مطالبات بالعدالة في ذكرى فضّ اعتصام القيادة.. وحمدوك يتعهد بـ«القصاص لأرواح الشهداء»

3

الخرطوم ـ القدس العربي- عمار عوض:

جدد سودانيون في ذكرى فضّ اعتصام القيادة العامة، التي حلت أمس الأربعاء، مطالبتهم بالقصاص من المرتكبين، وفيما أكد رئيس الوزراء عبد الله حمدوك على مواصلة السير في تحقيق أهداف الثورة وترسيخ الديمقراطية وفاء للشهداء، أصدر عدد من المنظمات بيانات منددة بـ«المجزرة»، ومطالبة بكشف الحقيقة.
وفي 3 يونيو/حزيران 2019، فض مسلحون يرتدون زيا عسكريا اعتصاما للمطالبة بتسليم السلطة للمدنيين أمام مقر القيادة العامة للجيش في الخرطوم، بعد الإطاحة بالرئيس عمر البشير في أبريل/ نيسان من العام ذاته.
وأسفرت عملية الفض عن مقتل 66 شخصا، حسب وزارة الصحة، فيما قدرت «قوى إعلان الحرية والتغيير» التي قادت الحراك الشعبي آنذاك، عدد الضحايا بـ128 قتيلا.
وحمّلت قوى التغيير المجلس العسكري الذي كان يتولى السلطة حينها، مسؤولية فض الاعتصام، فيما قال المجلس إنه لم يصدر أمرا بالفض.
وفي سبتمبر/ أيلول 2019، أصدر حمدوك قرارا بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة في أحداث فض الاعتصام.
واصطف آلاف من السودانيين على جوانب طرقات الخرطوم وأغلقوا بعضها بالمتاريس مشعلين الإطارات إحياء للذكرى ، مطالبين بالقصاص من الفاعلين، ومعبرين عن استيائهم من تأخر الكشف عن نتائج التحقيق

«لن ننسى»

وفي أم درمان، قال أيمن عبدالله، وهو أحد المتظاهرين من الشباب لـ«القدس العربي» :«نحن لن ننسى مجزرة القيادة العامة ولن ننسى الشهداء وسنظل نحيي ذكراهم إلى يوم الدين».
وأضاف: «من قتلوا الشهداء معروفون وهم في أعلى هرم القيادة في هذا البلد، والأمر لا يحتاج لتحقيق يأخذ كل هذا الوقت لكشفهم وإن تأخرت النتائج أكثر من ذلك سنطيح بهم جميعا من الحكم ونحاكمهم جميعا ونحن قادرون على ذلك».
حمدوك وجه في المناسبة خطابا للشعب السوداني قال فيه : «ملحمة الفداء العظيمة في فجر الثالث من يونيو، ستظل ذكراها خالدة في كتاب التاريخ، فاصلا بين الجسارة والجبن، والوفاء لمستقبل كريم في مواجهة طعنة الغدر اللئيم».
وتابع: «إنني أؤكد لكم جميعاً، أن تحقيق العدالة الشاملة والقصاص لأرواح شهدائنا الأبطال في مجزرة فض الاعتصام، وفي جريمة الثامن والعاشر من رمضان التي سبقتها وللجرحى والمفقودين، هو خطوة لا مناص ولا تراجع عنها، وإنها ضرورية للغاية من أجل بناء سودان العدالة وسيادة حكم القانون الذي ننشد، ومن أجل كسر الحلقة الشريرة للعنف السياسي واستخدام السلاح ضد المواطنين».
وأضاف: «لا بد من الكشف عن المجرمين الحقيقيين وراء جريمة فض الاعتصام ومحاسبتهم. إننا في انتظار اكتمال أعمال لجنة التحقيق المستقلة والتي سيتبعها تقديم كل من يثبت توجيه الاتهام ضده بالمشاركة في مجزرة فض الاعتصام لمحاكمات عادلة وعلنية، وذلك من أجل إيقاف هذا النزيف وضمان تحقيق العدالة في معناها الشامل وصناعة السلام الاجتماعي المستدام في السودان».
وبين أن: «معركة ترسيخ الديمقراطية في السودان، والدفع بقاطرة التنمية من أجل بناء وطن يليق بشعبنا العظيم هي الوفاء الحقيقي لدماء الشهداء».

