محجوب شريف شيوعى باخلاق الانبياء

11

تحليل سياسي- محمد لطيف:
انتظرنا نحو ست سنوات لندرك مدى معاناة محجوب شريف مع التليف الرئو ى .. محجوب شريف هو أشهر مريض بالتليف الرئوي .. لا فى السودان بل فى العالم قاطبة .. ولقد شرحنا قبلا ظروف إصابته بالداء اللعين .. ولكنا اليوم نلتقى محجوب فى ساحة أخرى .. فى حصة أخرى من حصص العطاء ونبذ الأنانية .. وإيثار الآخرين .. وحين نقول أن محجوبنا ( الشيوعى ) كان يعيش بأخلاق الأنبياء .. ما كنا نطلق القول جزافا ..!
ذات عشية مررت عليه بمنزله على عجل .. وجدته مهموما مغموما .. ومعه صديقنا القادم من لندن حينها .. ( م – د ) إن لم تخنى الذاكرة .. قال لى .. وبغير مقدمات على طريقته التى إعتدنا عليها .. فى سيدة عندها تليف فى الرئة وتعبانه وظروفا ما بتسمح ليها تجيب جهاز تنفس .. قلت له ومعى الزائر اللندنى .. خلاص خلى الموضوع دا علينا نحاول نحله .. قال لا .. وبحدة غير مألوفة فيه .. ثم أردف وقد اقسم ثلاثا .. بكرة الساعة أطناشر لقيتو ليها الجهاز لقيتوه ما لقيتوه أنا حارسل ليها بتاعى دا وأنا ذاتى بعد دا كفاي الهوا الشفطته من الدنيا .. وضحك .. ! 
دارت الدنيا من حولى حتى كدت اسقط أرضا .. فمحجوب إن قال حتى دون أن يقسم .. فهو فاعل لا محالة .. فما بالك إن اقسم .. ثم تحاورنا قليلا فى الخيارات المتاحة .. وكانت الإمدادات الطبية واحدة من تلك الخيارات .. قلت له وأنا أيمم شطر الباب .. أنا لا أعرف أحدا هناك لكنى ساحاول .. فكان رده .. إنت حاول بس والباقي بيبقي .. !
أشهدكم الآن ومحجوب بين يدى الله .. أننى بعد أقل من ساعة من مفارقتى لمحجوب وجدت نفسي أقف أمام المدير العام للإمدادات الطبية .. دون سابق موعد ودون سابق معرفة .. وكان طبيعيا أن أروي له ما جرى قبل أقل من ساعة .. كانت المفاجأة الأولي أن الدكتور جمال خلف الله مدير الإمدادات الطبية آنذاك .. والخبير حاليا بمنظمة الصحة العالمية .. قال لى الجهاز موجود وإكراما لمحجوب اعتبروه هدية للسيدة المسكينة دى . أما المفاجأة الثانية فقد أذهلتنى حقا حين قال جمال .. بكرة قبل الساعة اطناشر يكون عندها ..! إنه ذات السقف الزمنى الذى حدده محجوب شريف .. هل يمكن حشر كل هذه الوقائع فى خانة الصدفة ..؟؟ لا اظن ذلك ..!
هل تدرون لما تذكرت هذه الواقعة تحديدا .. ؟ هل لأن أبرز اعراض فايرس كورونا التليف الرئوي .. قد ذكرنى بمعاناة شاعر الشعب وحبيبه محجوب ..؟ كلا .. بل الأمر عندى أعمق من ذلك .. لعلك قارئي العزيز تتابع الآن الضجة الثائرة فى الغرب .. حول أولوية الحصول على أجهزة التنفس الصناعى .. أو بمعنى اكثر دقة أولوية الحصول على حق التنفس .. وكيف أن القرار هناك الآن .. أن الأولوية لصغار السن .. فهل سمعتم بواحد فقط .. من كبار السن أو من صغاره .. اعلن عن رغبته فى التنازل طواعية .. عن حصته فى الأوكسجين .. جراء النقص الحاد الذى تشهده المشافى هناك ..؟ لم ولن تسمعوا بالطبع .. ولكن .. ما بالكم سادتى والشريف محجوب وقبل اكثر من ست سنوات يقسم على التنازل .. طواعية .. عن حقه فى التنفس .. لسيدة لا تسمح لها ظروفها بالحصول على جهاز تنفس .. هل رأيتم مثل هذا النبل ..؟
أي درس كان سيعلمنا محجوب شريف إن كان بيننا والعالم يصارع التليف الرئوى .. الذى كان هو أشهر ضحاياه .. ألا رحمك الله يامحجوب .. ولك العتبي يا صديقى لأنى ساكتب كثيرا مما لم تكن تود أن يعرفه الناس ..!

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!