معاوية عثمان: فكرة التسوية في قضية المدمرة كول طرحت منذ ٢٠١٤

1


عطفًا على مداخلات عديدة وردت أمس بشأن التسوية القضائية الجارية الان والتي لم تكتمل بعد ، شخصياً كنت أفضل صادقاً عدم الخوض فيها ، لأنها دخلت مراحل حساسة للغاية وأنا على يقين أن الطرق الكثيف عليها يمكن أن يضر بها ويضر بمصالح السودان المرجوة من إتمامها ، ومع ذلك فهنالك عناوين رئيسية يتعين الان أن نذكرها دون الخوض في تفاصيل كثيرة ودقيقة وشائكة لسنا مخولين بعرضها باي حال.
أولاً الأحكام الصادرة ضد السودان معلوم بالضرورة أنها تتصل بحادثتين: تفجير السفارتين في نيروبي ودار السلام ١٩٩٨ وضرب المدمرة كول في عدن ٢٠٠٠ وفي هاتين الحادثتين رفعت عدة قضايا ضد السودان اختلفت بإختلاف المدعين وأماكن رفعها وقد جمعت في ست قضايا أربع متعلقة بالمدمرة كول بلغت جملة التعويضات المطلوبة فيها نحو ستمائة مليون دولار وقضيتين في السفارتين بلغت أحكامها 10.2 مليار دولار ولعل هذا معلوم للجميع وهذه الأحكام نهائية وواجبة النفاذ اليوم وغدًا ، ولذلك فإن الهروب من مواجهتها وترحيلها عاماً بعد عام ليس بخيار فالأوفق التصدي لحسمها ، وقد ثبت عبر سنوات من العمل أنه لا يمكن حل هذه المعضلة إلا عن طريقين لا ثالث لهما: إما دفعها كاملة غير منقوصة كما قضت الأحكام أو الوصول لتسوية تمكن السودان من الخروج من أسر هذه الأحكام.
ثانياً فكرة التسوية ليست جديدة وطرحت منذ العام ٢٠١٤ وعمل عليها ممثلون للحكومة من وزارتي الخارجية والعدل *وبعض محامي أسر الضحايا* وتكفلت دولة خليجية وقتها بدفع مبلغ التسوية بعد اكتمال أشراطها ، ولكن ذلك المقترح لم يمض قدماً لأنه لم يكن شاملاً لكل القضايا كما أن الادارة الامريكية وقتها رفضت أن تدخل طرفاً في التسوية المطروحة وجزمت يقينًا أن أية تسوية يصل لها السودان مع المدعين لن تؤثر بأي حال على أي مسار سياسي بين البلدين.
ثالثًا في ٢٠١٧ إتخذ عرض التسوية منحىً جديدًا حيث قبلت الادارة الامريكية أن تدخل كطرف ضامن في حال تمكن السودان والمدعون من الوصول لاتفاق ، كذلك دخلت التسوية كجزء من المسارات السياسية فيما عرف بالمرحلة الثانية لتطبيع العلاقات بين البلدين والتي بدأ تنفيذها في اكتوبر ٢٠١٨ وتم الإتفاق على أن إتمام التسوية مع معالجة موضوعات أخرى مثل السلام ، العون الإنساني والحريات العامة سيقود إلى رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب.
رابعًا فريق السودان المفاوض فريق حكومي مكون من ممثلين لوزارات الخارجية والعدل وجهاز المخابرات ويعمل الفريق الوطني مباشرة مع شركة المحاماة التي تمثل السودان White and Case وهي واحدة من أكفأ شركات المحاماة الامريكية مع وجود مستشار قانوني خارجي لحكومة السودان هو رئيس وزراء الأردن الأسبق ، عليه فليس هنالك سماسرة ولا وسطاء كما تمت الإشارة من قبل ، وظل هذا الفريق يعمل بتناغم و مهنية عالية أشاد بها حمدوك وكان يعي ويعني ما يقول.
خامساً إكمال التسوية في قضايا المدمرة كول من شأنه أن يؤكد جدية السودان وسيسهم في إكمال الجزء المتبقي من تسوية قضايا السفارتين وعندها سيخرج السودان من هذه الحلقة الجهنمية تمامًا.
على الرغم من أنني اتفهم الظروف الاقتصادية بالغة الدقة التي يمر بها السودان وان المبلغ الذي دفع حتى الآن انتزع مرحلياً من اللحم الحي للمواطن السوداني ، ولكن هذه القضايا بأحكامها القائمة ستقف حجر عثرة أمام رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب وبالتالي لن تكون هنالك ثمة فرصة لإعفاء ديون السودان وسينعدم حينها أي أمل في تحسين الوضع الاقتصادي للبلاد في المدى المنظور ، واتصور ان موضوع التسوية ينبغي النظر إليه بموضوعية بعيداً عن حكومة ومعارضة وهو يصلح أن يكون مشروعاً وطنياً ينهض له الجميع مهما كانت مواقفهم السياسية متباعدة والمشروعات الكبرى تستحق قدراً عاليًا من الجرأة والتضحية معاً. أيضاً الوصول للتسوية بشكلٍ نهائي وإزالة هذه القضايا وأحكامها من كاهل السودان فيه مصلحة كبرى للسودانيين كافة أولاً وأخيراً .

*معاوية عثمان خالد*
*واشنطن*

التعليقات مغلقة.