https://www.dirtyhunter.tube

مباحثات جوبا.. هل هي بحث مخلص عن سلام دائم، أم سعي محموم وراء المغانم؟ (٦)

15

الباقر العفيف

“إن ما خرجت تبحث عنه تركته وراءك في بسطام”

(الشيخ أبا يزيد البسطامي)”

بين المنطق والديماغوجيا

الأستاذ ياسر عرمان
تحدثنا في الجزء السابق من هذه السلسلة عن الصادق المهدي باعتباره من السياسيين العقلاء الذين ما فتئوا يحذروننا من مغبة “إيقاظ الكلاب الإسلامية النائمة” بإثارة موضوع العلمانية. ويطالبنا بأن نسقط هذه الكلمة من قاموسنا السياسي إن أردنا السلامة. وكذلك قلنا إن الأستاذ ياسر عرمان هو الآخر من السياسيين الذين ساروا تحت هذه الرايات.

ومسيرة ياسر عرمان السياسية من السِيَر التي تستحق التأمل. فهو من بين قلة قليلة من سياسيي الشمال الذين سلكوا طرقا وعرة، ودخلوا أراض بكرة، وسبحوا ضد التيار. وهو أيضا من السياسيين “المتمردين” الذين بنوا رصيدهم السياسي بالحفر على الصخر، بالتعب والرهق والتضحية الحقيقية. ولذلك فهو ممن تعلقت بهم آمال. وعندما عاد للبلاد في وفد المقدمة الشهير عقب اتفاقية السلام الشامل في عام ٢٠٠٥، كان يجلس على رصيد شعبي ضخم ظهر جليا في حملته الانتخابية عام ٢٠١٠ ضد البشير. وهو نفس العام الذي واجه فيه اختبار القيادة والسؤال الوجودي الذي واجه الأمير الدنماركي هاملت في مسرحية شكسبير الشهيرة: “أكون أو لا أكون. هذا هو السؤال. هل الأنبل للعقل أن يتلقى السهام والقذائف من القدر الغاشم وينحني أمامها، أم يشهر سلاحه في وجه بحر من المصاعب والتحديات فيصارعها ويصرعها”. في تلك اللحظة كان السؤال هو هل سوف يتمرد “المتمرد” على تنظيمه ويعلن عن أن انتمائه للشعب أكبر من انتمائه لحركته فيقدم استقالته منها ويمضي كمرشح مستقل، فيؤسس نفسه زعيما للمعارضة غير منازع؟ أم سيخضع للتنظيم ويقبل بتلقي السهام من قدر الكومريدز الغاشم، والذي سيكلفه الكثير من رصيده السياسي؟ وبقية القصة تاريخ كما يقولون.

منذ ذلك الوقت تمت “عقلنة المتمرد” وتدشين ياسر عرمان في مجرى السياسة السودانية التقليدية.

هذه المقدمة ضرورية لفهم موقفه وتحذيره لنا من مغبة إثارة موضوع العلمانية في هذا الوقت “دون تدبر”. فهذا في رأيه “سيوحد الإسلاميين ويساعد على صعود التيارات المتطرفة وسطهم على حساب المعتدلين منهم”. وهي حجة الصادق المهدي بذاتها وصفاتها. الفرق هو أن الصادق يقولها كذريعة إضافية تؤكد موقفه المبدئي ضد العلمانية، في حين يستخدمها ياسر “المُعَقْلَن” تكتيكيا كأسهل الطرق للوصول للعلمانية التي يؤمن بها.

فياسر بحجته هذه كأنما يدعونا لخفض أصواتنا قليلا لدى الحديث عن العلمانية. فهو يقول “ويُستَحسَن لو تفادينا الكلمة كلية، وتحدثنا عن الدولة المدنية الديموقراطية، أو حياد الدولة ووقوفها على مسافة واحدة من الأديان. ذلك أن رفع لواء العلمانية يعطي المهووسين ذريعة لإثارة البلبلة والتجاذب وسط السودانيين”. فكأن الافتراض هنا هو أننا لو قدَّمنا هذا التنازل للإسلاميين، سوف تهدأ صيحاتهم المتشنِّجة وسوف تتراجع تهديداتهم لنا. وسوف لن يتقدموا لملء المساحة التي نُخليها لهم.

