مقدمة لرؤية وجه الشعر في الثورة السودانية

0

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

 

جابر حسين
————–
(دمي واحدٌ،
وجَسَدي ثورة.
وأرى بعين الحبيب الشوارعَ حرة،
والقرى لا تنام،
من الشوق،
لا تنام من لذة النظر
إلى وجه الحرية)*.

الشاعر حاتم الكناني هو، أيضاً، أحد مؤسسي (منتدى مشافهة النص الشعري)، وقبل ذلك كله، هو من بين قلائل الشعراء، الذين اشتغلوا على
(التحوُّلات) ذوات الحساسية الجديدة، يجرّونها على قصيدتهم، صوب التغيرات العميقة يجعلونها في قصائدهم. هو، إذن، معدوداً من أصحاب الحساسية (الجديدة) في شعرنا الراهن. ثم، إن حاتماً ناشطاً سياسياً من بعض وجوهه، حيث ظل موجوداً، شخصياً، في حراك الشارع، في تظاهرات سبتمبر2013م، وخلال ثورة ديسمبر2018م وحتى الأيام السوداء لمجزرة فض الاعتصام وما بعدها، والحال كذلك، فإننا نرى الشاعر يعيش الثورة فعليَّاً في الشارع، وسط الثُوَّار/ت، في عنفوان ذلك الفعل الخلاق الذي يُقدِّم جديده، كل لحظة، في يوميات الثورة. ولكن، كيف نرى قصيدته وهو على هذه الحال؟ في ظني، أن كناني قد سبق ومرَّ بتجربة عميقة، برغم قصر زمنها، جعلت شعره يُحوِّل الوعي السياسي لديه إلى وعيٍ (شعوريّ): شعريّ ولغوي، فجعل ذلك التزامه جانب الثورة يمرُّ عَبرَ مشاعره ولغته. لهذا، كما أراه، أعطانا قصائد (مُلتزمة) جميلة، وقصائد حب عميقة أيضاً. فالكتابة، بخاصَّة الشِّعر، شرطها التجربة الإنسانية والاجتماعية والسياسية والحب والموت والحياة والزمن والحرية. هذه الرؤى المزهرات في الوجود، قد رأيت أن الكناني قد اتخذ منها جواهرا تَسطع في قصيدته، لامعة وتضيء، تفعل ذلك وهي في تحولاتها الفريدة أينما رأيتها.
من الألم، صقيلاً ناصعاً، يَطلَعُ الشعر.
نلاحظ، في برهات التأمل في قصيدة الكناني، أنها، في المجمل، تنحو صوب استكمال (دورتها) التي هي فيها، لتقفز، في ذات برهتها، إلى ما هو مغاير لها، متخلِّصة من أرديتها، حد تصير عارية، لتكون في وجهها الجديد المبتكر وفي شأنها المغاير لما كانت عليه عن هذا المنحى في الكتابة (الجديدة)، التي لم نصطلح على تسميتها بعد، وإن كنا قد سعينا إلى توصيفها، فلا يزال أمامنا مهمة أن (ننحت) مصطلحاً يليق بهذا المنجز الشعري الفريد. يقول محمد الصادق الحاج: (ليست “تجارب الكتابة الجديدة في السودان” لهواً يُزْجَرُ عنه؛ وليست مذهباً يذاد عنه بآلات منهجية. هي شيء مِنْ صُلْبِ الوجود البشري على هذا الكوكب بما هو طبيعي وفريد بذات المقدار. كتابةٌ، هي احتفاء بالشغفِ الأرضيِّ ورعشةِ الحياةِ ورعشةِ الموتِ وبغتةِ اللطمةِ والزمجرةِ الطَّرُوبِ والقَرْعِ الساخط المستنـزَف المستعِرِ العاوي على كل باب مفتوح لا يؤدي ولا يَستحقّ. كتابةٌ منحازة لحرية