ما وراء ابتسار الرجل الأسود في (المتعة)!

24

د. إشراقة مصطفى حامد
مدخل:
السواد الذي يسبق الرجل ليس صفة وإنما مفهوم سياسي متكامل سأتطرق البه في مقال منفصل وأوضح فيه هذه الخلفيات السياسية. لون البشرة الذي ظل سببا في التمييز تحول عبر الناشطات والنشطاء في عدد من المجالات، الاكاديمية، الإعلامية، الفنية، حقوق الإنسان الخ… إلى حركة وعي اتخذ لها ذات الاسم ليس كصفة وإنما كحركة وعي سياسي وكحركة مقاومة انضم لها الكثيرات والكثيرون.
وقبل البدء في قراءاتي التحليلية لصورة الرجل الأسود لابد أن أؤكد في أني أستند على أن ما يتعرض له الرجل الأسود من تمييز عنصري لأسباب مختلفة لا تنفصل بأي حال من الأحوال من ذات الأسباب التي بموجبها يُمارس ذات التمييز للمرأة السوداء لذا أجد أن ما يربط النساء السود بالرجال السود أكبر كثيرا من الذي يربطها بسبب النوع مع النساء البيض. (البياض ليس صفة وإنما أيضا مفهوم سياسي). وذلك بسبب الخبرات المشتركة، التاريخ والتهميش المشترك بدء من تجارب الاستعمار وليس انتهاء بتأثيرات العولمة التي زادت الأثرياء ثراء والفقراء فقرا.
اختصار هذا الجسد في عضو يبتسر إنسانية هذا الرجل الأسود في مهمة واحدة تتلخص في المتعة أيا كان ثمنها من تجريح لوعي الآخر، هذه الصورة ليست جديدة ولا تنفصل عن كل الصور النمطية التي سببت كل هذا التمييز ضد الرجل الأسود. في إطار المؤتمر العالمي لمناهضة العنصرية الذي انعقد بجنوب أفريقيا في العام 2001 قمت بدراسة كانت الأولى من نوعها تركيزا على الجنسانية الذي يقع على المرأة الإفريقية في فيينا
Racism and sexism among African Women in Vienna- 2001
وحتى أستطيع أن أقارن ما بين ما تعانيه المرأة الإفريقية استهدفت الدراسة أيضا تصور الرجل (الأبيض) عنها وكانت النتيجة مؤشر الى تمييز عنصري لأسباب اثنية ونوعية. هناك إجابات واضحة مفادها أن (المرأة الإفريقية جيدة في السرير والأوروبية جيدة في المكتب) وهذا التعليق يمارس التمييز ضد الإفريقية والأوروبية في آن واحد. الإفريقية جيدة في السرير هكذا مطلقا يعني أنها غير جيدة في المكتب فهي في هذه المخيلة لم تتعلم ولا تعمل وهذا يعكس المفاهيم السياسية لأحزاب اليمين المتطرف خاصة ولا ينفصل عن الصور الراسخة منذ الاستعمار حيث كان جسدها مثل جسد الرجل الإفريقي يوضع في أقفاص كالحيوانات للمتعة البصرية للبيض. هذه الصور المتخيلة دونتها عبر عمل متواصل ومناهض للعنصرية منذ أعوام طويلة وأذكر منها مثالين حين سألتني صديقة عربية: (سمعت أن المرأة السودانية حارة في السرير؟)، أحسست بحالات الملاريا المزمنة وبتشقق أقدامي تركض بها سودانية في مسيرة نزوحها القاسي من الحروب. وصديقة أوروبية مضت في نفس الاتجاه أن ما يميز الرجل الإفريقي وفقا لما سمعته انه (يتمتع بعضو ضخم). صور يلعب فيها الخيال ولا يوجد لها أي دلالات علمية، ومع ذلك لابد من التعامل مع هذه الصور بجدية علمية لإيجاد تفسير عملي وموضوعي، لا شك أن تأثير الصور النمطية من (ألف ليلة وليلة) لعبت دورا في صياغة هذه الصور وربط المتعة بضخامة العضو وليس بتلك الروح التي تسري حنانا وتطلق عصافير إنسانيتها انسجاما ومحبة.