الدقير يؤكد أن محاسبة المتورطين مطلب وطني… ولجنة التحقيق تعد بنشر تقريرها قريبا

عمر الدقير، رئيس حزب المؤتمر السوداني أكد أن «الكشف عن المتورطين في مجزرة فض الاعتصام ومحاسبتهم مطلب وطني، وأن التقدير والتكريم والتضامن المادي والمعنوي مع أسر الشهداء واجب وطني».
وبين أن «الوفاء للشهداء ولدمائهم يتطلب من الجميع مراجعة المسار لتصحيح واستعادة وهج الثورة وقوتها وتوجيه البوصلة نحو تحقيق الأهداف التي مهرها الشهداء بدمائهم.»
كذلك علق القيادي في الحزب الشيوعي صديق فاروق التوم، على الذكرى، قائلاً: «ما حدث من جرائم ضد الإنسانية وتواضعنا على تسميتها بفض الاعتصام، لم يكن الهدف منها تفريق المعتصمين من محيط القيادة العامة للجيش، فتفريقهم لا يستوجب كل هذا العنف، ولكن كان مشروع انقلاب متكامل هدفه قطع الطريق على عملية التغيير في السودان».
وتابع «لكن الذي سحل في ذلك اليوم هي قواتنا النظامية بكل مكوناتها، والذي أغتصب شرفه هي قوات شعبنا المسلحة، بفشلها في حماية المدنيين العزل أمام بواباتها، فهي لم تفشل فقط، بل شاركت بإغلاق الأبواب أمام الفارين من بطش الجنود القتلة».
وأوضح لـ«القدس العربي»، «من قطع الإنترنت ومسح الجداريات التي خُلدت في دواخل شعبنا، ومن كان يصدر الأوامر كلما احتشد شعبنا، ويغلق الشوارع خشية أن يأتي أصحاب المسيرة للقيادة، مطالبين بقادة جدد هو من فض الاعتصام».

التحقيق

أمهلت منظمة أسر «شهداء ثورة ديسمبر» في بيان، لجنة التحقيق أسبوعا للكشف عن النتائج، مؤكدة على «جاهزيتنا لكافة أشكال التصعيد الثوري والقانوني ما لم تنفذ كافة مطالبنا لتحقيق العدالة».
وتابعت: «لا نخفي أن ثقتنا التامة في تحقيق مطالبكم ومطالبنا بالقصاص لدماء الشهداء لن تأتي إلا عبر الجماهير ولجان المقاومة وسيادة القانون والقضاء المستقل». وقالت سعدية سيف الدين، الناطقة باسم الجمعية: «بعد عام، ما زالت العدالة متأخّرة ومعلّقة. لا نريد أن يضيع دم شهدائنا عبثا. نريد العدالة لهم لتكون ركيزة بلادنا الجديدة، حيث لا ينبغي أن تحدث مثل هذه الانتهاكات مرة أخرى».
كذلك قالت «هيومن رايتس ووتش» : إن «الحكومة الانتقالية السودانية لم تُحقّق العدالة بعد للضحايا والأسر، بعد عام من مقتل أكثر من 120 شخصا وإصابة المئات وإساءة معاملتهم في هجوم عنيف على المتظاهرين في الخرطوم».
وأوضح بيان «ستقدم لجنة التحقيق الحكومية نتائجها إلى النائب العام في الأسابيع المقبلة. على السلطات أن تضمن نشر النتائج وتزويد النيابة العامة بالموارد اللازمة لمتابعتها، بما فيه توجيه الاتهامات إلى المسؤولين في أعلى المستويات».
وعلقت جيهان هنري، مديرة قسم شرق أفريقيا في «هيومن رايتس ووتش»: «بعد مضي عام، تلقى ضحايا الحملة الدموية الكثير من الوعود لكنهم لم يروا بعد أي شكل للمساءلة. ينبغي نشر التقرير النهائي للجنة التحقيق علنا لضمان الشفافية الكاملة. يتعيّن على مكتب النائب العام ملاحقة المسؤولين، حتى لو كانوا أعضاء في المجلس السيادي الحاكم».
وحسب رئيس لجنة التحقيق، نبيل أديب، فقد أنجز الكثير من التحقيقات والمتبقي قليل رغم الإغلاق التام بسبب كورونا.
وقال: «من الصعب تحديد نسبة الإنجاز بدقة، لكن أغلب العمل أُنجز وما تبقى أقل، وبالنسبة إلى إعلان نتيجة التحقيق فكان من المفترض أن ينتهي عمل اللجنة في 22 يونيو/ حزيران الحاليّ، لكن ما حدث من وضع صحيّ بسبب كورونا أضاع وقتاً طويلاً، وهذا أمر ليس بأيدينا».
وزاد: «ليست لدينا مصلحة في إضاعة الوقت، بل نحن حريصون على إكمال العمل في الوقت اللازم، وبعد ذلك، الأمر متروك للمحكمة لتحدّد موعد المحاكمات حسب ما تراه مناسباً».
لكن عضو تحالف المحامين الديمقراطيين، سمير شيخ إدريس، قال لـ «القدس العربي»: «اللجنة توفر لها الزمن والمعينات التي تساعدها كي تكمل مهمة التحقيق على أكمل وجه، وتصدر تقريرها النهائي، وحسب تصريحات رئيس اللجنة فقد استمع إلى 3000 شاهد، وشاهد حوالى 1000 فيديو وقام باستجواب مسؤولين كبار في الدولة».
وأضاف «كل المعينات الكافية إلى إصدار تقرير نهائي قد اكتملت، وما عليها سوى نشر التقرير وتقديمه للجهات المعنية وتقديم المتورطين للعدالة وتمليك النتيجة للشعب السوداني».
وأوضح «حسب أديب هو لا يحتاج إلى تمديد وسيحتاج إلى أسبوعين لكتابة التقرير، إذا الظروف مشت بخير ورفع الحظر. والأخير ليس سببا للتعذر لأن قطاعات حكومية كبيرة تعمل بكفاءة مثل النيابة العامة ووزارة العدل وغيرهما. ليس هناك سبب يعيق إصدار التقرير في موعده المحدد هذا الشهر».
إلى ذلك، قال مصدر قانوني يتعاون مع النيابة العامة في تحقيقاتها لـ«القدس العربي»، بعدما فضل حجب هويته «الإسراع والضغط على لجنة التحقيق لإصدار تقريرها النهائي، سيجعل التقرير من المحتمل عرضة للضعف، وأن لا يصمد أمام المحكمة ويقود لشطب القضية أمام المتهمين».
وزاد: « أي قانوني يعلم أن تقديم قضية محكمة في جريمة قتل أي مواطن من قبل النيابة يستغرق شهورا في التحقيقات، كيف لهم أن يطالبوا بتقديم تقرير قانوني وتحديد متهمين بعينهم وشخصهم في قضية معقدة ومركبة مثل فض الاعتصام خيوطها مبعثرة في مئات الجهات».
وحذر من أن «هذا الدفع والضغط العاطفي على لجنة التحقيق، إن رضخت له، سيجعلها تقدم تقريرا لن يرضي القانونيين ولا أسر الضحايا ولا الشعب السوداني الذي سيخرج للشارع رافضا له لأن لديه تصورا مسبقا عن المجرم، عموما هذا الشهر سيكون ملتهبا بالأحداث حال صدور تقرير اللجنة».