المحاولة والاختيار والاختلاف وقوة الممكن. كتابةٌ منحازة للبشري ضالاً في ظلمات غريزته وفي ظلمات عقله، سائراً على الأرض تحت أعراس الخيال والفيزياء، تهديه مساقط الممكن تحت جلده إلى بشريته، لا يَعِدُ بأقلِّ منها ولا يقبل أقَلَّ منها؛ تهديه إلى جذوته وحشيةً ومستأنسة. كتابة خاضعة لكل ضلال يريها طرفاً من المجهول؛ متطرِّفةٌ لكل شرارة حية وضارية ورائية. كتابةٌ، هي الجائحة الأرْضية؛ مفاتيحها وأقفالها، أبوابها وسكانها، داخلها والخارج. وليمة الضِّرَام، لا أحد يأكل من ما يليه، كلٌّ يُوَلِّي وجهه أين يريد، ولا ولاية. كتابةٌ في سرعة الخطف، لوثة بانيةٌ مهتاجةٌ تصطكُّ بكلِّ (هيهات) وكلِّ (مرحباً) ولا تقبل أيَّاً منهما. كتابة منحازةٌ للبشريِّ قادراً على التعدين في كلِّ أرضٍ وفي كلِّ سماء؛ في كلِّ واقعٍ وفي كل خيال، في كل شيء وفي كل لا شيءٍ… إلى غير نهاية، لا باحثاً عن غاية ولا عن مفقود؛ ولكنه يفرح ويحتفل وينتصر لكل عِرْقٍ نادر تناله يده الداخلية المفعمة في مِنْجَم الوجود. هي تنجيم في الصخر وفي الفضاء، وهي أمر جِدِّيٌّ وحقيقي ويُعَاشُ بكل خلية حيَّة، فيه جاذبية الخيال ونوره وظلامه، ودمه ولحمه، وابتعاده واقترابه؛ فيه جاذبية الفن والتلقائية، فيه جاذبية القوة والضعف، فيه جاذبية الحب والغيرة، فيه جاذبية الحكمة والاندفاع. وعن ما يشبه ذلك حدَّثنا (أورهان باموق) في روايته (اسمي أحمر) عن حكيمين اسْتَبَقَا على مَنْ منهما سيُمِيتُ الآخرَ أولاً وبطريقة رشيقة وسريعة. الأول منهما أتى بالسم أمام أخيه فمزجه له في كوب الشراب وقدمه له فما تردد هذا في تناوله منه بكل وقار ثم شربه، وأثناء سريان السم في بدنه اتجه إلى زهرة في الحديقة وهمس لها بـ(شِعْرٍ مُظْلِم) ثم قطفها فمدها للأول الذي سقط ميتاً من الخوف قبل أن يتناول الزهرة من يد أخيه. أمثولةٌ (مُظْلِمَة) تضع الفنان في فم الرعشة. هل شِعْرٌ مطلقاً استطاع أن ينفِّذ فاعليةً كهذه؟، وإذا لم يستطع فكيف لا زال الشعراء يكتبون ما لا يستطيع؟. بطريقة ليس منها مناص؛ (رشيقة وسريعة)، بحيث الشراسة كلها تتفرَّج، على الشعر أن يعمل. ليس الشعر الظريف؛ أنيس الْمُتَّكَآت المستأنسة، عروس المجالس، بل (الشِّعْر المظْلِم)؛ الشعر الذي يصعق، يميت ويفعل بالبشر وبالأشياء الأهاويل، وهو ما ليس أقل منه مطلوباً من شاعر، فهل؟. أرى أن ما يشهده (السودان) الآن من تجارب مفارِقة في الكتابة، وأعني “الكِتَابَة”، هو انتصابةٌ لم يسبق له أن شهدها بهذه القوة وهذه الحيوية الدافقة والتي هي في ذروة انعقادها على جسد اللحظة والمكان تقترب من تلك (الزهرة المظلمة)، ويبقى أن تُحْدِث رعشتها الفاعلة وهو ما يُلزِمُها باستخدام الأدوات الممكنة كلها لتحصيل احتمالاتِ جِمَاحِها)*.