السلطة والجنس:

للون سلطته كما للغات وللأديان، السطلة الاستعمارية التي ظلت لسنوات طويلة تصنف الرجل الأسود بالعنيف والغبي والخطر، يكن التمييز مزدوجا إذا كان الرجل الأسود مسلما ولا أظن أحدا يمكنه تجاوز ما يحدث في العالم من آثار الاسلامفوبيا وما قاله الرئيس الأمريكي عن (خطورة المسلمين المهاجرين) ويمكن للمهتمين والمهتمات البحث في سياسات الأحزاب اليمينة المتطرفة التي مازالت تنطلق من معايير المركزية الوربية لتقييم الآخرين.
ذات السياسية يمكن ان تستثمر في الجسد الأسود في أرباحها التجارية، فهذا اللون والجسد الغرائبي الملفت للنظر يمكن ان يكون دافعا ومحفزا للشراء، لكن ذات الجسد في أمكنة منسية في هذا العالم يعاني من الإفقار الممنهج، التجويع، الركض في المظاهرات لأجل حقوقه وينطفئ بالملاريا وبالجوع والعطش، ينطفئ في البحار والسفن المفخخة للبحث عن ملاذ في جنة الجحيم، جحيم العنصرية والاقصاء والكراهية لا لسبب الا لان لونهم وشكلهم يختلف وكأنهم مسؤولين عن خليقتهم وعن الطقس والشمس الحارقة.
تنعكس هذه السياسات في وعي المواطنين وبين ما يسعى للاطلاع من مصادر مختلفة وفتح نفاجات نحو الآخر في سبيل ترسيخ قيم التضامن العالمي لأجل عالم تتمتع كل كائناته بالثروة والسلطة. وتجربة الحراك العالمي الغاضب ضد العنصرية بعد مقتل جورج فلويد خير مثال مطمئن ان العالم لن يكون نفسه ما قبل مقتلة.
ما بين أنات جورج فلويد مكتومة أنفاسه وهذه والصورة التي عبرت بها هذه المرأة وهذا حقها ولكن ابتسار هذا الجسد في مجرد عضو يتم استغلاله مثل ما حدث وسفن الاطلنطي تحملهم ومعهم ثروات بلادهم من الكاكاو، البن والقطن والبهارات والريش الملون، استغلال للإنسان كثروة حقيقية لاستغلالهم في مناجم الذهب والخدمات المنزلية وغيرها فكيف يُختصر هذا الجسد الذي حمل جبال المعاناة وتلك (الجزور) التي بالكاد تستطيع التنفس، ابتسار في المتعة المتخيلة فكيف لجسد تئن في فضائه الروح  يمنح متعة جنسية لا تبدأ من متعة الوجدان والفكر الحر؟
من أين جاءت هذه الصورة أن الرجل الأسود يتمتع بعضو معتبر للمتعة الجنسية؟ تماما كتلك الصورة المتخيلة للمرأة السوداء التي لها (خلفية) معتبرة لمتعة (الرجل الأبيض)؟ المرأة (البيضاء) تتعرض أيضا إلى التمييز فهي في مخيلة البعض من الرجال الأفارقة أكثر متعة وحرية من الأخريات وهذا أيضا ابتسار مثل ابتسار (جودتها) في المكتب الذي أشرت له سابقا. هل يمكن فصل هذه الصور من أساسها الذي نما عبر القرون وارتبط بهذه الأجساد التي عانت من العبودية والاستعمار والاستغلال، هل يمكن فصلها من هجرة العمال ومعاناتهم ومن أصابع صغيرة تكتظ في مصانع في الهند تغزل في ملابس لتقي أطفال (العالم الأول) من البرد؟ ذات الملابس التي يتم تكديسها في صناديق التبرع لفقراء جنوب الكرة الأرضية؟ هل يمكن ان نفصل ذلك من التمييز الذي يعانيه الرجل المسلم فقط لأنه أطلق لحيته حرة، يدفع ثمن سياسات الإرهاب الذي لم يتساقط من السماء؟ هل تختلف من التمييز الذي تعانيه المرأة المحجبة التي حددت خيارها وفقا لذات القوانين التي تكفل حرية التعبير؟ خيارها الذي كلفها جراحات أليمة حين يبصق أحدهم في وجهها؟ او تمارس ضدها العنصرية المؤسسية لمنعها من خياراتها في البس الذي يعبر عنها وعن هويتها؟
