مآلات التفكيك والنهج الاقتصادي

2

بروفيسور حسن بشير محمد نور

سيثير ما تقوم به لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو واسترداد الأموال المنهوبة، الكثير من الجدل في الداخل والخارج كما سيدفع أيادي خفية للتعامل معه، وربما يكون التعامل بشكل سلبي خاصة فيما يتعلق بانصار النهج الرأسمالي بشكل عام ومناصري الليبرالية الجديدة بشكل خاص، وأن لم يجاهروا بعد بمواقفهم بشكل صريح. ذلك لأن ما تقوم به هذه اللجنة والقانون المنظم لعملها وإجراءاتها التي تجد سندا شعبيا جارفا، هو عمل فريد من نوعه وغير مسبوق ويتسق مع طبيعة الثورة السودانية الفريدة في نوعها. كنت من أوائل المطالبين باسترداد الأموال المنهوبة في مقالات أعقبت انتصار ثورة ديسمبر الظافرة، لذلك لست هنا بصدد تتبع أعمال اللجنة أو الخوض في التفاصيل وإنما يتم التركيز هنا على التداعيات الناتجة عن تلك القرارات وردود الأفعال المحتملة تجاهها. بشكل غير مباشر وغير معلن عنه، بالتركيز على ما يمكن أن يؤثر على العلاقة المستقبلية بين السودان والولايات المتحدة الأمريكية، خاصة في حالة استمرار النهج الثوري وعدم اجهاضه من قبل العديد من القوى التي لا يستهان بها والتي تعمل بشكل ممنهج للانقلاب على ثورة ديسمبر وحرف مسارها بما يخدم مسار سياسي يتفق مع مصالح قوى رأس المال وتمكينها من فرض سيطرتها وتمكينها من ثروات السودان غير المستغلة. سبب التركيز على العلاقة بالولايات المتحدة ان أصرارها على إبقاء السودان ضمن الدول الراعية للارهاب أصبح المهدد الاساسي لإخراج السودان من ازماته، وقد ظهر ذلك جليا من خلال الدعم المقدم للدول الفقيرة لمواجهة جائحة كورونا وحتى معرقلا لجهود أصدقاء السودان في تقديم دعما معتبرا للبلاد.
مما يلفت النظر في الموقف الامريكي من سودان ما بعد ثورة ديسمبر وقيام حكومة لا تعادي والولايات المتحدة الأمريكية باي شكل من الاشكال، بل بالعكس يمكن القول إن الحكومة في شقها المدني هي حكومة ذات توجه ليبرالي ديمقراطي، هو عدم توافق ذلك الموقف مع ادعاءات مناصرة التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان. تعلم الولايات المتحدة الأمريكية تماما ان لا يد للشعب السوداني في تفجير المدمرة كول ولا تفجيرات سفاراتها في شرق إفريقيا وإنما تسعي بوعي الدولة الرأسمالية العظمي لابتزاز السودان بابقاءه على قائمة الدول الراعية الإرهاب، برغم ما تم من تسويات مجحفة، بغرض إخضاعه وإجبار حكومة الثورة الانتقالية على قبول تطبيق نهج الليبرالية الجديدة ووصفات صندوق النقد الدولي وما يعرف بالإصلاح الاقتصادي، تلك السياسات التي ستؤدي حتما لافقار من تبقي من السودانيين خارج دائرة الفقر المدقع (إلا قليلا)، وبالتالي وضع ثروات السودان في متناول أساطين رأس المال.