إن الافتراض الذي يقول بأن حركات الهوس الديني إنما هي عبارة عن ردة فعل للتطرف العلماني فرضية رائجة وسط سياسيين ومثقفين كثيرين، ليس في السودان وحسب، ولكن في العالم العربي والإسلامي أيضا. ولكنها فرضية بالغة الخطأ. فالمشروع الإسلاموي مشروع متكامل في مضمونه الشمولي الإقصائي الاجتثاثي وفي مرجعيته الفقهية المنتجة في القرون الوسطى، وفي وسائله العنيفة المتجذرة في مفهوم الجهاد. فالإسلامويون لا يحتاجون لأي ذرائع لأفعالهم لأنهم يعرفون كيف يصنعون ذرائعهم. وياسر عرمان واحد من مقارعي هذا المشروع منذ نعومة أظافره وهو أدرى الناس بطريقتهم في التحرش بالخصوم وافتعال المشاكل.

إن حجة “خفض الصوت” بكلمة العلمانية “المنكرة” هذه تمنح الإسلامويين ميزة تفضيلية ومعاملة خاصة، في حين أنها تُضْعِف من عزيمتنا في مواجهتهم. فمعروف بأنك عندما تكون عائشا في أذهان أعدائك متحسبا لردود أفعالهم تجاه تصرفاتك فإن هذا يفلُّ من عزمك ويجعلك أقلَّ مُضاء وصمامة. فالإسلامويون ليسوا أطفالا مدللين لنأخذ بيدهم ونهدهدهم ليهدأوا وينوموا، وإنما هم شيوخ سفهاء لا بد من الحجر عليهم لتهدأ البلد وتستقر. إنهم حيات سامة نفثت سمها الزعاف في جسد شعبنا لثلاثة عقود ظللنا خلالها نتقلب على جمر الألم حتى وجدنا ترياقا لسمهم. فنهضنا من رقدتنا وأسقطناهم من على ظهورنا. هزمناهم سياسيا ولابد من المضي قدما لهزيمتهم الفكرية. ونحن إذا تفهمنا موقف الصادق الذي يخوفنا (بنابوليون الإسلاموي) خنزير بيركشاير البَرِّي الشرس الذي صوره جورج أورين في رائعته “مزرعة الحيوانات،” فكيف نتفهم موقف ياسر؟ ولماذا يريدنا أن نجعل من الخوف من الإسلامويين محددا لسلوكنا؟

أما نحن فنعلم أن الإسلامويين سوف يفعلون كل ما في وسعهم لإلحاق الأذى بنا سواء تكلمنا أو سكتنا، أقدمنا أو تراجعنا. ابتسمنا لهم أو كشرنا في وجوههم. بل بالعكس أثبتت التجربة أن سكوتنا وتراجعنا يزيد من جرأتهم علينا. وهم لا يوقفهم من أي مغامرة ضد الثورة إلا الخوف من فشلها وعودتها عليهم بالخسران المبين. فلكي ما ننتصر عليهم، لابد من أن ندير معركتنا معهم بشروطنا وليس بشروطهم، وفي ميداننا وليس في ميدانهم، وبخطابنا وليس بخطاب مفروض علينا من قبلهم.

العلمانية والحرب
كذلك يقول ياسر إن العلمانية ليست شرطا لإنهاء الحرب أو عودة النازحين. وليس من العدل أن يتحمل أهل المنطقتين دفع فاتورة العلمانية لوحدهم بمعزل عن الحركة السياسية السودانية.

فإذا كان القصد من هذا القول إنه من الممكن أن يُوَقَّع اتفاق سلام يضمن إنهاء الحرب وعودة النازحين، فهذا صحيح بطبيعة الحال. وقد حدث كثيرا في تاريخنا المليء باتفاقيات السلام، إلا أنه لم يضع نهاية للحروب. ولم يحقق سلاما مستداما.

