مقدمة لرؤية وجه الشعر في الثورة السودانية

6

جابر حسين

(إنجو بطينك يارفيق الضوءِ، والأشجار والأمطار والمعنى
الإلهي العظيم،
قد تمطر غيومُ الحُزن بعد غدٍ
ولكن لن تُسامحك الصبيات اللواتي،
أخذن وعداً منك بالبشرى،
نقياً أبيضاً
بلا كفٍ ملوثةٍ ولا قلبٍ أثيم)*.
-عثمان بشرى-
فيما بين الثورة والشعر، فتنة الرؤيا والحلم:

لا بد من كلمة، نظنها ضرورية ومهمة، قبل أن ندخل إلى عوالم بشرى وملازمتها للثورة، من قبل ومن بعد.فى الأزمان الثورية،حين تكون الثورة في واقع الجماهير، بين أيديها وفي معاشها اليومي وتجلياته كلها، تتسع وتتمدد، وتشرع تجرى تغييرات جوهرية في بنيات المجتمع بكل جوانبها وفى وجوهها كلها: السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وقتذاك، ومثلما حدث عندنا فى ثورة ديسمبر2018م، تمتد الآفاق، شاسعة وعالية، أمام القصيدة، فتصبح الحرية، كقيمة وكمفهوم، من ممكنات ومحركات القصيدة، فتتصالح مع ذاتها،مع كينونتها هى بالذات، وفي ذات اللحظة نفسها، تتصالح مع ما حولها من زخم الثورة ومسارها الواقعي في يوميات الجماهير. لكن، في واقع أمرها، تواجه القصيدة بأن ثمة وعورة في طريقها، توجد خطوات ملتبسة وألغاما مخبوءة لا يخلو منها أبدا طريقها ومسارها. ونلاحظ هنا، أن القصيدة حين تسعى في طلب الحرية أو تهتف بإسمها في الشوارع وفي الميادين أو في الاعتصام شيء، وأن تحقق الحرية في قصيدتها هو شيء آخر، أن تصفق قصيدة للثورة، أو حتى تباركها قبل اندلاعها أمر، وأن تكون القصيدة بذاتها ثورة مكتملة، نعني في حد ذاتها وكينونتها هي في ذاتها، أمر آخر. فالشاعر، كما نرى، يتوجب عليه، دائما، أن يراهن على أدواته هو، كشاعر معنى بالشعر وبقصيدته، أن يكون فى الموضع الذي يحافظ فيه، ويصون استقلالية الشعر. أن اختزال مفهوم حرية القصيدة في ملمح واحد أو عدة ملامح محدودة يخل بدرجة كبيرة بالتحرر (الفعلي) للقصيدة. فقصر التحرر والتغيير على المعارضة السياسية ورجم الطغاة وإلهاب عواطف الجماهير، من شأنه أن يجعل من القصيدة مانيفستو أو منشور جماهيري ثوري في تلك المرحلة من عمر الثورة حتى لحظة انتصارها حيث تكف القصيدة عن ذلك المسار، فتغدو إلى صيغها التي هي وجهها الشعري في صيرورة نموها وتقدمها إلى رحاب وبرهات أكثر تعبيرا عن المفاهيم الشعرية الملازمة للقصيدة الحديثة/قصيدة التغيير، وفي ذات الوقت، أن ربط القصيدة بالانفلات الديني ومجارات هلوسات السلفيين، يقود إلى طرح منشورات وأطروحات (تحريفية)، أشبه ما تكون بالعبث بالمعرفة والتاريخ والتقدم، تتنكب عبره القصيدة براحات المستقبل.أيضا، نلاحظ هنا، أن منح(البطولة) والجدوى في القصيدة للفعل الجنسي، البعيد عن قيمته الحقيقية وضرورته البهيجة في الحياة،فيجرى تناول ذلك الجنس، في صوره وتجليات الفجة المفتقرة للموضوعية والضرورة، ذلك من شأنه أن يربط القصيدة بحقل البورنوغرافيا، وقصر تحرر القصيدة وانطلاقها على(الإنحراف) اللغوي، و(الجموح) التخييلي الذي، لا شك، يفرغها من إطارها ومن ردائها الذي هو حليتها ومكمن جمالياتها. هذه(التصورات) وغيرها أضرت بشعرية القصيدة الجديدة/قصيدة الثورة والتغيير، برغم إنها ظواهر ولدت ونشأت من رحم الدعوة الجهيرة للثورة والحرية والتغيير. هكذا نستطيع أن نقول، إن على القصيدة أن تسعى فى طلب الحرية وتسجيل تجلياتها في سياق موضوعي، طبيعي وحيوي، وأن تكون، في ذات الوقت (مستقلة) تماما بشعريتها هي تمشي على الأرض، وتحلق عاليا عاليا ما شاء لها تحليقها فى الفضاء الرحيب بطاقة أدواتها وجمالياتها الفنية، ملامسة ومعايشة لواقعها، للواقع من حولها، الذي هو واقعها هي وإلى مستجدات ومتغيرات عصرها، في الموضع الذي قال به شيللر: (حلق بجسارة فوق عصرك/وليسطع ضوء المستقبل في مرآتك/ولو بشكل خافت).
