مداخلة لدكتور عطا البطحاني

2

 

وردتني هذه المداخلة من الصديق، د عطا البطحاني، له مني جزيل الشكر والتقدير.

الأخ الدكتور النور حمد،

تحياتي وشكرا على ما جاء في عمود يوم 23 أبريل 2020 الذي أوردت فيه نقاطاً عديدة مثيرة للنقاش وتبادل الرأي. وأرجو أن تسمح لي بمداخلة مختصرة: أثير فيها نقطتين – مع أن العمود دسم يغرى بالحديث المطول.
النقطة الأولى واتفق معك فيها هي وكما ذكرت، أن قوى الثورة حتى الآن لم تنجح في تعديل موازين القوة، وذلك لعدم وجود “وحدةٌ صلدةٌ بين قوى الثورة، تمكِّنها من انجاز نصرٍ حاسم، به يذهب الجيش إلى ثكناته”. “كما لا توجد قيادةٌ كارزميةٌ مجمعٌ عليها تمنح الثورة، السلطة الفكرية والأخلاقية”. والأثر السلبي لهذين العاملين تعكسه قراءة ثيرموميتر علاقات القوة بين المكون العسكري والمكون المدني. وهو ما يظهر في أداء كل مكون وحصده للنقاط لتعديل ميزان القوة. فميزان أو موازين القوة لا تكون في حالة ثبات جامدة بمعنى أن تتعادل %50 الى %50، بل الطرف القوى تصل درجاته في الغالب الى %52 مقابل %48 للطرف الآخر، في وقتٍ محدد، ولان الحياة لا تتوقف وطبيعة الصراع السياسي الحيوية والديناميكية، قد يعمل الطرف الثاني (مستفيدًا وموظفًا لقواعد اللعبة وما يطرأ من أحداث) من رفع رصيده، مثلا، الى %60 وفى المقابل يتدحرج نصيب الاول الى %40، وهكذا دائما في حالة حراك ديناميكي لا يتوقف. وخير مثال ما أوردته أنت في أن فض الاعتصام زاد معدل المكون العسكري عندما أعلن فض الشراكة، لكن جاء 30 يونيو ليعيد الكفة الى حد كبير الى المكون المدني.

أرجع للقول بأنه حتى في غياب الوحدة الصلدة والقيادة الكاريزمية، كان يمكن للمكون المدني التحرك التدرجي والتدريجي والتراكمي (وأضيف الكمي) المتواصل، لتعديل ميزان القوة “لو”، وستقول لي: “آه من لو”، كان هناك اِستراتيجية حد أدنى بين أطراف المكون المدني، مثلا كان على لجنة التفكيك أن تبدأ عملها مباشرة، بعد التوقيع على الوثيقة الدستورية، ولا تنتظر عدة شهور للتفكيك. من المؤكد أن عملاً كهذا كان سيرفع معدلها في ميزان القوة وهكذا. الحديث يطول هنا، ولا أريد أن استرسل في هذا الجانب.

النقطة الثانية تتعلق بالهبوط الناعم والهبوط الخشن. باختصار ما أود الإشارة اليه هنا هو أن الأثر التراكمي الكليبتوقراسي والكارثي للإنقاذ يجعل من الهبوط الناعم عملية صعبة، إِن لم تكن مستحيلة. وذلك لغياب شروط بنيوية للهبوط الناعم. فالتجارب المقارنة للدول التي انجزت هبوطا ناعماً تشير الى النخب التي حكمت في عهود الاقصاء والقهر تماماً كالإنقاذ، أنجزت عمراناً تنموياً نقل بنية مجتمعاتها للأمام، وهيأ لها – أي لهذه النخب – مواقع نفوذ وامتيازات خارج جهاز الدولة، مكنها لاحقا من قبول التسوية والمقايضة بالتنازل عن السلطة السياسية مقابل إدارتها للاقتصاد – كما في جنوب افريقيا كمثال بارزً. بالنسبة لنا السؤال والحسرة المميتة: ما هي إنجازات نخب الانقاذ (بما فيها المكون العسكري – الأمني)، طيلة الثلاثين عاماً؟ أين هي مواقع النفوذ والامتيازات التي تم بناؤها بعيد عن الدولة حتى يمكن للمكون العسكري – الأمني الانسحاب لها، دون أن يخسروا كل شيء؟ لا توجد. ألا تلاحظ أن هذا واحد من أسباب التراجع والتردد وفتح خطوط اِتصال مع، “… نصراؤهم وسط المدنيين”.مع كل ذلك، وكما أبدعت قوى الثورة الشبابية “سلمية الثورة”، الأمل كبير أن تبدع وتجد قوى الثورة من التكتيكات والأنشطة ما تعدل به ميزان القوة، مثلما نجحت في ذلك في وقت كان نظام الإسلاميين يحتكر كل شيء.
مع التقدير.

صحيفة التيار 29 أبريل

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!