إن الكناني، فيما يبدو لي، قد بدأ مساره الشعري وهو يُعبِّر، بصدق وبشفافية عالية، عن (التفكك) والتشقق اللذين طالا بنى الحياة في جوانبها المختلفة، يفعل ذلك وكأنه لا يكتب إلا ليمحو، بالأحرى، يكتب بيدٍ ويمحو بأخرى، للحد الذي جعل قصيدته تسعى، السعي كله، أن تكون في (التجاوز) المستمر، تتجاوز نفسها باستمرار، فأصبحت عملية التجاوز هذه، هي التي تتحكم في منحى القول الشعري لديه. إذن، هي حساسية شعرية جديدة تهدف، من بين جملة أهدافها الإبداعية، لفتح الشعر على أراضيه المتاحة كلها، وعلى تخومه ومساربه، وتنفرد، وحدها ومن ذاتها، بآفاقها الرحيبة، باذخة بتجددها المستمر، مزهوةً ومجلوةً بصيغ تجددها، لكأنها وهي في هذا الموضع قد تحولت إلى سيرورة هدم لعمارة النص، فنياً وفكرياً، وهي إذ تفعل ذلك، لا تراهن على المعنى المباشر، بقدر ما تراهن على أثر الأثر، وأثر الفراشة الذي لا يُرى، على قول درويش. يقول الناقد المغربي محمد الديهاجي (إن ما يميزُ القصيدة عند شعراء الحساسية الجديدة، وهم بالمناسبة شعراء ارتادُوا طريق المُغامرة والمُخاطرة، بالمعنى النيتشوي؛ كونُها كتابة تنبثق عن ذات مُتشظّية، ذات ترفُضُ بشكل مطلق الامتثال لشكلٍ نمطيٍّ واحد، أو عمارة محدّدة سلفاً، وعطفاً، هي ذات جاحدة بكلّ تنميط أو تحنيط، ديدنُها الأبدي هو اللاثبات، حيث إنها لا تستقرُّ في شكل ثابت، دائمة التّجدُّد، عبر النبش والحفر في أراضي الشعر المُستباحة، بمعاول التجريب والتنقيب. وهذا البحث الأركيولوجي ليس عملية مؤقّتة، بل هو عملية دائمة ومستمرة، لأن الشاعر من هؤلاء لا يطمئنُّ إلى نتائجه وإنجازاته المؤقتّة، فالتخوم هنا مُشْرَعَة فقط على التخوم وهكذا…)*, يقول كناني في بعض شعره:
(كيف تغسل نفسك من الألم؟
-خذ قطعة من العذاب الذي في قلبك.. أذبها في فمك يخرج الشعر.
-بحمام دم.
-لا غرابةَ أن تحصي أنفاس الأشجار.
-اترك القلب للريح.
-اخلع اسمك وصفاتك وتعال عارياً لتصير عدماً لا تشغله الخفّة عن الوصول.
-لا نجاة في الآخَر ولا نجاة.
-اشرب الشجن صافياً.
-لا تنسَ، لا تأسَ، لا تَبُح.
-فأسك الحكمة.
-العاشق ليس خبرة، إنه معجزة تتحقق في خفقان الزمن.
-أثخن جراحك خوف اللقاء.
-علّق الرقّة في الغصون، وأشلاءك على النوافذ.
-تعلم البحر، الغرق، الرمق، تعلم الخلود.
-أنت النداء والمنادى.
-سيتحول جسدك إلى معبد.
-كيف تُهيل كلّ هذه النظرات على صخر معبودك ولا يتحوّل إلى موسيقى؟!)*.
هل احتاج هنا، أن أضئ كيف يتحول جسد المحبوب، أيا ما كان ذلك المحبوب، إلي (معبد)، وكيف تتحول تلك النظرات/ الإبتهالات، حين تصويبها إليه، إلي موسيقي، وكيف تكون ملامح العبارة في الحب الذي هو، أصلا، ملازما ورفيقا لهما معا، المحب والمحبوب، موضعا مزهرا في جسد القصيدة؟!
الشعر في رفقة الثورة، داعياً وداعماً للتغيير.