يقول المساوي فى هذا المنحى: (في هذا السياق، مأمولٌ أن يراجع الشاعرُ ذاته من النّواحي جميعها، من كل اتجاه، الذات الفردية والجماعية والكونية والثقافية والطبيعية. في وقتٍ يستمرّ فيه سفح الدم السوري، (ونضيف فيما بعد فى السودان ولبنان والعراق وليبيا) والعربي بعامّة، على يدِ الطغيان السياسي والعسكري الباطش، كما على يد الأصوليات المسلّحة التي يمكن وصفها بأنها متكاملةٌ من حيث طبيعتها السياسية والدينية. ويجد الشاعر نفسه في مثل هذا المشهد/المأزق مطالبًا بأن يكون منسجمًا مع مفهوم الحرية بغضّ النظر عمّن يكون عدوًّا. وينبغي له أن يعبّر في رؤيته ومواقفه عن انحيازه للحرية سواء أكان من يسرقها هو نظامٌ استبدادي أم نظامٌ فكريّ ثقافي منغلقٌ. حتى إن الحرية بوصفها مفهومًا كبيرًا لا ينتظر وجود عدوّ مجسّد حتى يكتمل معناه، فالحرية ضرورة قائمة بذاتها وليست متعدية لشروط أخرى تبرهن عليها. وهنا يكمن خصبّ دلاليّ هائل للشعر ومخيلته أو علاقته الملموسة.
وفي أصل نظرة الشاعر للعالم تكمن تلك الطاقة المقدسة العاشقة للحرية، وباعتبار أن الدولة في تاريخنا العربيّ سرعان ما تصبحُ سلطةً، فعلى الشاعر دائمًا معارضة الدولة / السلطة، وكل اتفاق معها وانسجام وتصالح هو خيانةٌ لطبيعة الحالة وتعدٍّ على حدود الحرية. لا يمكن للشعر إلا أن يكون معارضًا، وينبغي التفريق بين معارضته وبين الشكل السياسي للمعارضة، فالشعرُ حتى لو كان ينطوي على موقف سياسي، لكنه يتحرر من لغة السياسة ومتطلباتها وتعبيراتها، ففي التقاء الشكلين قتلٌ للشعر الحقيقي. وهنا تحضر وظيفة الموهبة الفائقة للشاعر، هي ما يحصّن انزلاقه في الخطاب السياسيّ.)*..

شعرية قصيدة بشرى التي في الثورة، كيف هي؟
كنا، فيما سبق من هذه الكتابة، قد رأينا كيف هو وجه الشعر لدى بشرى، منذ وقت مبكر من إندلاع التظاهرات في حراك سبتمبر2013م، وفي ثورة ديسمبر2018م. ونستطيع أن نقول، باطمئنان كبير، إن شعر بشرى وأعماله كلها، كانت منذ مبتدأ أمرها، ظلت تبشر وتدعو للثورة والحرية والسلام والعدالة، تماما مثلما تجلت فى ثورة ديسمبر المجيدة. مكرسا كل وقته لأجلها، وعلى مسار سنوات عديدة مضت، وحتى الساعة، لم أعرف له شغلا ولاهما سوى اشتغاله بالشعر وهمومه التي فى وعيه ووجدانه الشفيف، يستدعيه، ويكون فيه، ليؤازره على حياته ووجوده.وكنا أيضا، قد رأينا كيف ظلت قصيدة بشرى مبشرة وداعية للثورة قبل وقوعها، بأسلوب شعري متفرد، بإدانتها قبح الواقع، وفضحها الإستبداد في تجلياته وتصوراته المشوهة، وعبر صراخها المستمر ضد الظلم والقهر والهوان.
