مفاوضات جوبا… آفاق السلام والبناء فى السودان

0 2

بقلم: عبدالله خيرالله مساعد

ظلت قضايا الحرب والسلام أهم القضايا الوطنية على الاطلاق التى لازمت الحياة السياسة السودانية منذ فجر الدولة الحديثة، ذلك أن الحروب التى اشتعلت فى جسد السودان هى مصدر مآسيه الإنسانية وتأزيم أوضاعه الاقتصادية وتسميم واقعه السياسى، وتاخره عن اللحاق بركب الأمم، بل هى ماسحقت آمال اهله وسفهت أحلامهم فى الامن والسلام والعيش الكريم.
تفادى الحروب وتجنب مكامن شرورها و مآسيها تناوله الحكماء والفلاسفة منذ عهود خلت عندما دعوا الى نبذ الحرب وتجنب ويلاتها.
يقول زهير بن ابى سلمى احد شعراء السبع المعلقات وحكيم الشعراء وداعية السلام، فى الحرب الضروس التى دارت رحاها بين عبس وذبيان واوردت القوم موارد الهلاك لتنتهى إلى صلح نسجه العقلاء، يقول:
تَدارَكتُما عَبساً وَذُبيانَ بَعدَما تَفانوا وَدَقّوا بَينَهُم عِطرَ مَنشِمِ
وَقَد قُلتُما إِن نُدرِكِ السِلمَ واسِعاً بِمالٍ وَمَعروفٍ مِنَ الأَمرِ نَسلَمِ
فَأَصبَحتُما مِنها عَلى خَيرِ مَوطِنٍ بَعيدَينِ فيها مِن عُقوقٍ وَمَأثَمِ
ثم يصور لنا الحرب وما تجلبه من مآسى بقوله:
وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ
مَتى تَبعَثوها تَبعَثوها ذَميمَةً وَتَضرَ إِذا ضَرَّيتُموها فَتَضرَمِ
فَتَعرُكُّمُ عَركَ الرَحى بِثِفالِها وَتَلقَح كِشافاً ثُمَّ تَحمِل فَتُتئِمِ
فَتُنتَج لَكُم غِلمانَ أَشأَمَ كُلُّهُم كَأَحمَرِ عادٍ ثُمَّ تُرضِع فَتَفطِم
ويقول الفيلسوف الهولندى ارشموس (1515) الذى عاش فى روتردام واستقى فلسفته الإنسانية من سماحة المسيحية؛
*”أن كان هناك امر بين شؤون البشر يحسن بنا أن نقبل علية بتردد أو بالأحرى أن نتفاداه ونطرده بصلواتنا ونبعده بكل الوسائل ، فإنه بالتأكيد الحرب ويتابع مفكر روتردام، فى مقالة أخرى “الحرب آفة الدول ومقبرة العدالة فى فرقعة السلاح تصمت الشرائع … فإذا كان الكفر ونسيان الدين يكمنان وراء المآسي فهذان الشران يبلغان أقصى حدودهما فى عنف الحرب”. وفى مقارنة بين ويلات الحرب وخيرات السلام يبين ارشموس الامور كالاتى: “علينا أن نقضى على أسباب الحرب فى مهدها ومن أجل ذلك ينبغى لنا أن نغض الطرف عن بعض الحقوق. فهناك حالات يفرضها علينا واجب شراء السلام، وعندما نقوم بعملية إحصائية لتكاليف الحرب والعدد من المواطنين الذين سينجون من الموت يبدو السلام كأنه اشترى بسعر زهيد مهما كان ثمنه. وعندما نفكر، بعد ذلك فى الأوجاع التى تفاديناها والممتلكات التى انقذناها، لن نأسف كثيرا على ثمن السلام الذى نكون قد دفعناه”*.
لا اريد ان أسترسل فى المقولات الكثيرة التى تعلي من شأن السلام وتذم الحرب والعنف ولكن قصدت بذلك تمهيدا للدخول الى الجهود المبذولة لإحلال السلام من قبل الممسكين بملفه فى الحكومة الانتقالية وشركاؤهم من حركات الكفاح المسلح لإنهاء الحروب فى السودان ومخاطبة مسبباتها لتقديم قراءة لجوهر فلسفة إدارة ملف الصراع والسلام من قبل أطراف التفاوض فى سودان ما بعد ثورة ديسمبرالمجيدة، على خلفية العملية السلمية القائمة بين الأطراف السودانية فى جوبا دون الخوض فى وقائعها وتفاصيلها والاكتفاء فى هذا المقال بالتركيز على المنهج الذى اعتمدته أطراف السلام السودانية خلال مفاوضات جوبا من واقع تغطيتى الصحفية لجلسات التفاوض فى جوبا لعدد من الجولات والالتقاء والاستماع الى مختلف أطراف العملية السلمية اثناء وجودى كصحفى بمقر المفاوضات.
