معضلة الأمن الغذائي

3

د. سعاد مصطفى الحاج موسى

الأمن الغذائي هو الوضع الذي يكون فيه لجميع الناس في جميع الأوقات، المقدرة المادية والاجتماعية والاقتصادية للحصول على الغذاء الكافي الآمن والمغذي الذي يلبي احتياجاتهم وتفضيلاتهم الغذائية بما يتيح لهم التمتع بحياة فاعلة وصحية، كما عرفته منظمة الأغذية العالمية في 2001. وعليه ينتج حالة انعدام الأمن الغذائي عندما لا تتوفر للناس تلك المقدرات بصورة كافية للحصول على الغذاء على النحو المذكور ولا توجد كميات تكفي كل الناس. وبناءً على هذا التعريف فقد عاش المواطن السوداني في حالة آمنة غذائياً مثلما تمتعوا أيضاً بالسلامة والأمن الاجتماعي وذلك بفضل عملهم واعتمادهم على منتجاتهم المحلية الزراعية والحيوانية بشكل أساسي، خاصةً في الهامش حيث للناس وسائلهم التقليدية في تخزين الحبوب فيما ما يعرف بالسُويبة والسييبا والدَبَنْقا التي تكاد تجدها في التكالي (جمع تُكُلْ) في كل بيت في الريف، وأيضاً في مخازن أرضية عرفت بالمطمورة (جمع مطامير) وجميعها مستودعات استراتيجية أسهمت بفعالية في حفظ الأمن الغذائي في الريف والمدن لقرون.

ولكن تغير الحال منذ بداية ثمانينات القرن المنصرم بسبب الجفاف والتصحر الناتج عن التدهور المناخي والبيئي الذي ضرب أفريقيا جنوب الصحراء في الستينيات من القرن الماضي، وامتدت تأثيراتها خاصةً في دارفور فتسببت في كارثة المجاعة المشهورة في 1984 والتي طحنت الملايين من سكان الريف الذين عافت نفوسهم الهجرة من قراهم إلى المدن فلجأ الكثيرون منهم إلى نبش بيوت النمل والتقاط بذور المخيط الحاذق المرارة الاّ القليل ممن غلبته المسغبة والحرمان! وامتداداً لسياسة الإهمال التي تنتهجها النخبة المركزية الحاكمة تجاه الهامش عموماً تعنت الرئيس جعفر نميري وتعاند في الاعتراف بالمجاعة واعلانها ليتسنى للعون الإنساني العالمي التدخل وانتشال الناس من الموت جوعاً مما دفع بحاكم الإقليم وقتها السيد أحمد ابراهيم دريج إلى نبذ مقعد السلطة ومغادرة السودان بلا رجعة.

من وقتها صارت حالة الأمن الغذائي متذبذبة ويرجع الفضل إلى منظمات العون الإنساني الأجنبية التي تصدت باستمرار لمعالجة الأوضاع الإنسانية عندما تتفاقم وظلت تقوم بالتنسيق مع وزارة الزراعة الإقليمية، بوضع استراتيجيات لدرء المخاطر والتخطيط لمجابهتها بإدخال برنامج المسوحات الاقتصادية الاجتماعية السنوية، وقياس كميات الأمطار بالقري، وتقييم حالة المَزَارِع قبل الحصاد وبعده لاستقراء حجم الناتج، ومراقبة أسعار المنتجات الزراعية والحيوانية، وأسعار البهائم، وحركة الأسواق والمقدرة الشرائية للمواطن، ومدي توفر الحبوب .. الخ، وذلك تحسباً لأي عجز قد يحدث جرّاء فشل الموسم الزراعي أو ضعفه، ولتحديد جيوب الضعف لاستهدافها في خطة المساعدة مما كان لها الأثر الفعّال في مساعدة المواطن وخلق حالة مستقرة نسبياً للأمن الغذائي بالإقليم. ومن السياسات التي أُتُبِعت منذ ذلك الوقت هي توفير مخزون استراتيجي بمساهمة عالية من منظمة الأغذية العالمية ((WFP وذلك للحد من المخاطر المتعلقة بالأسعار وما قد ينتج من فجوة بسبب الندرة في الحبوب الغذائية.

