متى تعود القمار​ي ؟

3

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.


الذين حضروا ​أيام الإنجليز من المخضرمين ​أمثالى​،​ يذكرون أن فى المديرية الشمالية كانوا يشقون قنوات على ضفتى النيل على طول إمتداده فى ذلك الإقليم. كان لذلك فائدتان حين يفيض النيل يفتحون تلك القنوات فيسيل النيل على الضفتين​،​ فتمتص الأرض الظمأى فائض الماء من النهر​،​ فلايحدث الخراب والدمار الذى يحدثه إذا لم يجد متنفسا​،​​.​ وقد كان ذلك فى ظنى الهدف الاهم من فتح تلك القنوات؛

الفائدة الثانية هى أن ماء الفيضان يصل الى أماكن لا يصلها عادة​،​ فتكون زراعات ومراعى أغنام وغابات طلح وسيال وعشر وغير ذلك، كان يثبت الأرض الرملية​،​ ويقى من رياح السموم​،​ ويبسط الظل على عدوتى النيل.

وكان فى بلدنا غابة كبيرة من اشجار الطلح​،​ يسقيها النيل من تلك القنوات من عام الى عام​،​ وقد نمت وإزدهرت لأن الحكومة كانت تمنع منعا باتا قطع اى شجرة إلا بإذن خاص فى حالات نادرة ؛

من تلك الحالات النادرة قطع شجر طلحة العرس​،​ فقد كان من طقوسهم فى الاعراس أنهم يمشون الى الغابة فى زفة عظيمة​،​ فيقطعون شجرة طلح ويعودون بها الى د ار العروس ؛

أذكر وأنا صبى فى الاربعينات عرسا كانت له شنة ورنة من تلك الأعراس التى يؤرخ بها وتظل اصداؤها تتردد زمنا طويلا.

كان العريس إسماعيل صبير من اهلنا ناس كرمكول​،​ وكان اخا وحيدا بين عدة اخوات​،​ وكانت العروس إبنة المرحوم عبدالله عباس الذى كان يومئذ من كبار موظفى الجمارك. كان من اوائل خريجى كلية غردون من اهلنا​،​ إضافة الى ان اخت العريس زينب صبير عملت لأخيها سيرة لم يحدث مثلها من قبل ولا بعد.

كانت شابة وضيئة متزوجة​،​ لا اظن أن سنها كانت تزيد على خمسة وعشرين عاما، أذكر لونها العسلى وثغرها البراق ووقفتها النبيلة وصوتها العجيب الذى تعجز الكلمات عن وصفه. بدت لى تحت ضوء المصابيح – ولابد إنها ظهرت كذلك لأهل البلد كلهم – كأنها طيف ملائكى حل علينا من كوكب آخر.

سرنا معها كالمسحورين يحدونا صوتها الاسطورى من دار العروس فى كرمكول شاقين البلد من الغرب الى الشرق​،​ حتى وصلنا الغابة عند دبة الفقراء. ظلت تغنى كانها ترتجل​،​ حتى قطعنا الطلحة وعدنا الى كرمكول​،​ ربما اكثر من ثلاث ساعات وربما اربع​،​ وصوتها يزداد عمقا ومدى وجاذبية​،​ والصور والمعانى تصل الى وجداننا منها مثل رفيف أجنحة القطا

جيد لى أنا جيد لى بى ذاتو
يانمر الخلا الفارد جناحاتو

حين صرت اكبر سنا واكثر إدراكا​،​ فهمت أن زينب بت صبير صنعت فنا عظيما فى تلك الليلة. خلقت اسطورة لاخيها​،​ فإذا هو أجمل وأكرم وأشجع وأغنى​،​ وادخلت البلد قاطبة فى نسيج عالمها الإسطورى​،​ فإذا بلدنا كما نعرفها وزيادة، وإذا نحن جميعا كما نعرف انفسنا وأكثر، كذلك يصنع الفن العظيم ؛

إنما الحياة كانت بالفعل حلوة فى تلك الايام. حلوة حلاوة من لايعرف طعمها إلا من ذاقها​،​ فماذا كانت عندنا يومئذ ولم يعد عندنا اليوم​ ؟

لم يمهل القدر زينب بت صبير بعد اشهر معدودات من تلك الليلة المشهورة​،​ وأختطفها الموت فجأة دون علة واضحة. رحمها الله كانت حقيقة طيفا ألم بالبلد ثم عاد من حيث اتى؛

لاتوجد اليوم ​أعراس كالعرس الذى غنت فيه زينب فى أى من قرى شمال السودان​،​ فقد فرغت القرى من اهليها الذين تفرقوا أيدى سبأ، إختفت الغابات على الضفتين وهاجرت القمارى بشجوها.

النيل الرحيم الودود عادة ظل فى العهود االاخيرة يطمس المعالم ويمحو الآثار​،​ كأنه يريد أن يقول شيئا،

كانه ضاق بحبسه بين الضففتين،

فمتى تفتح القنوات للنهر وللبشر​ ؟​

ومتى تهدأ ثورة النيل ​؟​

ومتى تعود القمارى ؟

التعليقات مغلقة.