من المعلوم والمعلن بعد الانتصار الوضئ الذى تحقق على يد الشعب فى ثورته المجيدة فى أبريل من العام ٢٠١٩ بمحمولاتها الأخلاقية لازالة المظالم وإعادة الاستقرار السياسى والاقتصادى بالبلاد، ، وضعت الحكومة الانتقالية، الوليد الشرعى للثورة، إنهاء الحرب فى السودان وطى صفحتها على اعلى سلم أولوياتها، واصبح تحقيق السلام فى سودان ما بعد الثورة مشروعا وطنيا تشاركيا بين الحكومة واطراف حركات الكفاح المسلح، مسنودا بارادة شعبية عربضة وقائم على مفاهيم ثورة ديسمبر المجيدة.
فى بحثه عن معالجة شاملة وناجعة لقضايا الحرب والسلام وضع وفد الحكومة لمفاوضات السلام منهجا جديدا لمخاطبة هذه القضايا، يضم بداخله كل ما من شأنه القضاء على كل مسببات الحروب فى المستقبل ويجلب اتفاق سلام قابل للحياة ومحصن من اى انتكاسة. منهج التفاوض الجديد اعتمد على فكرة قيادة عملية سلمية تشاركية مع حركات الكفاح المسلح من المأمول أن تفضى إلى إنهاء الحرب المستوطنة فى بعض مناطق السودان بالتوصل إلى اتفاق سلام شامل يرتكز على مبادئ المساواة والعدل ويخاطب المظالم والاختلات التاريخية بين أقاليم السودان والمركز والتى ظلت ملازمة للدولة السودانية الحديثة وبزيل النتؤات الاجتماعية من على خارطة السودان الديموغرافية.
حدق من تولوا ملف السلام وانعموا النظر فى مجمل المقاربات والتراث السابق لمعالجة قضايا الحرب والسلام، بخيباتها ونجاحاتها، وخلصوا إلى أن القاسم المشترك الأعظم بين التجارب المحاولات تلك، اما انها لم تفلح او تهربت من مخاطبة جذور المشاكل التى ولدت الحروب وأشعلت اوارها فى أطراف السودان أو فى احسن الأحوال تعاطت مع عملية السلام وفق نظام التجزئة. فعلى سبيل وقعت الحكومة السابقة عدد من اتفاقيات السلام مع عدد من الجماعات المسلحة لكنها جميعها لم تأت بأمن أو تجلب سلاما، فكانت ما ان تفرغ من توقيع اتفاق للسلام مع مجموعة من المجموعات المسلحة، حتى تسرج خيلها طلبا له مع مجموعة أخرى لتمهر بذلك اتفاقا يتلوه آخر، جميعها قائم على جزرة المحاصصات التى لم تثمر سلاما أو تحقق امنا واستقرارا ، بل تناسلت على أثر ذلك الحروب وأستعيد إنتاجها وتعددت لافتاتاتها.
ولما كانت ثورة الشعب فى ديسمبر سلمية، وارتفعت خيمتها على عمد “الحرية والسلام والعدالة” تلك القيم التى ظل ينشدها السودانيون طرا منذ زمان وتمثل تطلعات سكان المناطق المتأثرة بالصراعات على وجه خاص وما تزال، عقدت حكومة الثورة العزم لمجابهة الجذور التى تسببت فى الحروب بدلا عن التهرب منها ومخاطبة المظالم التاريخية التى ادت الى نشوبها، لأجل ذلك اعتمدت مفاوضات جوبا مقاربة وفلسفة جديدتين لقيادة عملية سلمية، تشاد على قيم ومفاهيم ثورة ديسمبر، تلك القيم التى أدى غيابها فى العهود السابقة إلى اشتعال حروب صريحة فى أطراف السودان الجغرافية واخرى مكتومة فى فجاج منه.
بناءا على تلك المقاربة انطلقت مفاوضات جوبا وعلى مفهوم الشراكة دخلها الطرف الحكومى المفاوض مع من حملوا السلاح فى وجهه الحكومات المتعاقبة ومن ناهضوها بالوسائل السلمية، حاديه فى ذلك عزم جليد وإرادة لتحقيق السلام لا يخالطها تردد.