ولكن منذ بداية الحرب في أواخر 2002، انتهجت حكومة الإنقاذ وأساطينها سياسة لإنهاك المواطن واخضاعه وذلك بضرب الأمن الغذائي في مقتل. ارتكزت استراتيجيتها على اجبار سكان الريف، الذين يمثلون شبكات الأمان الرئيسية للأمن الغذائي، على الفرار من أراضيهم والنزوح واللجوء وذلك بالإغارة على القري الآمنة بالطائرات والقنابل الحارقة فقتلت وروّعت، وكان لهم ما أرادوا. نزح الناس إلى المدن وأطرافها وداخل الكهوف، ولجأوا إلى دول الجوار تاركين خلفهم ملايين الهكتارات لتبور مما أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية وانعدام الأمن الغذائي في دارفور وغيرها بعد أن تحول السكان من منتجين إلى متلقين للعون الانساني. فالغرض من ضرب القري هو ليس لأنها مراكز يتمترس داخلها المتمردون كما زعمت الإنقاذ، وانما لارتباطه الجوهري بالاقتصاد السياسي للحرب. فإبعاد المزارعين من مزارعهم سيتيح لهم السيطرة على قوت المواطنين وفتح أسواق المنطقة واغراقها بالمنتجات الزراعية لمزارع ومشاريع بالوسط النيلي والشرق تتبع للنخبة المركزية الحاكمة، وبما تستوردها شركات مملوكة لهم وذلك عملا بمقولة “من لا يملك قوته لا يملك قراره” فصارت دارفور مركزاً أساسياً للتفريغ والتسويق والاغتناء للنخبة الحاكمة.

استخدمت سياسة النزوح أيضاً للتأثير الثقافي في نمطية الوجبة الغذائية وارثها الاجتماعي والثقافي وميزاتها والتي تقوم على عصيدة الدخن والدامِرْقا والكسرة بأنواعها والقُوقُرْ والاُمْ دَفّانَة والخميس طُويْرَه والملاح، بمكونات محلية صرفه. فغلاء الدخن كسلعة غذائية أساسية تنتج في غرب السودان، دفع الغالبية إلى الاتجاه نحو الاعتماد الكلي على الرغيف وشاعت القراصة وتحولوا إلى استخدام الذرة التي تنتج في مزارع الجزيرة والشرق وتمثل سلعة غذائية أساسية في نواحي السودان الأخرى ولكنها لم تكن مستساغة لأهل دارفور في السابق. أي أن النزوح لم يكن متلازمة لفعل الحرب كما هو معروف، وانما كان مخططاً للإنقاذ قصد به خلق حالة متأزمة لانعدام الأمن الغذائي ومن ثم القضاء على المجتمع اقتصاديا واجتماعيا وثقافياً. ولذلك يلاحظ أنه حتي عندما يبدو الموسم الزراعي جيداً بمؤشرات هطول الأمطار وغياب الآفات الزراعية، تقوم قوات أمن الإنقاذ بترويع الناس وإدخال البهائم إلى المَزَارع لتخريبها بجانب استهداف النساء والفتيات، اللائي يحاولن الخروج من المعسكرات للذهاب إلى مزارعهن، بالاغتصاب تحذيراً لهن من ممارسة الزراعة وذلك لأنهم يدركون الدور المحوري للنساء في الإنتاج الزراعي والحيواني وفي جمع الفواكه والثمار الصالحة للأكل من الغابات والمروج المحيطة والتي تسهم في الحفاظ على الأمن الغذائي وتحقيق توازنه بالمنطقة.