ولكن، كيف يرى بشرى السياسي الذي يتبدى في الشعر؟
يقول بشرى: (ليس هناك شعر سياسي بالمعنى الدقيق، وما نسمعه إبان فترات الكبت، والقمع، والدكتاتوريات، من كلام مقفى، وموزون، تهتف به المنابر، والجامعات، والنوادي المناوئة لنظام الحكم القائم، ما ذلك إلا قصيد ونظم، الهدف منه تجاوز مرحلة معينة، أو تعرية أوضاع، أو تشريح أزمة آنية، ولا ينبغي علينا أن نقول عليه ذلك “شعر سياسي” وذاك “اجتماعي”، أو غيره من التصنيفات. فالشعر الحق هو سؤال الوجود، والذات، والما وراء، والأبد، وأي نص لا يطرح هذه الأسئلة، غير المجابة، لا يُعد عندي شعر. أمّا مسألة أن يخدم ذلك النوع أعلاه قضايا التغيير، فهذا حسب وعي الشارع،وحساسية تجاوبه معه)*.بهذا المجتزأ من حواره، يكون بشرى قد وضع قصيدته فى موضع الثورة،فى بلبالها الشعرى والميداني، مثلما يقول به عديد الشعراء الكبار:
في هذا المنحى أيضا، يرى الشاعر جمال الموساوي أنّ الشاعر العربي في هذه اللحظة المهمة من التاريخ في منطقتنا، يحتاج «إلى الإعلان عن موقف واضح من غير انزياحات لغوية ولا استعارات، من شأنها أن تجعل من البحث عن هذا الموقف بين السطور قضية قد تؤدي إلى التغطية على القضايا الأكبر التي يختلج بها الشارع في أكثر من يلد». وهو، بهذا الاعتبار، يرى «أن مهمة الشعر هي أن يتأمل ويطرح أسئلة حول الوجود، وما يحدث في المنطقة التي نعيش فيها جزء من هذا الوجود المحفوف بالمخاطر وبالآمال معا. تلك إذن مهمة الشعر، أما مهمة الشاعر فهي مختلفة، قليلا، فهو يعيش هذا الوجود بكل ما فيه، سلباً وإيجاباً، وبناء على ذلك مطلوب منه أن ينحاز إلى الجهة التي يراها الشعر المتأمل أفقا للقيم الإنسانية التي أضحت مكتسبات مشتركة بين البشر في الشرق والغرب معا. الشعر إذن لا يغير معجمه، لأنه في كل الحالات معجم يستمد عنفوانه من انتمائه لهذا الأفق. بمعنى آخر فما يتغير، أو ينبغي أن يتغير إنما هو تموقع الشاعر تجاه ما يقع». ثمّ يستنتج: «من هنا لا أرى أن على الشعر تقديم توصيف لما حدث ويحدث، تلك ليست مهمته. بل عليه أن يشرئب إلى المستقبل من خلال النظر عميقا بطرح المزيد من الأسئلة استشرافا لأجوبة تصنع شكلا لهذا المستقبل وتمنحه مضمونا يليق به وبالإنسان الذي لا يتوقف طموحه عند سقْفٍ محدّد».*
نقول أيضا، فى شأن موقف الشاعر وشعره بأزاء الثورة وقضاياها الجليلة التى هى مسار الشعب كله والوطن صوب الحرية والسلام والعدالة والديمقراطية، تلك القضايا التى أصبحت حلم شعوب الدنيا كلها، تنادى بها وتسعى، السعى كله، لتكون من أساسيات مطلوباتها في الحياة، والشعر هو، (التجلي)الواقعي/الخيالي لهذه القضايا ووجها مكرسا، بكامله، ليكون عنوانا وإشارة لها وراية. لقد تابعنا،كل قراء قصيدة بشرى، ذلك المنحى المهم فيها، ولم نره، على طول مساره الشعري والحياتي إلا في قلب هذه الرؤية، يعايشها ويعيش حياته في رفقتها، وذلك نعده، انتصارا باهرا لقصيدته ولنهجه الشعري نفسه.