وياسر يعرف جيدا أننا إن أردنا تحقيق سلام دائم، لابد لنا من مخاطبة جذور الحرب. ومن بين جذور الحرب مشكلة الحكم. وعلاقة الدين بالدولة. ومسألة القوانين الإسلامية. فلماذا لا نقتنص هذه الفرصة الذهبية والنادرة والتاريخية ونُحَوِّل مفاوضات السلام إلى منبر جامع للقضاء على أسباب الحروب في البلاد مرة وإلى الأبد؟ خصوصا وإن القاسم المشترك بين جميع اتفاقات السلام السابقة هو أنها كانت ثنائية. وكان هذا واحدا فقط من أسباب فشلها الكثيرة. وقد ظل الصادق المهدي يتبرم من كون اتفاقية السلام الشامل لم تكن في الحقيقة “شاملة” وإنما كانت ثنائية. وبالطبع كلنا ندرك أن كلمة “الشامل” هي صفة راجعة للسلام، وليست للأحزاب المشاركة في المفاوضات. ولكن الصادق كان يعني أن مفاوضاتها لم تكن بين التجمع الوطني الديمقراطي ككتلة والحكومة وإنما كانت بين الحركة الشعبية والحكومة. وكان هناك شعور عام بأن الحركة الشعبية تخلصت من حلفائها بسهولة عندما لاحت في الأفق إرهاصات السلام. كان من الممكن الاستفادة من دروس الماضي فنتفادى نقص التمثيل وعدم شمولية المشاركة. كان من الممكن تنظيم المنبر بحيث نجعلها مفاوضات جماعية بدل ثنائية. خصوصا وأن الجبهة الثورية كانت تضم غالبية الحركات المسلحة ما عدا حركتين. وقوى إعلان الحرية والتغيير تضم غالبية القوى السياسية في البلاد. والدنيا ثورة. والبلاد مهيأة للأول مرة في تاريخها لمؤتمر مائدة مستديرة تتخذ فيه القوى السياسية قرارات شجاعة وتاريخية بالقضاء على جميع أسباب الحروب في البلاد. وإعلان مبادئ يعلن ضمن بنوده بندا عن الاتفاق على فصل الدين عن الدولة لأنها واحدة من مسببات النزاعات في البلاد. وإلغاء القوانين الإسلامية باعتبارها جزءا من التمكين وتركة الانقلاب. ولأنها ألحقت أضرارا لا تحصى بعموم أفراد الشعب وبخاصة سكان المناطق المهمشة. فهل كان هذا أمرا مستحيلا؟ أم أن هناك مشكلة رؤية؟

جعفر الميرغني
وقَّع السيد جعفر الميرغني مذكرة تفاهم مع القائد عبد العزيز الحلو اتفقا فيها على أمر إلغاء قوانين الإنقاذ والعودة إلى القوانين التي كانت سائدة إلى ما قبل العام ١٩٨٣. وهو اتفاق لا يكتفي بإلغاء القانون الجنائي لعام ١٩٩١ وحسب، بل يتجاوزه لإلغاء قوانين سبتمبر بأثر رجعي والعودة لقوانين ١٩٧٤. والسؤال المُحَيِّر هو كيف يقوى السيد جعفر الميرغني على أمر تعجز عنه بقية القوى السياسية بما فيها الجبهة الثورية التي تتحدث عن سودان جديد؟ لماذا أصبح هذا شأنا عسيرا على القوى السياسية والحكومة وشأنا يسيرا على السيد الميرغني الصغير؟

يتكئ السيد جعفر الميرغني على إرث والدهم السيد محمد عثمان الميرغني الذي توصل لاتفاق مع الدكتور جون قرنق على تجميد قوانين سبتمبر في العام ١٩٨٦، الأمر الذي عجز عنه السيد الصادق المهدي. عجز الصادق لأنه كان يعيش في ذهن الإسلاميين. ولقد عبَّر الشعب عن فرحته بذلك الاتفاق بالاستقبال الأسطوري الذي حظي به الميرغني لدى عودته من لقائه مع الدكتور قرنق. وكان ذلك الاستقبال استفتاء شعبيا وحكما حاسما في قضية الدين والدولة. الفرق بين الصادق والميرغني أن الأول ارتهن للإسلاميين فخسر في حين راهن الثاني على الشعب فكسب الرهان. واليوم يراهن جعفر الميرغني على الشعب وسيكسب الرهان في حين يرتهن الآخرون للعسكر والإسلاميين وسيخسرون. والمفارقة أن ياسر انتقد عبد العزيز في تحاوره مع حزب طائفي وعجزه عن التواصل مع زملائه السابقين. ولكن المفارقة الحقيقية هي أن الحزب الطائفي تَبَنَّى موقفا تقدميا عجز عنه عتاة التقدميين.