جلست وفود الحوار بعد ان انفتحت بينها القنوات عبر حوارات سابقة خارج قاعات التفاوض وتوافرت الثقة بين مكوناتها. ثقة اختبرتها عبر اتفاق إستبق الدخول فى قضايا الحوار الجوهرية وقعته الاطراف فى سبتمبر من العام المنصرم، وأطلقت علية ” اتفاق جوبا لبناء الثقة” جلست اطراف عملية السلام السودانية على طاولة التفاوض فى منبر جوبا الذى ارتضته مقرا لمفاوضاتها، شركاءا لا فرقاءا ( partners not parties). وتوصلت مع استمرار الحوار إلى أن السلام أضحى إرادة جارفة وأن الصراعات لا يمكن لها أن تدوم ويمكن تسويتها، ونجت الثقة هذه المرة، من ان تكون ضحية الصراعات.
هذا الفهم المشترك لطبيعة المرحلة كان مقدمة مهمة لشروط نجاح التفاوض والتغلب على هواجس الخوف والتردد، مما هيأ أجواء هادئة ومرونه فى الحوار غير مسبوقتين و تقدير متبادل لحجم التنازلات التى يقدمها كل طرف على طاولة التفاوض مما حصن الحوار من الانتكاس و التهرب من مقتضياته او نكران اى اتفاق مبدئي يمكن أن يعيد الأطراف إلى المربع الأول.
الأستاذ محمد حسن التعايشى عضو مجلس السيادة المتحدث الرسمى باسم وفد الحكومة لمفاوضات السلام، أشار إلى طبيعة المفاوضات بين الوفد الحكومى ووفود حركات الكفاح المسلح بقوله ” أن المفاوضات التى تجرى فى جوبا لاتجرى بين مدرستين أو ارادتين مختلفتين وإنما تنعقد على أرضية مشتركة لمدرسة ثورة ديسمبر المجيدة وأن المفاوضات تنطلق من إرادة مشتركة لأطرافها من أجل وضع قاعدة صلبة للعدالة والاستقرار السياسى بالبلاد” مضيفا أن السودانيين :ليس لديهم بعد الآن الرغبة فى مقاتلة بعضهم”.
*فلسفة المسارات مدخلا للسلام الشامل*
قسمت أطراف السلام فى جوبا الحوار إلى مسارت خمسة، شملت مسار دارفور ومسار المنطقتين وهو مسار يتشاركه فصيلا الحركة الشعبية، الحركة الشعبية المنضوية ضمن تحالف الجبهة الثورية، التى يقودها مالك عقار والحركة الشعبية شمال بقيادة عبد العزيز الحلو ومسار شرق السودان ومسار الشمال الذى يضم حركة تحرير كوش وكيان الشمال ومسار الوسط.
على ضوء ذلك دخلت الأطراف فى حوار يخاطب قضايا هذه المسارات عبر مستويين، المستوى الأول، يضع قضايا الظلامات فى هذه البقاع فى السياق الوطنى العام ومستوى آخر يخاطب القضايا الجهوية الخاصة بكل مسار. ويهدف هذا المنهج فى الحوار إلى حل قضايا هذه المسارات كل على حده وفى صورة بروتوكولات على أن تنتهى جميعها إلى اتفاق سلام واحد شامل ومستدام يبطل أسباب العودة إلى الحروب ويسد المسالك التى يمكن ان تتسلل عبرها فى المستقبل.
وفيما يرى البعض أن منهج الحوار عبر المسارات عملية من شأنها إطالة امد المفاوضات وتشتيت جهود احلال السلام، او ربما تكون المحصلة حلول ومعالجات مجتزأة لقضايا الحرب والسلام فى البلاد، يري قادة أطراف الحوار أن اعتماد منهج المسارات فى مفاوضات جوبا، ينطوى على فلسفة من شأنها معالجة المظالم والاختلالات التاريخية بين المركز والاقاليم والتى لا تقتصر على مناطق الحروب وحدها وإنما تشمل اقاليم السودان المختلفة، وأن هذا المنهج فى الحوار سيفضى إلى اتفاقيات خمس بعدد المسارات ولكنها تنتهى إلى اتفاق واحد شامل يرد المظالم فى أقاليم السودان المختلفة ويمنح المناطق المتأثرة بالحرب الخصوصية والتمييز الايجابى الذى تستحقه، ضمن تصور قومى لسودان ديمقراطى موحد تتساكن فيه مكوناته الاجتماعية المختلفة فى وطن تسوده قيم العدالة والمساواة، وأن اتفاق السلام الشامل، المنشود ينتظر أن يصب فى نهاية المطاف فى معين مشروع نهوض وطنى يمثل تطلعات السودانيين جميعا ويشكل منصة انطلاق لمشاريع اقتصادية وسياسية تحقق التنمية المتوازنة فى ابعادها المختلفة وبناء دولة حديثة تستند على قيم العدل والتراضى الوطنى وتقوم مؤسساتها على العلم والمعرفة.
