مجمع الفقه الإسلامي في دورته الجديدة.. النقاط على الحروف

3


د. محمد خليفة صديق
مجمع الفقه الإسلامي السوداني مؤسسة علمية بحثية، أنشئت وفقاً لأحكام قانون مجمع الفقه الإسلامي لسنة 1998م، وهو مؤسسة الإفتاء الأولى للدولة والمجتمع والأفراد، وهو يعبّر عن تطور حركة الإفتاء بالسودان، وكان يتبع لرئاسة الجمهورية، وبعد الثورة بموجب المرسوم الدستوري رقم 9 لسنة 2019 الذي أصدره مجلس السيادة الانتقالي أصبح المجمع يتبع لمجلس الوزراء، والذي نقله لوزارة الشؤون الدينية والأوقاف.
ومجمع الفقه الإسلامي في دورته الجديدة وهي الدورة السادسة من عمر المجمع، يضم ثُلة من أهل العلم في مختلف ضروب المعرفة، ونخبة مختارة من علماء السودان سواء في الشريعة والفقه أو في العلوم التخصُّصِّية الحديثة مثل الإقتصاد والقانون والعلوم السياسية وعلم النفس، ومن مختلف المدارس الإسلامية حيث تجد فيه الأنصار والختمية والسلفيين والصوفية والأخوان المسلمون وغيرهم يعملون جنبا إلى جنب إحياءً لسنة الاجتهاد الجماعي وضروراته خاصة في هذا العصر، الذي تشعبت فيه العـلوم والمعارف، وتقديم المشورة الفقهية للدولة والمؤسسات، ويقوم مجمع الفقه الإسلامي كذلك بتقديم الإفتاء للدولة والمجتمع، فضلاً عن الدراسات والبحوث الفقهية حول مستجدات الأقضية في مجتمعنا المعاصر الذي يَعجُّ بالمستجدات وذلك وفق اجتهاد جماعي مستنير، يستوعب مقتضيات التجديد الرشيد على قاعدة التوسط والاعتدال لتسديد توجه الدولة والمجتمع، وتجد فتاواه وبحوثه تقديراً واسعاً من حيث إنها جاءت من منبع للحكم الشرعي ومنارة للرأي الفقهي والتأصيل الفكري والشرعي.
بدأت الدورة الجديدة للمجمع بلقاء جامع ترأسه رئيس المجمع د. عبد الرحيم آدم، حوى عددا من الكلمات، ولعل كلمة الأمين العام الجديد للمجمع د. عادل حسن حمزة قد وضعت النقاط على الحروف في السيرة المتوقعة للمجمع في دورته الجديدة، حيث بدأت بتثمين جهد الإخوة الذين سبقوه بالعمل في المجمع، مثل الأمين العام السابق الشيخ إبراهيم الضرير وغيره، واعتبرهم آباء وزملاء وأشياخ، ثم أعلن بقوله:” نحن جئنا لنبني لا لنهدم، وأن ما أسس على العلم والتقوى يشاد مناره بإذن الله، وأن ما وقع فيه الخطأ والوهم يصحح ويقوّم من باب النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم”.
ومما قاله د. عادل في كلمته أن هذه الدورة تختلف عن كل الدورات السابقات؛ إذ أنها تأتي في مرحلة حرجة من حياة أمتنا السودانية، وتأتي وقد أخذ المجمع صبغة أخرى غير التي كان عليها؛ داعيا الأعضاء لاستشعار المسئولية الكبرى الملقاة على عاتق الجميع؛ فالمجمع منوط به في هذه المرحلة توجيه حياة الأمة في معاملاتها وعباداتها نحو الربانية والحقانية.
ونقل الأمين العام للأعضاء ثقة السيد وزير الشؤون الدينية والأوقاف فيهم وفي علمهم، مشيرا إلى أن تنوع مشارب ومدارس أعضاء المجمع هو عنصر قوة له، وقال: بتساميكم عن الانتماءات الضيقة إلى رحابة الإسلام وسعة العلم والفقه ستسهمون مجتمعين إسهاماً فاعلاً في إحداث التغيير المنشود داخل المجمع والمجتمع. حتى يكون مجمع الفقه الإسلامي السوداني: مجمعاً للفقه بكل ما تحمله كلمة (الفقه) من تنوع وسعة و (الإسلام) من يسر ورحمة و(السودان) من وطنية وقومية.
وأكد د. عادل أن الفتوى في المجمع ترتكز على قاعدة عامة تُنبّأُ عنها جميع الأصول وهي: أنّه لا حُكْمَ إلاّ لله ورسوله ولا عبرة في الحكم إلاّ بقول الله وقول رسوله صلّى الله عليه وسلّم، وأنّ جميع المصادر الأصولية الأخرى مستندة لقول الله أو قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأن أقوال العلماء تُعرض عليها فما وافق أُخذ به وما خالف رد، وأستشهد بقول إمامنا مالك (رحمه الله) :”كل يُؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر”.
كما شدد د. عادل جميع الدوائر في المجمع ستسند إلى أهل الاختصاص مع مراعاة جانب الكفاءة الإدارية، وأن كل ما يصدر عن المجمع سيكون مؤسساً على أصول العلم لا محل فيه للتدخلات السياسية أو الانتماءات الحزبية أو الجهوية أو الدينية.
وفي خطوة تنظيمية مهمة أكد د. عادل أن التعامل مع الإعلام باسم المجمع سيكون حصراً على من أُسند إليه ذلك، وكذلك الفتوى الفردية من أعضاء المجمع يجب ألا تصدر ممهورةً بالعضوية؛ فالفتوى الصادرة عن المجمع فتوى جماعية إجماعية لا يسع العضو مخالفتها – في الفتوى العامة لا في نفسه-. وهذه الخطوة ستحسم أي تجاوز في التعامل مع وسائل الإعلام.
واعتبر د. عادل أن من الفأل الحسن أن يلتئم أول اجتماع للمجمع في دورته الجديدة في شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله تعالى، كما ترحم علي أرواح شهداء الثورة سائلا الله أن يتقبلهم ويعلي درجاتهم في منازل الصالحين، وأن يجمع شمل المفقودين بأهلهم وأسرهم.
يمكن القول إن الانطباع الأول عن هذه الدورة من عمر المجمع أنها ستكون دورة استثنائية في ظروف استثائية، سيسودها التوافق والانسجام، وروح الشباب، والعلمية الصارمة البعيدة عن التسييس وأي انتماءات أخرى، وهو ما يجعلنا ندعو لتطعيم عضوبة المجمع بتخصصات علمية مثل الطب والأحياء الدقيقة وعلوم النانو والجينات وغيرها لاستكمال حلقات الاجتهاد الجماعي الذي نذر المجمع نفسه له.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!