مالو.. بس؟

3

blank

ناهد قرناص
في الآونة الأخيرة سرت موجة من الصراحة في الساحة الأسفيرية.. وصرنا كل يوم نستمتع بسرد احد الأصدقاء وذكرياته التي كان ينوي تدوينها في مذكراته بعد عمر طويل ومديد.. لكن يبدو أن الكورونا قد امتد تأثيرها على النفساويات لدرجة أن ضاقت الصدور بالأسرار الشخصية فكانت الاعترافات الأسفيرية.. تماشيا مع هذه الموجة وبما أن زمن الغتغتة والدسديس انتهى فإنني أود أن أحكي عن قصة حصلت لي (حكاها لي زول)..
عندما كنت في الطلائع والرواد ودفعتي بالمناسبة الفنان عصام محمد نور والعازف الشهير زرياب برعي محمد دفع الله.. هذه ليست فقط على غرار (أنا والكاشف اخوي) إنما وددت التنويه إلى زمالة النجوم وكدا.. المهم أنه كنا في المعسكر القومي وهو عبارة عن تدريب رياضي وثقافي يجتمع فيه طلائع السودان جميعهم.. يأتون من كردفان ودارفور وكسلا وبورتسودان ومدني وعطبرة والخرطوم..
في أحد الأيام خلال فترة المواهب.. اعتلت المنصة فتاة دقيقة الحجم حسنة الصوت وغنت بصوت مرح (مونولوج) كانت كلماته كالتالي (مالو بس؟.. مالو بس؟  لو غيرو الروتين.. وجابوا لينا ضلع بالشوكة والسكين؟؟) ضج المعسكر بالضحك.. وتجاوب الجميع معها بالتصفيق والتأييد للمطالب المشروعة.. وبعد انتهاء الفقرة علا المسرح أستاذ أحمد حاج علي (متعه الله بالصحة و العافية).. فهدأت الضجة تلقائيا فقد كانت له شخصية مهيبة تفرض احترامها بمجرد الظهور .. جال ببصره يمنة ويسرى .. ومن ثم قال (والله كان ممكن ننظر في الطلبات دي.. لو كان دا مشروع تسمين ما معسكر تأهيل) .. وصمت قليلا وأردف ساخرا (وبعدين عليكم الله في ضلع بياكلوه بالشوكة والسكين؟).. فضجت الضحكات مرة أخرى.
تذكرت الاغنية ولم اتذكر الفتاة للاسف ..وقفز الى ذهني السؤال المشروع الذي ابتدرته بعبارة (مالو بس؟) ..وذلك حين قرأت تعليق أحد أصدقاء الأسافير على استراحة الجمعة الفائته المتعلقة بفرحتي بزيادة الراتب سألني (ليه بقية الوزراء ما يعملوا زي البدوي يبتكروا الحلول ويدخلوا الفرحة على قلوب المواطنين؟) ..صحيح ليه لا؟ .. أو كما قالت زميلة (الكاب) (مالو بس ؟).
مالو بس لو خرج علينا وزير البنى التحتية وقال إنه عقد اتفاقا مع البنوك لتمويل مساكن للشباب بأسعار مخفضة وفي متناول اليد (احيانا كلمة مخفضة لا تعنى بالضرورة أننا قادرون عليها ).. مالو بس لو ساعدت الوزارة الشباب في امتلاك المنازل في وطن تترامى فيه الأراضي الخالية حد البصر؟
مالو بس لو خرج علينا وزير الثروة الحيوانية وصرح بأنه وجد حلا لغلاء اللحوم في بلد يتوالد فيه الضان مرتين في العام.. يتضاعف عددا وتضيق به المراعي.. لم يجدوا حلا للتكدس الا تصدير الأناث وتحريم ذبحها في الداخل فتأمل.. مالو بس لو سمحت الدولة بذبح نسبة مقدرة من الإناث لتخفيف الضغط على المراعي وتخفيض سعر اللحوم بزيادة المعروض في السوق المحلي؟ مالو بس ؟
مالو بس لو طبقت مجانية التعليم.. وصار في مقدور كل طفل الذهاب إلى المدرسة دون خوف من الإرجاع بسبب الرسوم؟ مالو بس لو شملت مظلة التأمين الصحي كل أفراد الشعب حتى القطاعات الفقيرة وصار العلاج في متناول الجميع.. مالو بس؟
مالو بس لو قرر كل مسؤول في مؤسسة ما التفكير في حلول جذرية للمشاكل التي تعترض أداء وزارته بدلا عن انتظار المشاكل ومن ثم يبدا بعد ذلك التفكير في الحل؟ مالو بس ؟
عودا على بدء.. سلام من الله يغشاك استاذي (أحمد حاج علي) ..صدقت فالمعسكر لم يكن مشروع تسمين.. كان بالفعل للتدريب والتأهيل.. لكن برضو كان تجيبوا لينا (الضلع) وما تشيل هم الشوكة والسكين.. كنا (بنجازفهم برانا).

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!