مواقف دولية تحض على كشف الحقيقة ومحاسبة الجناة

شدد الاتحاد الأوروبي على أن العثور على الحقيقة بشأن ما حدث في مقرّ القيادة العامة للقوات المسلّحة السودانية يبقى أمرًا ضروريًا، داعيًا في الوقت ذاته إلى محاسبة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان في تلك الحادثة.
وأوضح في بيانٍ له امس أنّه «يتابع عن كثبٍ جهود السلطات في السودان حول إجراء تحقيقٍ مستقلٍ وشفافٍ». وأضاف: «تحقيق العدالة يمكن أنّ يتمتّع السودان بانتقالٍ مستقر والاندماج في المجتمع الدولي».
وأعلن عزمه «مواصلة دعم شعب السودان من أجلّ تحقيق السلام والديمقراطية والعدالة والازدهار».
وأكمل : «يعترف ويحيي الاتحاد الأوروبي التضحيات التي قدّمها الشعب السوداني منذ بداية الثورة، التي دفعت السودان إلى اتخاذ العديد من الخطوات نحو الانتقال الديمقراطي».
كذلك جددت الأمم المتحدة، الأربعاء، دعوة الحكومة السودانية إلى تقديم المسؤولين عن فض اعتصام الخرطوم وانتهاكات حقوق الإنسان إلى العدالة.
جاء ذلك في بيان صادر عن المنسقة المقيمة للأمم المتحدة في السودان قوي يوب سن، التي قالت: «قبل عام، شهد العالم هجمات وحشية على المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية في السودان».
وأضافت: «نيابة عن فريق الأمم المتحدة في السودان، أكرر دعوة الأمين العام (أنطونيو غوتيريش) السلطات إلى التحقيق بشكل موثوق ومستقل، وتقديم المسؤولين عن الانتهاكات المبلغ عنها لحقوق الإنسان إلى العدالة».
واعتبرت أن «تشكيل الحكومة الانتقالية لجنة وطنية مستقلة للتحقيق في مزاعم انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبت في 3 يونيو(حزيران)، وغيرها من الحوادث ذات الصلة، خطوة حاسمة نحو العدالة والمساءلة».
وأكدت «التزام الأمم المتحدة بدعم المرحلة الانتقالية للسودان، في وقت يتحرك فيه نحو تحقيق تطلعات شعبه القديمة في السلام والديمقراطية».
وأيضاً دعت الولايات المتحدة وبريطانيا، الأربعاء، لمحاسبة المسؤولين عن فض الاعتصام.
جاء ذلك في بيانين منفلصين لسفارتي الولايات المتحدة وبريطانيا في السودان، وقالت سفارة واشنطن: «نتطلع إلى نتائج تحقيقات الحكومة، ولإجراءات لمحاسبة المسؤولين عن الفض العنيف».
وشدد السفير البريطاني لدى الخرطوم عرفان صديق، على أنه «يجب أن تكون هناك مُساءلة كاملة عن أحداث 3 يونيو، إذا كان للقيم الثورية للحرية والسلام والعدالة معنى حقيقي».

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!