ياسر وعبد العزيز
يعجبني كثيرا الموقف المرن الذي ظل يبديه ياسر على الدوام تجاه عبد العزيز الحلو. فهو يتحدث عنه باحترام شديد. ويدعوه دعوات متكررة لتوحيد الحركة. وإن تعذر أمر التوحيد في الوقت الراهن، فهو يدعوه للتنسيق وتوحيد المواقف. وبطبيعة الحال هناك الكثير من تجارب الانشقاقات في مسيرة ياسر السياسية. والانشقاقات السياسية في السودان دائما تعقبها قطيعة تطول أو تقصر بحسب الطريقة التي حدث بها الانشقاق وما إذا أسفر عن قتال بالسلاح وموت وغبائن. لكن التجربة العملية تشهد بأن أطراف الانشقاق يمرون بفترات ثلاثة، فترة القطيعة التامة والتراشق والعداء السافر، ثم فترة الاعتراف بالأمر الواقع والتعايش معه، ثم فترة التواصل. كذلك تعلمنا التجربة أن الصفات الشخصية والقيم الأخلاقية لقادة الانشقاق على طرفي النزاع تلعب دورا مفصليا في عملية التجاوز وتحديد أمدها. ولكن القول الفصل هو عامل الزمن، فالزمن وحده هو الكفيل بعلاج النفوس وإبراء الجروح. لذلك ليس مدهشا عدم التواصل بين قسمي الحركة الشعبية في الوقت الحالي، فهما ما يزالان في المرحلة الأولى.

ولو أن دعوة ياسر لعبد العزيز كانت بلسان الحال والأفعال لربما كانت أكثر صدقا، وربما وجدت أذنا تسمعها، خاصة ونحن في “عالم الساسة” وهو وسط “شغلانيته” الكلام المجاني، ويعج بالذين يقولون ما لا يفعلون. لقد أتاحت قضية العلمانية ومسألة الدين والدولة فرصة طيبة للتنسيق مع عبد العزيز في مسألة تمثل أكبر اهتمامات الحركة الشعبية وعلى رأس قضاياها المبدئية كما أوضح ياسر نفسه. فلماذا لم يضع يده مع يد عبد العزيز ويضم صوته لصوته. هذه فرصة للتنسيق كانت مدعاة للتقريب بين رفاق الأمس.

في الواقع إننا نهدر فرصة لا تتكرر. وفي تقديري أن موقف الأستاذ عبد العزيز الحلو هو الموقف الصحيح الذي سيصون وحدة البلاد، ويهيئها لسلام مستدام. وهو الموقف الأكثر تناغما مع الثورة وشعاراتها، والأقرب لقلوب الثوار. كما أنه ليس مطلبا تعجيزيا كما يحاول البعض تصويره. فالدنيا تغيرت من حولنا ومادت الأرض تحت أقدام الإسلامويين في العالم كله. بل إن مؤسسات دينية مثل الأزهر أعلنت تأييدها للدولة المدنية الدستورية، والقوانين الليبرالية. وحركات إسلامية مثل حركة النهضة تعايشت مع العلمانية التي تقول إن من مهام الدولة حفظ الأمن وإرساء أسس العدل وتقديم التنمية والخدمات للمواطنين، وليس من مهامها أن تفرض على الناس نمط حياة معين أو تسوقهم إلى الجنة زمرا بالسوط والسيف والقوانين الإسلامية. وها هو رئيسها الغنوشي يقول بعبارات واضحة لا لبس فيها “أما أنو الناس تصلي ما تصليش، تتحجب ما تتحجبش، تسكر ما تسكرش هذا متروك للناس”.

