مرافِيد الحزب الشيوعي.. حكاية الرجل الذي لم يظهر في Google

0

*تنويه: المقال طويل لذا اطلب قهوتك☕️

محمد المبروك
(1)
مرّ في حلقة سابقة من هذه السلسلة ذِكر علاقة “مرافيت” الحزب الشيوعي بمنظمات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان، تلك التي انتشرت، كنارٍ في هشيم، بدءاً من مطلع التسعينيات وأصبحت مشغل رئيسي للمناضلين والمناضلات. وكي نضع القارئ الكريم في الصورة سنقوم بزيارة إلى مدينة القاهرة في بداية التسعينيات حيث كانت تحتشد بالمعارضين لنظام الإنقاذ من قيادات التجمع الوطني الديمقراطي الذين كانوا يتوعدون “الإنقاذ” بهلاكٍ قريبٍ، و”هم على الأرائك متكئين” والوصف البليغ يعود للدكتور منصور خالد. هناك في القاهرة بدأ الحزب الشيوعي رحلة ابتلاع المنظمات فتكاثرت، مع مرور السنين، وخرجت عن السيطرة حتى عادت اليوم لتهدد مستقبله وتبتلعه كما ابتلع الحوت يونساً.

نحن الآن بالقاهرة في العام 1991م، وسنجد أنّ الحزب الشيوعي السوداني قد وجه عضويته المهاجرة بالسيطرة على المنظمات الجديدة، ووجه مكتب العمل الخارجي بتنفيذ الأمر فوراً. وكان على رأسه المرحوم التجاني الطيب، وكان ينوبُ عنه الدكتور الشفيع خضر، ونحن نظنُ أنّ الشفيع خضر أمسك بخيوط المنظمات وتمويلها منذ تلك اللحظة حتى واتته الفرصة الآن ليخنق بذات الخيوط الحزب الذي أبعده ولم يقدر سنوات النضال، التي سلخها منذ أن كان طالباً في عرصاته وزقاقاته، حق قدرها ومقدارها.
سنقف عند باب المنظمة السودانية لحقوق الإنسان التي ترك الحزب رئاستها للمرحوم أمين مكي مدني، وبعد أن تحول مدني للعمل في الأمم المتحدة خلفه محجوب التجاني القائم بأمرها حتى زمان الناس هذا “مقيمُ ما أقام عسيب” ، أطال الله عمره وحفظه من عيون الحاسديه. ورابط في المنظمة أميناً عاماً منتدباً من الحزب المرحوم حمودة فتح الرحمن عضو المكتب الخارجي للحزب. وكانت هناك منظمة شبيهة يسيطر عليها الحزب، أيضاً، هي منظمة ضحايا التعذيب، ولها فرع رئيسي في القاهرة رغم أنّ المنظمة مسجلة في لندن. لا يسمح القانون المصري بتسجيل مثل هذه المنظمات. قام على أمر رئاسة هذه المنظمة المرحوم عثمان حميدة، وهي المنظمة التي كانت ذات صلة بالداخل السوداني عبر مركز الأمل لحقوق الإنسان أو شيئاً من هذا القبيل كان يديره الدكتور نجيب. تجدُر الإشارة إلى أنّ ملف المنظمات كان سبباً في خروج عدد من الكوادر من الحزب الشيوعي وأولهم الدكتور صلاح البندر الذي تزامن خروجه يومئذٍ مع مقال حاد اللهجة نشره في صحيفة “الخرطوم” القاهريّة هاجم فيه المرحوم التجاني الطيب وأنتقد طريقة إدارة الحزب لملف المنظمات. لم يكن صلاح البندر، يومئذٍ، عضواً في اللجنة المركزية، كما يظن الكثيرون، بل كان كادراً وسيطاً حين خرج على الحزب مغاضباً. نحن بدورنا سنخرجٌ من هذا “الحسكنيت” سريعاً كونه لا يهمنا إلا بالقدر الذي يمكننا من وضع القارئ أمام اللحظات التأسيسية التي شكلت علاقة الدكتور الشفيع خضر اللاحقة بقيادات اللجنة المركزية للحزب وبمنظمات المجتمع المدني.

