محطة القبولاب

3


أحمد مكاوي
في صباح يوم بارد تظهر الشمس سافرة فوق قامات النخيل من جهة الشرق وترتفع متثاقلة ناشرة شعاعها فوق الأرض معلنة ميلاد نهار جديد.. ورياح الشمال في ذلك الصباح الباكر تهب قوية وتمر بين فتحات شباك الغرفة الخشبي القديم وتحدث صفيرا متواصلا.
نهضت من فراشي بنشاط بائن ومزاج معتدل..
نظفت أسناني وتناولت كوبا من الشاي الساخن وقطع من البسكويت..
ارتديت ملابس إضافية من الصوف للوقاية من البرد الذي أتى قويا في هذا اليوم ..
خرجت إلى الشارع الخالي في هذا الوقت الباكر .
كان علي أن أذهب في هذا اليوم إلى الملتقى [ الصينية ] لأقابل زميل دراسة سابق لأمر مهم لا يقبل التأخير. ______
وكان قادما من الشمال نواحي دنقلا على متن حافلة كبيرة [ بص ] متوجها إلى أم درمان لأمر يخصه..
فقد يكون زمن اللقاء قصيرا..
حسب زمن توقف الحافلة في نقطة التفتيش عند الملتقى.. الشارع خال وهادئ لا وجود لكائن حي غير كلبين وحمار ضامر أعرج.. بعض أوراق شجر النيم المتساقطة المصفرة تحركها الرياح يمنة ويسرى فتحدث خشخشة..
اعتراني الهم بكيفية الوصول إلى مبتغاي في هذا الوقت الباكر لمقابلة هذا الشخص في الزمن المحدد ولا سيارة عابرة في هذا الشارع..
قررت السير على أرجلي وعدم التوقف لأن الوقت ليس في صالحي.. وصلت مشارف ترعة المشروع الزراعي وعبرت الكبري حتي طرف البيوت اعلي الحي.. ولا أمل في سيارة قادمة..
حزمت أمري وواصلت سيري على الأقدام لأصل إلى مقصدي في الوقت المحدد..
حمدا لله مازلت قويا أمشي على أرجلي لمسافات أطول وأحب ذلك.
اختصارا للوقت اخترت الشارع الرئيس خطا لسيري لخلوه من الحفر والمطبات..
سرت قرابة نصف الساعة على الشارع وسط القرية وقررت الانحراف في اتجاه الجنوب الغربي لاختصر الطريق لأجد نفسي في حي (آل قبولي).
أعرفة جيدا لكثرة مروري عند طرف هذا الحي قديما ونحن في طريقنا إلى المحطة العتيقة نستقبل قريباً عائداً أو نودع آخر مسافرا…
أمر بين أزقته المتعرجة الضيقة التي تعلو وتهبط بي..
بدأت الحركة تدب داخل بيوت الحي..
رائحة الشاي والقهوة تأتي من داخلها قوية ..
صبيان يخرجان من أحد المتاجر الصغيرة وهما يحملان لفافات من السكر والشاي وأغراض أخرى. يتبعهما كلب أبيض..
يخرج شيخ من منزله يغطي بدنه ببطانية سوداء ويقف أمام باب دارة الحديدي الكبير ..
أمر بجانبه وأسلم.. يرد السلام ويقدم لي الدعوة بكرم ويلح على للدخول إلى المنزل لتناول الشاي..
يكرر الطلب..
واعتزر له بلطف لأن الوقت بدأ يداهمني وأتابع سيري..
وبدون سابق تخطيط أجد نفسي داخل محطة القبولاب التاريخية ..
نعم هي..
أعرفها جيدا..
مازالت آثار زيوت السيارات على الأرض واضحة برائحتها النفاذة.. أطلال المقاهي والمتاجر ظاهرة.. رياح الشمال تهب بقوة باردة وتثير الغبار في وجهي .
اتوقف وسطها.. وأحتمي بحائط أحد القهاوي المهدمة الآيلة للسقوط.. تتزاحم الخواطر والذكريات في ذهني وأنسى نفسي وأفقد الإحساس بالزمن.. وتمر صورة قديمة لهذا المكان..تعود الذاكرة للزمن البعيد وبالتحديد منتصف العقد السابع من القرن الماضي..
وتنفصل ذاكرتي من جسدي الذي يبقى مكوماً في المكان نفسه..
الآن أرى الأشياء بوضوح وأرسم للمكان أبعاده القديمة كانت المحطة تضم عدداً من المقاهي والمطاعم والمتاجر وبعض الأماكن المخصصة للفريشة وبائعات الكسرة مبنية من الطين في شكل مستطيل..
لها ثلاثة مداخل ومخارج للسيارات القادمة من جهة السافل ومن الصعيد من جهة [ ام درمان ] التي تأتي من الشرق من نواحي كريمة..
المكان ضاج بالحركة بمختلف الأشكال والسحنات والأعمار .. رجال ونساء وأطفال..
بعضهم مسافر وآخر مودع وثالث مقيم أو عامل بالمحطة..
عدد من الشاحنات المتوقفة استعدادا للسفر إلى العاصمة..
أو القادمة من هناك..
أغلبها من ماركة البدفورد وأنواع أخرى منها الفورد والاوستن والتيمس والفارقو..