وياسر نفسه يقول بأن الإسلاميين في بلدنا تحركوا من مواقفهم القديمة، وصاروا يؤيدون مثل هذا الطرح الذي فجع به الغنوشي قادة التنظيم الدولي للأخوان المسلمين. يبرز من بين إسلاميي السودان الأستاذ المحبوب عبد السلام الذي أورثته تجربة الإنقاذ الحكمة فصرح بفصل الدين عن الدولة وأعلن عن “موت الحركات الإسلامية واستنفاذها لأغراضها لأنها أصبحت مضادة لفكرة الدولة الحديثة، دولة القانون والديمقراطية والتبادل السلمي للسلطة”. وهو الآن يقود حركة شبابية تجديدية وسط الإسلاميين ربما كانت فرصتهم الوحيدة التي من الممكن أن تدشن عودتهم لحضن الشعب بصورة شبيهة بعودة الإبن الضال لمنزل أبيه، بعد أن بدَّد أمواله في السفاهة والطيش والنزق. تلك القصة الموحية the prodigal son التي حكى عنها الإنجيل. بالطبع هناك آخرون أحدثوا مراجعات جادة وأمينة مع النفس مثل خالد التجاني، وأشرف عبد العزيز (دوشكا)، وأبوذر الأمين، وفتح العليم عبد الحي، وعامر الحاج، ومحمد حسب الرسول وغيرهم كثير. فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا يضع ياسر وزنه التفاوضي في هذا السياق الجديد ويضغط من خلال التفاوض الوصول لإعلان مبادئ يلغي القوانين الإسلامية؟

المؤتمر الدستوري
أما الأمر الآخر المهم، فهو حديث الأستاذ ياسر عن المؤتمر الدستوري. إن الحديث عن المؤتمر الدستوري بهذه الصورة المعمَّمة، دون أي رؤية تفصيلية عنه لا يُعِين. بل من الممكن أن يُفهَم كنوع من الهروب من المشكلة وتأجيلها وإلقائها في سلة القضايا المهملة. هناك أسئلة جوهرية تتعلق بالمؤتمر الدستوري ستتحول لقنابل موقوتة إن لم يُجَاوب عليها منذ الآن. فمثلا ما هي معايير المشاركة في المؤتمر الدستوري؟ ومن هم الذين يحق لهم المشاركة فيه؟ هناك أكثر من مئة وعشرين حزبا مسجلا من “أحزاب الفكة” التي فرختها فقاسة الإنقاذ. هل سيحضرون؟ إن آذاننا ما زالت تسمع صدى كلمات البرهان، أيام تملُّصِه من الاتفاق مع قوى الحرية والتغيير، أن قادة هذه الأحزاب اتصلوا به يطلبون التمثيل في حكومة الثورة. وبداهة هم سيطلبون التمثيل في المؤتمر الدستوري. هل ستأتي إليه الإدارات الأهلية التي رضعت من ثدي الإنقاذ والتي كانت تبايع البرهان وحميدتي في أسابيع الانقلاب التي أعقبت مجزرة القيادة؟ هل ستشارك فيه الجمعيات الدينية والمساجد والخلاوي التي كان يُرْضِعُها البشير من أموالنا التي يضعها تحت السرير؟ هل ستشارك فيه الطرق الصوفية “المُلَوَّثة” التي مرغها البشير في وحل الدنيا وخبوبها، فخانت رسالة آبائها المؤسسين، وظل هو يفزع إليها كلما حزبه أمر ليأخذ بيعتها؟ هل سيشارك فيه أنصار السنة والسلفيين من كل نوع وفن، والداعشيين ونصرة الشريعة، والدبابين من أصحاب ناجي عبدالله والملائكة التي كانت تظللهم؟ هل ستشارك فيه منظمات المجتمع المدني وهناك أكثر من ٢٠٠٠ منظمة كيزانية ما تزال حَيَّة تلدغ؟ وماذا عن غازي صلاح الدين والشعبيين؟ أم أن من يؤمه هي قوى الحرية والتغيير ومن تختارهم وتزكيهم؟ كيف سُتُمَثَّل النقابات ومنظمات المرأة والشباب؟ وكيف تُحسَم فيه القضايا؟ هل بالتصويت والأغلبية الميكانيكية؟ أم بمظاهرات المصاحف خارج القاعات؟ وكيف سنعمل مع قضايا الحقوق الأساسية والمبادئ فوق الدستورية، هل ستخضع للتصويت؟ إن لم تُجَاوَب هذه الأسئلة وغيرها فسيصبح المؤتمر الدستوري مجرد مشجب تُعَلَّق عليه القضايا العَصِيَّة لتنشف وتتيبَّس.