(2)
نعود من قاهرة التسعينيات إلى خرطوم ديسمبر المجيدة. الخرطوم المشوشة التي لا تعرف بالضبط من يقود دفة حكومة ثورتها الظافرة. في سبيل جلاء الشك والريبِ نفحص الإفادات الأخيرة للرجل الذي لا تنفك الاتهامات تنهالُ عليه بأنه عراب اللحظة السياسية الراهنة.
“القناعة عند الكثيرين بأني الممسك بمفاصل الأمور وخيوط اللعبة -وأنت منهم- لن تتغير وأنا لا أستطيع إجراء عملية جراحية لهم ونزع هذه الفكرة من عقولهم.” بهذا ردّ الدكتور الشفيع خضر على محاوره أشرف عبد العزيز رئيس تحرير “الجريدة” الغراء. من الجلي أن الشفيع خضر قد ضاق ذرعاً بالحملة الإعلامية المركزة التي لاحقته منذ أيام تشكيل حكومة الدكتور حمدوك. وقد بدأت الحملة بالحديث عن علاقة زمالة تربطه برئيس الوزراء الجديد، ثم تمددت الشائعات وانتشرت وأصبحت حديث مجالس الخرطوم واختلط فيها الواقع بالخيال. في البداية لم ينفي الشفيع هذه الأقاويل ربما لأنها تفيده أكثر مما تضره، ولكن الحملة بدأت تأخذ شكلاً منظماً وممنهجا فيما بعد للدرجة التي وٌصِف الرجل بأنه الآمر الناهي وأنه “عراب” الحكومة الانتقالية. ولأن تجربة “العراب” في التاريخ السياسي السوداني غير مبشرة إذ تستدعي تجربة الدكتور الترابي مع الإنقاذ في بداية التسعينات. يومئذٍ تم رمي الرجل بكل الشائنات وتلقى اللوم والنقد الكافي لفشل الإنقاذ في بداياتها. ثم تم رميه في سجن كوبر في نهاية المطاف.

جهة ما حاولت إدخال الشفيع خضر في هذا الشرك لذلك سارع الرجل لتفادي الشرك، وبدأ ينفي علاقته بحكومة حمدوك علناً. بل ربما كان الفيديو المسرب الشهير الذي تحدث فيه الشفيع خضر عن عِلم حمدوك بلقاء الجنرال البرهان مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في عنتيبي، قد قصد به الشفيع أن يوضح أنّ علاقته الرسمية بحمدوك ليست على وفاقٍ تام، على عكس ما هو منتشر في اللقاءات العامة وفي الوسائط و”الفايسبوك” على وجه التحديد.
ثم تحدث الشفيع خضر للإعلام وحاول شرح وتفسير الاتهامات الموجهة لشخصه، وشرح سبب اعتقاد الناس بأنه عراب الحكومة بأنه يعودُ للأيام الأولى لعودة حمدوك للسودان حين كان الرجلان (الشفيع وحمدوك) يتحركان معاً طوال اليوم. وكان الشفيع ومعه حاتم قطان قد رتبا الأمور الخاصة بإقامة حمدوك من سكن وسيارات للحركة وغيره. يشرح الشفيع نفسه ترتيبات عودة حمدوك على النحو التالي: “قمنا بالترتيبات مثلاً أين يقيم ؟ كيف يتحرك ؟ وفي البداية كان الرأي أن يؤجر له في فندق، ونحن قمنا بهذا الدور والإشراف على الترتيبات الخاصة بإقامته، فهو مستقل وليس عضوا بحزب، وفي تقديري هذا خطاً فمنذ اليوم الأول (Day one) كان من المفترض أن تتولى قوى التغيير هذه المهمة، وأفتكر هذه واحدة من أخطاء قوى الحرية والتغيير. هذا الواقع جعل كثير من الذين يلتقون مع حمدوك في الأيام الأولى يعتقدون هذا الاعتقاد_يعني اعتقاد انّ الشفيع هو الآمر والناهي، وأصبح من الصعب جداً إقناعهم بغير ذلك، وأنا لا أعرف حتى كثير من وزراء هذه الحكومة وهم أيضاً لا يعرفوني.”-الشفيع خضر حوار مع أشرف عبد العزيز.
هكذا تشكلت في الذهن العام صورة من ثلاثة أشخاص في إطار واحد يتحركون معاً طيلة الأيام الأولى تلك وهم عبد الله حمدوك، الشفيع خضر، وحاتم قطان الذي كان بدوره مسئولاً عن هذه الترتيبات المشار إليها ومن ثم أنتقل لمجلس الوزراء ضمن مكتب دكتور حمدوك. هل خلقت الصدفة وحدها هذه الصورة التي تشغل المشهد السياسي أم أنّ الأمر مرتب أصلاً؟ ربما نعم، وربما لا. وحدها الأيام كفيلةً بكشف الحقيقة.
ثم كان أنْ توسعت الدائرة حول حمدوك ولم تظل ثلاثية كما كانت في البداية. بدأت تظهر عناصر جديدة تتحرك داخل الدائرة. بل في لحظة لاحقة تجاهل الإعلام الشفيع خضر نفسه وتحول تركيزه إلى شخصية أخرى وهو الشيخ خضر. ويا للصدفة الماكرة حين نعلم أن الشيخ خضر أيضا من “مرافيت” الحزب الشيوعي. وما نعرفه عن هذا القادم الجديد، الشيخ الخضر أنه قادم من سقادي ريفي شندي، موظف سابق بالمالية. من كوادر الحزب الشيوعي السابقين.
[الشيخ خضر ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك زملاء دراسة وعمل سياسي -أعضاء سابقين في الحزب الشيوعي- وبينهما مواقف مشتركة سياسياً، والشيخ خضر شخصية تنفيذية لها مقدرات عالية، ورأسمالي، وحمدوك بالإضافة إلى طاقم مكتبه يريد شخصاً بقدرات تنفيذية ليكون مدير مكتبه، والجهات الاستشارية التي يتعامل معها حمدوك في إطار تنظيم عمله أشارت إليه بضرورة أن تكون هناك شخصية تقوم بالدور التنفيذي، وهو اختار الشيخ خضر لأن كيمياءه تتناسب معه.] الشفيع خضر، المصدر نفسه.