المتحدث الرسمى باسم وفد الحكومة لمفاوضات السلام الاستاذ محمد حسن التعايشى اوضح هذا المنهج قائلا “أن التفاوض يعتمد مقاربة جديدة لمخاطبة قضايا الحرب والسلام فى السودان وفق منهج جديد حيث أنه لأول مرة يتم الاتفاق على منبر واحد لقضايا السودان لتنتهى إلى اتفاق واحد، ببروتكولات متعددة يقود إلى تغيير أجندة الخطاب السياسى ويحفز على عملية البناء” مضيفا “أن الحكومة والحركات يتطلعون إلى سلام نهائي وتاريخى يحدث تحولا فى المعاملة بين المركز والأقاليم”.
نظرت أطراف الحوار فى جوبا إلى المظالم التاريخية التى عانت منها الكثير من مناطق السودان و خلصت إلى ضرورة تقديم حلول ذات طبيعة شاملة لا تستثنى منطقة من مناطقه ولا مجموعة من ساكنيه، فى إطار حل يستجيب لتطلعات شعبه و يرضيها ويسد المسارب التى تتسلل منها الحروب، وفق مقاربة فلسفية لجوهر الصراع تقوم على مخاطبة مظالم كل الأقاليم فى مكان وزمان واحد.
ويوضح الدكتور الهادى ادريس رئيس الجبهة الثورية فلسفة اعتماد منهج المسارات “أن الهدف من منهج المسارات فى عملية السلام فى جوبا، تدارك الخلل التاريخى الموجود فى إدارة الدولة فيما يتعلق بإدارة ملف التنمية وما يسمى بالتهميش الموجود بين المركز والأقاليم مضيفا “لكى نعالج الأزمة الوطنية ونغلق الباب أمام اى محاولة للعودة إلى الحرب فى المستقبل نريد أن نعالج جذور المشاكل الإقليمية فى هذه المسارات”
وقال النائب الاول لرئيس مجلس السبادة ورئيس وفد المفاوضات الحكومى الفريق اول محمد حمدان دقلو عقب توقيع وفد الحكومة الاتفاق الاطارى مع الحركة الشعبية التى يقودها مالك عقار “أن هذا التوقيع يؤكد صلابة العزيمة ومتانة الشراكة بين الأطراف المتفاوضة، مضيفا أن وفد المفاوضات يسعى من خلال منبر جوبا الى التوصل إلى سلام شامل يغير حياة الناس للأفضل وينهى المآسي التى سببها الظلم والتهميش” واعتبر نائب رئيس الحركة الشعبية جناح عقار وكبير مفاوضيها الأستاذ ياسر سعيد عرمان “أن إرادة السلام فى جوبا لن تتراجع وأن الاتفاق الذى تم توقيعه سيسعون إلى تحويلة إلى اتفاق سلام شامل مع بقية فصائل الجبهة الثورية” واشار الى ان اطراف التفاوض تسعى الى بناء سودان جديد يتعايش فيه الجميع قائم على شراكة استراتيجية مع مجلسى السيادة والوزراء وقوى الحرية والتغيير والقوات المسلحة وقوات الدعم السريع”
يبدو ان فرصة تاريخية نادرة تلوح فى سماء السودان لتحقيق السلام والاستقرار فيه وان فريق التفاوض الحكومى وشركاؤه فى حركات الكفاح المسلح قد أظهروا حدبا وجدية من اجل التوصل الى سلام شامل وقابل للحياة عبر منبر جوبا والذى قطعت المفاوضات فيه أشواطا بعيدة، وعلى النخب السياسية باطيافها ومشاربها المختلفة التمسك بهذه الفرصة وعدم اهدارها، ودفع ثمن السلام، لان للسلام ثمن، ومن يريد أن يجنب البلاد مآسى الحروب وما تجلبه من كوارث إنسانية وأزمات اقتصادية وسياسية ويوفر موارد السودان البشرية والمادية لعملية بناء المستقبل فى هذا البلد علية الاستعداد لدفع ثمن السلام.

اترك رد

error: Content is protected !!