حكم الوقت
في اعتقادي أن المؤتمر الدستوري قد تجاوزه الزمن. فالثورة قلبت موازين القوى وأصبح الثوار على الأرض هم الذين سوف يقررون مصيرهم ومصير دولتهم وشكل حكمهم. والشباب هم أكبر من تأذى من قوانين الشريعة الإسلامية. فهم الذين اعتُقِلوا وجُلِدوا وأُهِينوا، وحُلقت شعور رؤوسهم بالسكين والسونكي في الميادين والأسواق. والكنداكات هن من تعرضن للجلد والتحرش من قبل منظومة النظام العام متمثلة في رجال شرطتها المرتشين، وقضاتها الفاسدين، ووكلاء نيابتها المنحرفين. والثورة أسقطت الإنقاذ سلطة وقوانين وممارسات. والموقف المنتظر من سياسيينا هو عكس روح الثورة وتطلعات شبابها في غرفة المباحثات.

لقد وُلِدت الدعوة للمؤتمر الدستوري من رحم اختلال موازين القوة لصالح حكومة الإنقاذ. في وقت كان النظام يشدد الضغط على القوى السياسية المعارضة ليجبرها على الاستسلام. ومعروف أن المؤتمر الدستوري هو عبارة عن حدث أو فعالية event وليس صيرورة أو مسيرة process. وهو بطبيعته سيكون حوارا بين الصفوة لا يُنبِت جذورا في المجتمع. الآن يدور الحديث عن مفهوم أخر هو “صناعة الدستور” باعتبارها مسيرة وحوار مجتمعي طويل وعميق social debate. الغرض من الحوار المجتمعي هو تعميق الوعي القاعدي بالدستور وإنزاله على الأرض وربطه بحياة الناس ومعاشهم لا بمعادهم.

الحلول المبدعة

إنَّ قائدا سياسيا حقليا practitioner بقامة ياسر عرمان وبحكم تجربته الطويلة في الميدان يُنتَظَر منه أن يأت بالحلول المبدعة للقضايا العويصة التي ظل “يعافرها” على مدى نحو أربعة عقود طويلة. فمثلا يقول ياسر بأن العلمانية ليست من أولويات النوبة. وأن أولوياتهم هي عودة النازحين واللاجئين وقضايا الأرض وخدمات التعليم والصحة. وأن العلمانية قضية تخص السودانيين كلهم يجب ألا يتحمل تبعاتها النوبة وحدهم. وأن الحل الأمثل لهذه القضية هي بإعطاء المنطقتين حكما ذاتيا يكون لهم فيه حق التشريع. إلى أن يلتقي السودانيون في مؤتمر دستوري حيث “ستطرح علاقة الدين بالدولة لكل السودانيين لكي يأتوا بالصيغة التي تتناسب مع السودانيين جميعاً”.

في تقديري أن هذا الطرح كان صحيحا بالأمس ولكنه ليس صحيحا اليوم. كان هذا الموقف مقبولا بالأمس عندما كانت المنطقتان ترزحَان تحت الحصار. وتتعرضان للقصف اليومي بالبراميل المتفجرة، وكان ميزان القوة يميل لصالح المعتدي. والحرب لا تبدو لها نهاية في الأفق. في مثل هذه الظروف يصبح الحق في الحياة مقدما على الحق في الحرية.