(3)
توارى الشفيع خضر قليلاً عن المسرح ليتقدم الشيخ خضر والذي لم يسلم من الهجوم من المدونين والكتاب شأنه شأن الشفيع قبله. بل أنّ الصحفي عبد المنعم سليمان وهو من أبرز المدافعين عن حكومة الدكتور حمدوك والمبشرين بإنجازاتها كتب أنّ الشيخ خضر يعتبر أحد معوقات السلطة الانتقالية:”الشيخ خضر، وهذا الشخص من فرط عدم حيويته ومشاركته في الحياة السياسية والاجتماعية وغيرها عجز “قوقل” عن إيراد صورة له فهو شخص بلا أدنى كفاءة، سوى مزاملته لرئيس الوزراء في الجامعة. ولم يعرف له أي كسب سياسي أو اقتصادي بعدها .. لا قبل هذه الثورة المباركة أو بعدها .. وتفاجئنا -مثلكم- بأنه كبير المستشارين .. وهو وحده” بالطبع، غني عن القول أنّ كثير من الناجحين في الحياة العامة في العالم وفي السودان لا توجد لهم صور في محرك البحث الكبير”قوقل” ولكن أنصار حمدوك المتعصبين لديهم هذه الصفة وهي البحث عن شماعة لتحميلها أي فشل تقع فيه حكومة محبوبهم الملهم. والحال كذلك، عليك عزيزي القارئ الإسراع بوضع صورتك في “قوقل”، فليالي السودان حبلى بكل عجيب ولا تستبعد أن تجد نفسك وزيراً أو نافذاً فجأةً، ولا يجوز أن تصبح شخصاً نافذاً وليس لديك صورة في “قوقل”.
نخلص أن الدكتور الشفيع خضر الذي وجد نفسه أمام سيل من الاتهامات لاحقته ولاحقت عدداً آخر من مرافيت الحزب الشيوعي محسوبين عليه فأضطر إلى إجراء عملية انسحاب تكتيكي بتسريب الفيديو الشهير ثم بتفسير علاقته بحمدوك وحصرها في بعدها الاجتماعي فقط، وأخيرا نفي الشفيع خضر نفياً قاطعاً نيته تأسيس حزب سياسي جديد.
– تراجع تكتيكي .. لا بد.
طالع غداً:
كيف اخترق (مرافيت الشيوعي) جدار الحرية والتغيير وتحكروا في مكتب حمدوك؟!
#أبناء الفراغ

التعليقات مغلقة.