غني عن القول إن اتساع مساحة دارفور وخصوبة أراضيه لم يشفع له عند النخبة الحاكمة لإنشاء مشاريع للزراعة الآلية أو المروية ذات الإنتاجية العالية بمثل ما هو الحال في السودان النيلي والوسط، فسادت الزراعة المطرية لصغار المزارعين والتي تكاد تنعدم فيها أساليب المكننة الزراعية الحديثة. فتكرار أزمات انعدام الأمن الغذائي في دارفور يعزو إلى افتقاره للتنمية الزراعية المستدامة وهذه واحدة من التحديات التي تواجه الحكومة الانتقالية والديمقراطية القادمة في تحقيق العدالة التي تنادي بها ثورة ديسمبر المجيدة. دوننا الموسم الزراعي قاب قوسين أو أدنى ونأمل في أن يكون واعداً بالأمطار وخالياً من الآفات خاصة الجراد الصحراوي الذي بدأ في اجتياح دول وسط وشرق أفريقيا وجنوب السودان منذ فبراير 2020 وقضت أسرابه على نحو 200 ألف هكتار (نصف مليون فدان) من الأراضي الزراعية في إثيوبيا بينما الارهاصات تشير إلى وصول المزيد من الأسراب إلى المنطقة مما يتطلب الإعداد الكامل تحوطاً للطوارئ حال توجهت نحو السودان. فالزراعة هي صمام أمان الأمن الغذائي في كل السودان والعمود الفقري له مما يحتم على الحكومة إعطاء الأولوية للإعداد للموسم القادم لدعم الإنتاج المحلي، وقد تحدث السيد السفير عمر مانيس عن جاهزية الحكومة الانتقالية في الندوة التلفزيونية بالخميس 16 ابريل 2020. ولكن ما نود الإشارة اليه هو ضرورة العمل على ترتيب أوضاع النازحين ومساعدتهم للرجوع إلى مزارعهم للحاق بالموسم الزراعي وألاّ يُرهن ذلك بمسيرة المفاوضات كذلك العمل على استنفار الشباب وتشجيعهم للانخراط في العمل بالزراعة وإتاحة الأراضي لهم بالتنسيق مع الإدارات الأهلية حتى يمكن تحقيق منسوب عالي من الإنتاج لتحقيق اكتفاء ذاتي. المساعدة المطلوبة نراها تتمثل في الدعم المادي والفني والأمني وتصميم سياسات لحماية المحصول والمنتج.
فالجانب المادي يتعلق بتوفير مدخلات الزراعة مثل البذور، الآلات الزراعية التقليدية والحديثة، معدات الري، مبيدات حشرية، وقود وسبل التخزين، وتوفير الأدوية البيطرية واللقاحات، بالإضافة إلى قروض بسيطة تعين المزارعين إلى حين موسم الحصاد. وهذه تدعو إلى مراجعة سياسات البنك الزراعي وممارساته السابقة واجراء إصلاحات عاجلة بها لتتماشي مع أوضاع النازحين والنازحات وتعيد لهم الثقة في التعامل مع البنك بدلا عن أن يكون سبباً في افقار المزارع البسيط واستغلاله وتهديد أمنه الغذائي. بالإضافة إلى التوسع في تمويل صغار المزارعين من الشباب بإنشاء بنوك ومصادر تمويل اخري مع ضرورة دعم مكاتب وزارة الزراعة، خاصة في الريف، لتقديم الإرشاد الفني، خاصة لحديثي العهد بالزراعة وتقوية ادرة وقاية النباتات للقيام بعمليات الرصد والرش إن دعت الحاجة، وصيانة الدوانكي والخزانات.
أما الجانب الأمني فيختص بتوفير السلامة للمزارعين لضمان عدم تعرضهم للقتل والانتهاكات أثناء تنقلهم من والي المزارع وداخلها، وحماية مزارعهم من الاتلاف والتخريب المتعمد. ويعني هذا تعاون الجهات الشرطية وقوات الدعم السريع لتوفير حراسات على مواقع محددة داخل منطقة المزارع ونشر قوات متحركة لتجوب هذه المناطق لحسم التفلتات الأمنية ولمراقبة مسارات الرحل إلى أن يتم جمع الحصاد وترحيله قبل فتح المزارع لقطعان الماشية كما هو متعارف عليها. ومن الأهمية بمكان تصميم سياسات للتعامل مع الأوضاع المترتبة عن الحصاد لسد الفجوة ان وجدت، ولإدارة المحاصيل بتبني استراتيجيات مثل انشاء مراكز محددة لتجارة المواد الغذائية بالولايات لحماية المُنْتِج والمحصول معاً بالسيطرة على الأسعار ومحاربة التهريب، على أن تقوم الحكومة بشراء كميات من هذه المحاصيل كمخزون استراتيجي بكل ولاية لضمان حالة مستقرة للأمن الغذائي. وقبل كل ذلك أحموا أنفسكم من كورونا وأحموا المجتمع بالبقاء داخل منازلكم يرحمكم الله.
Kjairkhanaga16@gmail.com

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!