أما تبنيه اليوم، فيتجاهل المتغيرات التي حدثت في البلاد والفرصة الهائلة التي أتاحتها هذه الثورة العظيمة التي شهدت ولأول مرة في تاريخ البلاد أئمة يُجَرٍّون جرَّا من على منابر المساجد ويُطرَدون منها شر طردة لأنه سبوا الشيوعيين أو عارضوا الثورة. الثورة التي أسقط فيها الشعب قانون النظام العام وأجبر العسكر على إصدار مرسوم بذلك. فالفرصة إذن مواتية ليتخذ قادة البلاد قرارا باقتلاع مسمار حجا الذي أدمى جسد الشعب، وكان سيكون الضغط هائلا لو جاء ياسر ورفاقه في الجبهة الثورية للتفاوض وهم يحملون “كماشاتهم” إلى جانب “كماشة” رفيق نضالهم السابق عبد العزيز لاقتلاع ذلك المسمار الخازوق.

التناقض

كذلك فإن هذا الطرح ينطوي على تناقضين أساسيين مع أراء سابقة عبر عنها الأستاذ ياسر. أولا هو يتناقض مع أطروحته الرافضة “لتقزيم” قضايا المنطقتين. فجوهر فكرة السودان الجديد هي أن لأهل الهامش كامل الحق في تقرير القضايا القومية، فلماذا يترك مسألة القوانين الدينية ليقرر فيها حميدتي والكباشي والعطا وينسحب هو للعناية بقضايا المنطقتين فقط؟ وكذلك يتناقض مع قوله بأن النوبة خارج الجبال أكثر عددا من الذين يقطنون الجبال. إذن فهو لا يملك حلا لنوبة الخرطوم والجزيرة والقضارف وكسلا وبورتسودان. وياسر هو سيد العارفين بأن مكمن المشكلة في المركز، في الخرطوم. المركز الذي أعطى نفسه الحق في فرض خياراته على الجميع. هذا علاوة على كون المتضررين من القوانين الإسلامية والرافضين لها ليسوا سكان المنطقتين وحسب بل يوجدون على نطاق القطر، الذين يتأذون من بشاعتها والذين لا يهتمون بذلك. فهذه الثورة قامت ضدها وأسقطتها، ولكن العسكر هم الذين أبقوا عليها، مثلما أبقوا على جسد الدولة الفاسدة كما هو. ويبدو أنهم ينفِّذون وصية البشير للبرهان “بالمحافظة على الشريعة”.

وعودة أخرى لمقترح ياسر بالحكم الذاتي للمنطقتين، هل يا ترى فكَّر في مقلوب طرحه؟ وهو تقرير المصير التشريعي لجميع أقاليم السودان في ظل الدولة العلمانية. أي أن يعلن المتفاوضون الآتي “إن الحقيقة الموضوعية تقرر أن هذه القوانين الدينية تمثل جذرا أساسيا من جذور الحرب. لذلك اتفقنا نحن القادة الموجودين بجوبا على إلغائها والرجوع لقوانين ١٩٧٤. ولأننا نريد أن نوائم بين فصل الدين عن الدولة في النظام الفيدرالي الذي يساوي بين جميع الثقافات وبين جميع مكونات الشعب ولا ينحاز لأي ثقافة بعينها، أو لمكون بعينه. لأننا نريد المواءمة بين هذا وبين حق الناس في اختيار التشريعات التي تناسبهم محليا، لذلك اتفقنا على إقامة نظام فيدرالي يفصل فصلا تاما بين الدين والدولة على مستوى المؤسسات الاتحادية مع إعطاء الأقاليم المختلفة الحق في تقرير المصير التشريعي. فإذا قرر إقليم من الأقاليم مثلا تطبيق الشريعة الإسلامية يحق له ذلك”.

في الحقيقة هذا هو النموذج النيجيري. فالعاصمة الفيدرالية والمؤسسات الفيدرالية في نيجيريا كلها علمانية. وأي بقعة أرض في البلاد توجد فيها مقرات فيدرالية كمراكز البوليس وثكنات الجيش والأمن والمؤسسات العدلية، والمؤسسات التابعة لوزارة الخارجية، كلها مؤسسات علمانية يسمونها نطاقات خالية من الشريعة shari’a free zones. وبناء على هذا تمكنت الولايات الشمالية من تطبيق الشريعة الإسلامية في حين ظلت نيجيريا دولة علمانية.