عن أي حرية تعبير يتحدث العالم؟
حرية التعبير التي منحت هذه المرأة (البيضاء) أن تحدد هدف مشاركتها لأنها تحب في كل هذا (السواد) عضو يتأثر بما حوله، بالغذاء والماء النظيف، يتأثر بالركض وراء معايش الحياة ومنهك بالمعاناة التي تسببت فيها العنصرية المؤسسية التي حرمت الكثيرين من التعليم والصحة والعمل والسكن الصحي؟ حرمتهم لأسباب ترتبط بهذا اللون الذي تحول إلى لون للمقاومة وليس لونا للتشاؤم والأحزان والرعب وترسخ في أذهان الأطفال وخاصة الأفارقة منهم ان يمارسوا تلك اللعبة المعروفة في النمسا (من يخاف من الرجل الأسود) وذات الألم يتفجر وعيا حين يكبرون وذاكراتهم تنزف بأن تعليمهم الرياضيات في المراحل الأولى تبدأ بالعد (العشرة العبيد) كما كان في المدارس الألمانية قبل إلغائها نتيجة لصلابة المقاومة المدنية المناهضة للعنصرية لكل هذا لا يمكن القراءة لهذا الجسد لا يمكن أن يكون دون السياسي والاقتصادي وانعكاس ذلك على مسيرة وعي البشرية.
ردة الفعل على الصورة:
أحالتني ردة الفعل التي تابعتها في بعض مجموعات الحوار على الميديا الاجتماعية إلى ذات عقلية هذه المرأة التي خرجت احتجاجا لأجل أن (يتنفس) هذا العضو الذكري الأسود! تعليقات انحصر الكثير منها لتأكيد ن للرجل الأسود عضو خرافي وأن الرجل الأبيض باردا رغم أنه رومانسي، الرومانسية التي يفتقر لها الرجل الأسود. تعليقات ليس لها أي سند علمي أو مرجعيات أو حتى مجرد فرضيات قابلة للبحث والتحليل، ولكن المؤلم أن يتم ابتسار هذا الجسد وإفراغه من انسانيته وقيمته الوجدانية، من أشواقه وأحلامه من مجرد التفكير أنه يولد ويكد ويتعب ويرحل إلى مثواه دون ان يرمش للسياسية العالمية رمش. فما كتبته (الإعلامية داليا الياس) يصب في ذات البؤس الفكري عبر الطريقة التي عالجت بها قضية (البرود الجنسي لدي الرجل السوداني). التعميم المخل وكأن كل قضايا الرجل السوداني انحصرت في ذات (العضو) الذي خرجت هذه المرأة (البيضاء) لأجله احتجاجا على العنصرية. ومؤكد أن التصاوير التي تمت للرجل السوداني في جبال النوبة من مصورة هتلر ايفا براون لا ينفصل من ذات النظرة الغرائبية والتي تعبر أيضا عن العنصرية.
ليس جورج وحده لا يستطيع التنفس بل السواد الأعظم من السودانيات والسودانيين، قضايا الخبز والحرية والسلام وأبعادها العالمية وخبراتهم هي ما تربطهم مع مصائر كل البشر في عوالمنا النامية. ذات الأحلام في التعليم والصحة والعمل والرفاهية والمساواة امام القانون حينها يستطيع الجميع أن يتنفس هواء معافاة.

فيينا، العاشر من يونيو 2020

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!