الطبقة المتحكمة في الولايات المتحدة الأمريكية لا تعبأ بالثورات أو خيارات الشعوب وإنما بالعكس فهي تعادي الثورات الشعبية خاصة تلك التي تنشر الوعي والإدراك الرشيد، من هنا فإن ما تقوم به لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو واسترداد الأموال المنهوبة لن يرضي أساطين رأس المال، فتلك القوي غير مكترثة للفساد والمفسدين ما دام حافظت على مصالحها ، كما كان يحدث، مثلا لمصالح أمريكا في عهد الإنقاذ البائد، لذلك يتوجب على حكومة الثورة أن تكون بعيدة النظر، وان تسعي لوضع سياسات كلية محكمة ووضع قانون جديد للاستثمار وسياسات تجارية محكمة، تؤسس لنظام اقتصادي يعتمد على الشراكات و شركات المساهمة العامة، التي تضمن المشاركة الجماهيرية الواسعة في حقوق الملكية، يتم ذلك عبر تأسيس شركات قابضة وشركات مساهمة عامة في قطاعات الإنتاج الحقيقي في الصناعة والزراعة والخدمات. بذلك يمكن أن تضع لبنات لبناء نموذج اقتصادي تسود فيه المشاركة والشراكة بين القطاعين العام والخاص ورأسمالية الدولة، هذا النموذج ممكن وتتوفر له جميع الشروط في سودان ما بعد النظام الاقتصادي المشوه والفاسد الذي بناه النظام البائد الذي خلف اقتصاد منهارا وقطاع خاص اما منهك أو فاسد. كما أن مثل هذا النهج يمكن أن يكون مقبولا من قبل أغلبية المكونات السياسية اذا سادت روح الشراكة ووحدة قوي الثورة.
من الضروري الانتباه إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية ستخرج من أزمة كورونا أكثر وحشية وتعطشا لامتصاص دماء الشعوب وأكثر شهوة للقتل الاقتصادي ولن ترحم احدا، لذلك وبعيدا عن أي سذاجة سياسية واقتصادية يجب أن ندرك اننا نعيش في عالم تحكمه المصالح ويسير فيه الأقوياء العالم، وبما أن السودان ليس من الأقوياء بالتأكيد ولكنه من المالكين لثروات يسيل لها لعاب رأس المال، فيجب اتخاذ سياسات تخدم مصالحه بكل واقعية، وأن يتفتح على العالم اجمع والعمل بوعي في الملفات الخاصة بتطبيع الأوضاع مع المارد الأمريكي دون الخضوع لابتزازه وشروطه، التي تتعارض مع طبيعة الواقع السوداني، وإنما بنهج وطني مدعوم من الشعب الذي فجر ثورة اعجازية، مما يحتم الإيمان بهذا الشعب والاعتماد عليه ما دام تصب السياسات المتبعة في مصالحه وتحسين معاشه وتمكينه من استغلال ثروات بلاده لرفاهيته.
حتى الآن لا توجد رؤية اقتصادية واضحة لقوى الثورة وانما خطوط عريضة لمسار اني، وهذا وضع خطر يجب تداركه بتقديم مختلف وجهات النظر والعمل على توحيدها في رؤية مشتركة تتوافق مع طبيعة الفترة الانتقالية، وصولا إلى مؤتمر اقتصادي يضع محددات السياسات الاقتصادية، التي تمكن البلاد من عبور منطقة الأزمات الحرجة إلى وضع طبيعي يمكن من قيام المؤتمر الدستوري في مناخ صحي خالي من التشنج والصراع، حتى يصبح من الممكن وضع البلاد في مسار نظام ديمقراطي يلبي تطبيق شعارات الثورة على أرض الواقع.
أخيرا فإن ما تقوم به لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو هو عمل ملهم مثير للحماس الثوري، لكن يجب وضعه في مسار اقتصادي متكامل ضمن رؤية سياسية واضحة حتى لا يصبح وكانه عمل موازي لما يتم من قبل الحكومة الانتقالية التي لم يرق مستوى أدائها لمستوى التوقعات الجماهيرية، مما جعل من مؤتمرات لجنة التفكيك مزارات للتلهف الثوري والترقب والاشتياق، في زمن تطبق فيه الأزمات على رقاب الناس من كل مكان.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!