سيارة تدخل المحطة الآن قادمة من أم درمان..
ركابها يلفهم الغبار حتى لاتكاد تبين وجوههم..
ملابسهم مصبوغة بلون الأرض ووجوههم مغبرة
السيارة كذلك ملطخة بالزيوت والغبار عالق على جنباتها ..
محملة بأكياس السكر والدقيق وصناديق الشاي وصفائح الزيت وكراتين البسكويت والصابون..
ينزل الركاب من على ظهرها رجال ونساء وأطفال ويهرعون إلى داخل أحد المقاهي يتناولون كميات من الماء ..
يبدو أنهم عطشى..
وبعد تناول الماء جلسوا على سرائر قصيرة مصنوعة من حطب السنط حبالها مهترئة تتدلى وتلامس الأرض وبعضهم استلقى فوق برش قديم من سعف الدوم وتناولوا الشاي الساخن..
تدخل شاحنة أخرى إلى المحطة قادمة من نواحي دنقلا من الجهة الغربية يبدو أن سائقها في مزاج عال فهو يرسل لحناً شجياً بواسطة بوق سيارته الثلاثي النغمات..
ينفعل بعض المسافرين مع هذا اللحن..
الشاحنة حمولتها عالية..
تفوح منها رائحة الثوم والشمار..
وتحمل بعض أكياس الفول المصري ..
الشمس تعلو قليلا والحرارة ترتفع..
بعض الخاغنام ترتع داخل المحطة وتاكل كل شي حتى عظام بني جلدتها..
كل مافي المحطة متجانس ومتانس
كلاب وقطط وحمير..
سيارتان تدخلان إلى المحطة من جهة الشرق بالتتابع وتتوقف واحدة تحمل أكياس البلح وخلف الشاحنة كمية من الجلود المربوطة..
أما الأخرى فهي تحمل البرتقال والقريب فروت وتغطي بجريد النخيل الأخضر .
المساعدون الأكبر سنا منهم يجهزون الشاحنات استعداداً للسفر القاسي عبر أكثر صحارى العالم جفافا ..
يغيرون زيوتها ويزودونها بالجازولين والماء ويتفقدون إطاراتها.. والأصغر سنا منهم فهم يجهزون الزاد يشعلون النار ويطبخون.. رائحة الطعام تعبق بها المحطة..
بعض الناس يبيعون البرتقال والتمر..
ونسوة يبعن الأكل [القراصة والكسرة والشاي والبيض البلدي]
المحطة عبارة عن سوق مكتمل الأركان .
كل شي يباع هنا…
شاحنة تستعد للمغادرة إلى أم درمان..
مجموعة من النسوة تغالبهن الدموع وهن يودعن شخصا عزيزا..
تنطلق الشاحنة وترتفع الأيادي ملوحة تأكيدا للوداع الحزين حتى تختفي السيارة بعيدا..
أحد المساعدين يجهز علبة «كوز» ويلفها بشريط ليربطها في مقدمة المكينة لزوم تحسين صوتها وترقيقة..
سيارة أخرى انتظم المسافرون على ظهرها تغادر المحطة جهة أم درمان..
لم تبعد من المحطة كثيرا ثم توقفت..
نزل المساعد وتفقد الشاحنة..
جلس في ظل شجرة قريبة ويبدو أنه محبط يسب ويلعن قائلا إن كرونة العربة قد تهشمت .
السائق هادئ والمساعد يرفض العمل معه ويصفه بقلة الخبرة.. يتدخل المسافرون ويحثونة على الاستمرار في العمل ..
وبعد إلحاح منهم يعود إلى العمل تحت حر النهار..
الشمس ترسل أشعتها الحارقة على أرض المحطة وتنبعث رائحة الشحوم والزيوت قوية نفاذة..
كل شيء يتحول إلى جحيم لا يطاق.. حديد السيارة والحجارة وارض المحطة وحتى ظلال الأشجار لاتظلل أحدا ..
وتبلغ الروح الحلقوم.. الشاحنات ماتزال في حركتها تاتي وتغادر المحطة..
شريط من المشاهد يمر أمامي.. الشاحنات المتوقفة أكاد اتبينها إلى أين تتجه حسب نوعية البضائع التي تحملها….
أغفو قليلا أسمع جلبة عالية من خلفي..
ألتفت إلى الوراء أجد نفسي بين أنقاض محطة القبولاب القديمة مرتكزا على حائط آيل للسقوط.. والمكان خال من كل شيء إلا من بعض صبية يمرحون ويحدثون هذه الضجة العالية وهم يسوقون أغناماً لهم لترعي..
عادت خواطري وذكرياتي إلى جسدي المكوم فوق الأرض وذرات الرمل تضرب وجهي وأشعة الشمس تحرق جسدي ..
وأعود إلى الواقع الآن بعد أن سافرت عبر الزمن إلى أول منتصف سبعينيات القرن الماضي..
نفضت الغبار من على ثيابي
ونهضت..
تذكرت الموعد الذي أتيت من أجله..
وقلبل أن أتحرك نظرت إلى عقارب الساعة..
ولكن كان الأوان قد فات..

فائدة:
جاء اسم المحطة [ محطة القبولاب ]
منسوبا إلى الحاج (محمد علي قبولي)
وأبنائه علي وعباس وحمد….
وهم من (سوراب) قنتي….
وأول من اجتازوا جزءا من الصحراء الكبرى على ظهور الجمال وعملوا في تجارتها وخبراء لبعض التجار الذي كانوا يجلبون السلع من أم درمان مثل [ الشاي والتمباك ]
في النصف الأول من ثلاثينيات القرن الماضي..
رحم الله الحاج محمد قبولي وأبناءه وجعل البركة في ذريتهم..

يناير ٢٠١٩ م

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!