لعله من البدهي القول أن الخروج الجريء إلى براحات التغيير يقع في المقام الأول على كاهل الشاعر، إليه وإلى وعيه وإدراكه لراهن الحساسية الجديدة التي ترافقه، فإذا كان الشاعر المعاصر يغامر ويمارس إبداعاً شعريَّاً في مواجهة واقع لا شعري! فعليه أن يحكم قبضته على زمام المغامرة وألا يسلمها هو زمام نفسه، وعليه أن يبحث عن التفرد والخصوصية التي هي عماد كل فنٍّ أصيل؛ دون أن يقع في براثن الإغراب والتكلف؛ مراعاة لحال القارئ وظروفه الثقافية والحضارية. وعلى القارئ نفسه ألا يؤثر الدعة والسكون في مواجهة النصوص، وعليه أن يدرك بطول ممارسة القراءة طرائق الشعراء في التعبير. والناقد كذلك مسئول، المسئولية كلها الفنية والأخلاقية، عن مواكبة إبداع الشاعر ورصد مغامراته والوقوف على ملامح تمرده، ثم يحاول فك شفرات نصوصه، وتبصير القارئ بمكنوناتها، وتبصير الشاعر بما يراه في إبداعه من شططٍ أو انحراف دون وصاية عليه، حتى تلتحم العري من جديد، وتتقارب وجهات النظر، وتنفرج أزمة الشعر الحداثي وتضيق الهوة بين مبدعيه ومتلقيه. وفقاً لهذا المنظور نفسه، يمكننا القول، إن الشعر، في راهننا الآن، يشتغل، بقدر كبير، على تنويعات عديدة هي في جوهر وعي الشاعر ورؤاه، في قصيدته نفسها، في جسدها، حشدٌ من الحيوات التي يموج بها أفق التنوع المثير، الذي لا مندوحة يرافق القصيدة في تحولاتها، وهو العديد الكثير، في وجهات جدّ عظيمة وعميقة، في الشكل والصور وفي المعاني ودلالاتها، وفي اللغة أيضاً. هو إذن، حالة شعرية تعيش تحولاتها المستمرة، صادرة عن وعيٍ شعريٍّ جديد، وبحساسية هي الأخرى جديدة، تتصاعد في دوراتها (الحلزونية) ولا تكف عن هذا الصعود المستمر إلى آفاقٍ تفيض عنها رؤيات، شكلية ولغوية، سوف تتجاوزها، هي نفسها، إلى تحولاتها المتصاعدة.
سبق أن قلنا إن الشعر يقوم بأهم الأدوار وأكثرها جدوى في حياتنا، وفي جوهر وجودنا نفسه، فتجعل العوالم جميعها أشدَّ قابليَّة للحياة. يقول حاتم في قصيدة (البنات) من كتابه (وردة آدم) السابق لأحداث الثورة والإعتصام، ما قبل العام 2017:
(البنات
متاهات
يَحتَرِقنَ بقطرةِ ماء
وبُطفئنني بحريق الدموع الكَسولَة.
البنات
حِيَلٌ ,ألاعيب محبوكةً بأصابع سريّةٍ
كيف ينجو المتيّم من ذاته حين ينجو؟
كيف يغرقُ في شبرِ بسمتها فيُحبُّ الحقيقة أكثر؟
البنات.. يلبَسنَ عُري المرايا
ويَمشين..
تنطبقُ السماء على الأرضِ
كم يكفي من الوقتِ لنسيانهنَّ؟
البناتُ صفات الإله على الأرض،
منحوتةٌ في بريق الشفاه الخجولة.
البنات الغزالات يَقتُلنَ صيَّادهنَّ
بنظرة.
البنات مجازات طفلٍ جريء
وكنايات مستقبلٍ لا يجيء
يا إلهي
كم مرةً متُّ بين يديهِنَّ وكم مرةً سأضيء)*

