أو ظلومات الكيد السياسي. وبذلك فقد السودان شريحة مهمة من هيكل بنائه الوظيفي، وبمرور الزمن أنعكس ذلك سالباً على عطاء الدولة المؤسسي وعلى طبائع المجتمع وأخلاقيات البيئة المحلية في السودان. كان الشاعر عبد الله من الرافضين للهجرة، لأنه كان مسكوناً بحب الريف وقيمه الجمالية، ومقتنعاً بكسبه المتواضع بين حلة الحسيناب ومدينة الدبة المركز، ومدركاً أن الغربة ستسلبه كل القيم التي أحبها وجاهد من أجلها، ويتبلور ذلك في إجابته عن سؤال طرحه على نفسه في صيغة مساجلة مع الطرف الآخر: “ماك مسافر يا ولد؟ أسافر وين أقع يالسمحة مكتوب لي القعاد طول الأبد.”
لكن يبدو أن أبد عبد الله لم يكن أبداً سرمداً، فقد فرضت عليه عوادي الأيام اغتراباً دون رغبته (مو زول غربه لكن الظروف جابراه)، اغتراباً حرمه من رؤية زينوبة الابنة المسمى على زينوبة الأم، اغتراباً جعله مشغولاً بجمع “قروش الجن دي أريتو يا وطني بعيد عن أرضك ما تتلمى”، اغتراباً فرض عليه إسراً سكونياً يفتقر لكل جماليات النيل التي عشقها الشاعر عند حلة الحسيناب. فشدَّه ذلك الواقع المرير إلى مخاطبة “القمره” في عليائها، سائلاً عن أحوال أؤلئك النفر الطيب عند نواحي السافل، وجاءت صيغة خطابه على النسق التالي:-

يا قمره … صُبي السنسني الحمره
شوفي أبوي أنا الراجاهو كلو صباح
***
يا زينوبه أبوكي هو أصلو حالو بره
لو قاري العلم هو ولاهو سيد خبره
ومو زول غربه لكن الظروف جابره
مالو إن كان صبر كل الخلوق صابره
والصابرات روابح لو يجن قماح
***
هو أصلو متين نساكم يُمة شان يطره
بيتنفس هوا ذكراكم العطره
رهيف إحساس حنين قلبو بالفطره
نديمو بقت دموعو الديمه منقطره
وأصلو إن ما قعد بينكم ولا بيرتاح
***
جاهو العيد كمان زاد القليب حسره
سادي العبره حلقو ونفسو منكسره
هو لا لمّ القروش لا حصل المسره
بلد ما فيها زول مات من عدم كِسره
فراقكم ليها يا أحباب ولا كان صاح
***
يا أمارتي الما طاعت الأمره
ندماني وبقت محتاره في أمره
بعد قسن الدرادر قصرن عمره
الشوق فاض وعماها الحنين غمره
الشوق للبلد لي بهجتا وسمره
الشوق لي مقيلاً ضما ضل تمره
الشوق لي حديثاً ضما ضو قمره
كان الشوق يخفف والله يبرى جراح
***
مشتاق للبلد جابريتا وكَكُرا
مشتاق للحسيناب أسقه وبِكِرا
مشتاق للقبيل إتربوا فوق حِكرا
مشتاق للدميري ومويتا العكره
مشتاق للجزيري وتُشقا وهكرا
مشتاق لي قطع بحرا ودخول وَكَرا
مشتاق للأبى يفارق الفؤاد ذِكِرا
مشتاق للعلي مشغول دوام فِكِرا
مشتاق للصِّبح ديدن غناي شُكُرأ
وياريت كُت بقدر أسوي شوقي جناح

التعليقات مغلقة.

yenisekshikayesi.com
error: Content is protected !!