الخاتمة

هذه هي خاتمة المقالات عن مفاوضات السلام الجارية الآن في جوبا. وقد حملت لنا الأخبار أن التوقيع على الاتفاقية الذي كان مزمع حدوثه يوم ٢٠ يونيو الجاري قد تأجل إلى أجل قريب ولكن غير محدد. هذا فصل أوشك على الانتهاء. وكل ما يقال فيه هو أمل ورجاء بألا يقتتل القوم على المكاسب الشخصية والحزبية، وألا يمضي مفاوضو الحكومة في الدرب القديم بالتوسع في وظائف الدولة المفلسة والمترهلة أصلا لإرضاء طلبة التوظيف. وأن ينصرف القوم للاهتمام بقضايا الناس العاديين، قبل طموحات النخب والقادة، وأن ينجزوا مشروعات عودة النازحين واللاجئين، والعدالة القضائية، والعدالة الانتقالية وغيرها من آلاف القضايا التي تنتظر الحل.

كذلك تَبَقَّى فصلٌ ثانٍ مع الشق الآخر من الحركة الشعبية شمال، بقيادة الحلو، والشق الآخر من حركة تحرير السودان التي يرأسها الأستاذ عبد الواحد النور. لا ندري كيف سوف تسير أموره. ولكن نتمنى أن يُستفاد فيه من دروس الفصل الأول. أن تُصحَّح فيه الأخطاء التي اُرتكبت، وأن تُكمل فيه النقائص، وأن تُسدد فيه الثقرات.

ما كنا نريد لقادتنا اتباع النهج القديم، لإرساء دعائم السلام في البلد، بينما نحن في العهد الجديد. فهذا الذي يجري هو نهج السلام بالقطعة peace by piece الذي أرساه النظام المباد وسار على دربه المفاوضون الحاليون. وبالرغم من كل الملاحظات التي سجلتها في هذه المقالات والتي ربما حملت البعض على الإحباط، إلا أنني أثق ثقة كبيرة في هذه الثورة وفي هذا الشعب. إن هذه الثورة لمن العمق بحيث يستحيل هزها. الكيزان في متاهتهم لا يدركون هذا. ولكن بكل أسف هناك الكثير من سياسيينا أيضا لا يدركون هذا. فهم بعيدون كل البعد من قامة الثورة وعظمتها وتضحيات أبطالها من الجنسين. هذه ثورة كل فرد منا، ثورة الشفاتة الذين كتبوا على صدورهم العارية “مرحب بالطلقة”. ثورة الكنداكات، أيقوناتنا الجميلات، مطلقات الزغرودة، صائدات البمبان، “العلمن الجبل الثبات”. ثورة الكبار والشباب. ثورة الأمهات والحبوبات. ثورة الأطفال الصغار الذين ترَّسوا الشوارع أمام منازلهم بتروس من الحصى والحجارة الصغيرة “قَدُر قُدْرَتهم”، والذين حفظوا أهازيج الثورة عن ظهر قلب، ورددوا أغاني أيمن ماو، وأدخلوها داخل بيوت الكيزان، وقالوا لكبارهم من الكيزان”أي كوز ندوسو دوس”. ثورة المعوقين جسديا الذين خرجوا في المظاهرات يستندون على عصيهم. ثورة الصم والعمي والبكم الذين استنشقوا رائحة الثورة في الجو فخرجوا يهتفون. إنها ثورتنا التحريرية الكبرى التي حررتنا من رق الكيزان. إنها أهم حدث في حياتنا. أهم من الاستقلال وأهم من أي ثورة قامت في تاريخنا. هذه ثورة خرجت من أعمق أعماق آلامنا وعذاباتنا وحرماننا وآمالنا. هذه الثورة أعطتنا معنى للحياة، وأعطتنا الوطن الذي سوف نفديه بأرواحنا. هذه الثورة جاءت لتبقى. وستحرق نارها خَبَثَ الفساد وسيهدي نورها سُبُل الرشاد.

التعليقات مغلقة.

yenisekshikayesi.com
error: Content is protected !!