ويقول، في قصيدته اللاحقة (شهداء يبتسمون) أثناء الثورة في ديسمبر 2018م:
(لأنهم ينجون بالرصاص
ولأن الموت لا يقتلهم..)
وفيها أيضاً:
(وقد نزلت آيةٌ في ثوار الليل
وهم يُدحرجون الشمس
إلى سرير الفجر.
أساطير الصناعة/
يرقبون الموت كأنَّهم قنَّاصوه/
مهرجان الحياة/
حطّابو الأسئلة/
نجّارو الهتاف/
ولهم في الحياة ما لهم من أهوال.
—-
كمن يموتُ بلا عددٍ
بلا أصدقاء
أو حتى مُعزِّين
بلا قلبٍ
يموتُ لأجل الموت
دون أن تُبصره الحياة..
وقبل أن تلتقط جُثَّته أيدي المارَّة وهُتافاتهم
ابتسمَ في وجهك القاتل
وجهك المسيح قبل أن يرتفع
والصريع قبل أن يحتفل..)*

وتبقت لدي ملاحظتان، أرغب جدا في إيرادهما هنا، لكيما أختم بهما هذي الكتابة/ الإضاءة حول قصيدة الكناني. الأولي، أنني أزعم، أنه مما لا يضير القصيدة، ولا الشاعر نفسه، أن يكون، وهو بين يدي برهة الخلق الشعري، تحت تأثير (أجواء) قصائد شاعر كبير يحبه، ويحبها قصيدته، ثم يكون قد أتقن الكيفيات الفنية في التعامل مع أنساقها الإبداعية كلها ليجعل، من بعد، قصيدته تعبر عن نفسها هي برغم وجودها في تلك الأجواء، فتبدو قصيدته (متفردة) في تميزها عن تلك الأجواء نفسها. فالشاعر الحقيقي، المقتدر فنيا وشعريا، يستطيع بسهولة ويسر، تماما مثلما فعلها الكناني، أن يتجاوز مواضع الإعجاب تلك ليكون في صياغة مفردته الخاصة، ولكن، وهذا طبيعي، أن تظل ملازمة لإنماط الشفافية والرشاقة والغنائية والإيقاع المبتكر، أحدي ميزات شاعرنا الكناني. فقد كنت، شخصيا، قد رأيت العديد من تلك الأجواء(الدرويشية)* تحيط بجل قصائد ديوانه (وردة آدم)*. وكم سعدت، أيما سعادة، حين رأيت الكناني، قد أنفكت قصيدته تماما من ذلك (الأثر) الذي يكاد لا يري، وذهبت إلي حيث ينابع إبداعها هي بالذات، وإلي حيث الموضع الذي تقول قولها هي وحدها، ومنها، هي بالذات أيضا، تشرق وتزدهر منابع وجوه إبداعها.
والملاحظة الأخري، أن أعمال الكناني الشعرية قدرا ليس بالقليل في ولعه ب(الإيجاز)، والاقتصاد الكثير في اللغة، وفي التعابيرعلي التحديد، بدأ لي ذلك جليا في (وردة آدم)، ليس بسبب أن العبارة عنده (ضيقة) بمعني الإيجاز من ناحية، وعجز الألفاظ عن الوفاء بحق الرؤية الفسيحة من ناحية أخري، بل لأن الرؤية المتباينة إذ تتسع تعتمد لدي الكناني علي عبارات، وكلمات، تضيق وتقل باستمرار. لقد رأينا ذلك، مثلا، لدي أدونيس الذي كان مؤمنا بمقولة النفري الشهيرة القائلة(كلما أتسعت الرؤيا، ضاقت العبارة)، وليست صحيحة بالكلية تلك المقولة، فيقول مثلا:
(بكت المئذنة
حين جاء الغريب- اشتراها
وبني فوقها مدخنة)*.
أو حين يقول:
(هذا الوطن
زرع
والأيام جرادة)*.
ذلك مفهوم عند أدونيس، بسبب من يقينياته ببعض وجهات التصوف وب النفري بخاصة. ولكن هل مثل ذلك المنحي يمكن أن نجده لدي الكناني، لا، إلا في (وردة أدم) فيما أظن. يقول الكناني مثلا في بعض شعره:
(أنا صاحب البحر
والبحر أنثي
من فرط تأويله كدت أنثي)*.
أو:
(أنا حارس البحر
والبحر بيتي
أشيده بالكلام النشيد)*.
أو:
(تخلقني موجة وتغيب)*.
أو:
(مستتر في عدم الحديقة
تطل من رمادها الحقيقة
كأنني موت علي حافة
أهدي دمي لمن يري بريقه)*
أو:
(أدرني يا حبيبي
أنا كأسك الفارغة
اشربني لأمتلئ
بخمرك البالغة)*.
و… غيرها كثير كثير.وأجدني متجاوبا مع جبرا بما قال به حول ذلك (الإيجاز) لدي أدونيس المفتون بمقولة النفري:(الذي يحدث في النهاية هو أن (ضيق العبارة) لا يتصل بالضرورة باتساع الرؤية. فأدونيس عندما يفلح في التركيز والإيجاز يذهل القارئ بقدرته علي خلق الصور الفسيحة وما يتصل بها من قوي موحية بالمعاني)*. هذا بالضبط ما رأيته لدي الكناني، هذه القدرة المدهشة التي يولدها، ويفجرها لديك، تلك الصور الفساح برؤيتها في شمول واتساع شسوعها. وسنري، معا، تلك التحولات الهائلة في دوامات وعنفوان قصيدة الكناني.
وأيضا، لدي سؤال، ترى لم اختار محمد الصادق الحاج لكتابه اسم(كتاب آدم)، والكناني لكتابه ( وردة آدم)، ومن هو (آدم) عند كل منهما، وإلى ماذا يؤشر، وإلي أين؟، ولست أدري بعد على أي حال.
– نواصل –
هوامش:
——–
* حاتم الكناني، من صفحته بالفيسبوك21/12/2018م.
*(الشعر في زمن الحداثة،أين الأزمة؟)،محمد
متولي، موقع(إضاءات) الإكتروني 26/2/2017م.
* من حوار للشاعر محمد الصادق الحاج أجراه معه القاص عيسى الحلو لصالح الملف الثقافي لجريدة الرأي العام أبريل 2007م.
*(الحساسية الجديدة بالمغرب)، محمد الديهاجى، مجلة (مغرس) الإليكترونية- نشر في ملحق المساء14/10/2015م.
*من صفحة الشاعر حاتم الكناني بالفيسبوك3/2/2018م.
* نسبة إلى الشاعر محمود درويش.
* (المسرح والمرآيا)، أدونيس. منشورات دار الآداب بيروت1965/1967م.
* المصدر السابق.
* ديوان(وردة آدم)، حاتم الكناني، دار المصورات للنشر والطباعة والتوزيع/ الخرطوم 2017م.
* المسرح والمرآيا، أدونيس.مصدر سابق.
* الاقتباسات جميعها من ديوان (وردة آدم).

التعليقات مغلقة.