لكن،ما أصابني بغير قليل من الحيرة، هو ما قاله بصدد سؤال وجه له في نفس حواره المشار إليه، حين سألته فاتن على: (هل للمرأة صورة خاصة، في مشروعك الشعرى؟)*. رد عليها بشرى بقوله: (جميل هذا السؤال، جميع نصوصي السردية، والشعرية، هي سؤال مستمر عن المرأة، الوطن والمتخيلة. ولا أدري هل وجدتها في الواقع أم لا!. هنالك مشوار طويل سنجتازه كشعراء، حتى نحقق هذا الحلم الكوني المزعج، والذي من أجله صيغ هذا الوجود)*.صحيح ما قال به،فجميع نصوصه، الشعرية والسردية، هى فى حال السؤال المستمر عن المرأة، المرأة الحلم، والمرأة الوطن، بصيغ مختلفات ورؤيات بهيجات، يجعلها فى متن قصيدته وجواهرها، لكأنها هي، وحدها، الحياة، لكن الغريب أنه لا يدري هل وجدها في الواقع أم لا،كيف، وهي التي، في قصيدته، إحدى أهم جمالياتها وضوءها الذي ينيرها! ثم، هل ثمة إلتباس هنا،فهل هى،حقا، ذلك (الحلم الكونى المزعج)، مزعج أم مقلق ومحفز للإبداع؟ أليست هي نفسها، تلك المرأة التي قال عنها درويش يوما:
(يا أصدقائي
ما أطيب البنات،
مرة هي الحياة بدونهن
مرة هي الحياة).
وكم تمنيت على بشرى، أن يكون فى رده هذا الذي أوردناه، أن يكون في مثل موقف الشاعر الفرنسي التقدمي غيفيلك، الذي قال في إحدى قصائده: (أن المرأة لتلهمني أكثر مما تلهمني الإضرابات)، وتكون، عندها، إجابته منسجمة مع توجهات قصيدته (الحداثية التي هي في سيرها صوب التغيير) وهي تسعى لتكون في جديدها كل لحظاتها وفقا لرؤيا الشاعر وحساسيته الشعرية التي هي معنية، على طول مسارها، بالمرأة وشئونها المبسوطة على إيقاع الحياة وجدواها.
للنظر، معا، كيف رأى المرأة، الرؤية التي ظل وفيا لها على تغيير صيغها الإبداعية وتجلياتها في قصيدته، ونلاحظ أنه قد جعل للمعاني وللصور فيها لغة تناسبها، فاللغة، كما هو معلوم، تتغير وفقا للمعاني وللصور أيضا، أنها أيضا مبتكرة، بمقياس شعره نفسه، يقول في بعضها:
(قالولي : لا تبعد كتير
قرب تعال .. أحجز هنا
والعَمار إن دُرته , إتوخّى الأنا
دي النفوس خربانة لا تخربك تودر آآ جنا
و الأرض جيعانة , ما شبعت زنا
و الدقون سكرانة , بالرقعة الهنا
و الرقعة عارفة صنانها
مي سجمانة
ناس يلا السنة
ُفي ديجورهُ .. نورهُ بدوره
باسط كفه للمكفوف دنا
و أنا .. ما أنا ؟
في صفحة جناح الموت .. لقيتك
ما إندليتْ و جيتك
إترجيته يرحم
بهيبة جلاله .. و بي عظمة رضاه
و آه من صاحبي آه
الباهي الجميل
حين أشرق .. تعشرقصوتي مع نداه
قالّي : كمان شوية ! .. بكره الملتقى
و كانت الجرثومة أكبر من تحمل ذات هوينة
و مضة في الروح الملاك
و لاقيتك قوافل فوق خراب الطين شقا
إندلّي .. من دمعاتك اليابسات .. و هِلّي
زغردي
إتحلّي
و تجلّي
و كمّلي المشوار نقا
لسه باقي شويتين من هين و دَين
ساويهو , يسمو الملتقى
و لا تنوحي .. و لا تنوحي
و لا تلوحي)*…

سياحات بشرى الوجودية:
بشرى، ظل يسير فى بعضا من شعره، في ثنايا قصيدته، مرة ومرات، يعاني من جراحات الوجود، نعني وجوده هو، في مشوار حياته الشخصية، وفي حياته الشعرية، يخوض ذلك الغمار كله وحده، ليس ما يسنده ويدعمه وسط تلك الدوامات المرعبة إلا الشعر، لكنه، في كل معترك، يخرج منتصرا بشعره الذي أبدا لم يخذله، ولا فكر هو، للحظة،أن يتخلى عنه.بشرى يعي، لا شك، المعنى والفهم الصحيح للحداثة، الحداثة في تمظهراتها العديدة، وهي في صيغ التغير المستمرة، فقد تداولوا، ولا زالوا، مصطلحات (الحداثة/ما بعد الحداثة/ثم بعد ما بعد الحداثة/…)، لكن، الواقع العلمي للحساسية الشعرية يقول بغير ذلك، فكل صيغة تقول بها القصيدة اليوم، ستصير غيرها في الغد الذي يجيء بتصوراته وحساسيته الجديدة، يقول بولا:
(ليست هناك حداثة جاهزة وموجودة يمكن اتخاذها مثالا أو معيارا، لأنه ليس هناك حاضركامل وجاهز وموجود. فالحاضر إصطلاح وليس حقيقة، والحداثة كذلك.وكما أن الحاضر يتراكم باستمرار فى الماضي، فإن الحداثة تتراكم أيضا في الذاكرة)*.وفقا لهذا المنظور فقد ظل بشرى يخلق فى قصيدته، بعد كل تجربة وجودية، وبعد كل رؤيا وحساسية جديدتان، يجعلهما في قصيدة، وهكذا تغدو القصيدة عنده فى المغايرة وفي التغيير المستمر فى صورها ومعانيها ودلالاتها أيضا. العام 2015م عانى بشرى تلك التجربة، معايشها لخضمها ودواماتها،فى حياته الشخصية وفي قصيدته معا. في تلك الهنيهة من ذلك المخاض العسير، في نفس ذلك العام، وعلى امتداد فترات متصلات منه، كتب بشرى مطولته (العجيبة)،(رؤية البرزخ،…)، وهي التي جعلت العديدين يقولون بأن الشاعر قد عاش تجربة(صوفية)، وعلق البعض على شعره كله تلك الصفة، وهذا، في ظني، ابتسار وتجن على تجربته كلها، واختزال مخل للتجربة بكاملها. وتلك المطولة، أعدها نافذة أشرعها بشرى للتأمل والتفكرات في برهتها تلك، ليست من يقينياته على أية حال كما أظن. نود أن نضع القارئ في بعض رؤياه تلك، فنورد هذا المجتزأ منها، ولن نقول عنها شيئا، فالتجربة لا تزال في خاطرة القصيدة، ويصعب علينا أن نجد، الآن، (مسمى) أو توصيفا ما، لربما لم يكتمل، بعد، ميلادها، برغم علمنا أن ليس هناك أبدا قصيدة مكتملة، بل، دائما فى رحلة البحث الذي لا تكف عنه البتة صوب الاكتمال. يقول بشرى في بعضها:
(أنا ياحقلي
الذي لن يجف
ولن تكف عصافيره عن الشقشة والاتيان.
برغم كل هذا الحديد وصياغاته الأخرى والتي تحاصر فضاءاتنا الآدمية..فأنا ما زلت طفلا غبيا وصبيا ارعن ورجلا لا ينتبه إلى ذريته.. رجل لا تعدو أن تكون ذاكرته (نوعية) أو (نوقية). لا تتحرش بالحدث الا بعد زمان يفوت..بعد رحيل ومساسقة..
كتبت لك ذات بعيد..
يا أماني الفضاءات العنيدة.. المشرقة.. الهناك . يا أماني. وحيث أقحمت لوعتي فيك بما قاله محمد المكي إبراهيم ..كانت الأماني جزءا من الشعر الذي ابتدع شوقى فيك لاكتبك..كان أن قال: (ان الامانى إذ نشتهيها تعلقنا من سراويلنا فى الفراغ .)
وكنت عارفا بالذى يتلقفنى منك .ويتلفعنى من رياح واعاصير .
وكنت مراقبا جيدا وحصيفا للكناية فى بلاغة الجسد.
وللاستعارات كلها .
تلك التى حاولت فى قاموسها البسيط تقريب الحب إلى الشعر والشعر بالكارثة ..
كان ذلك بعيدا وعميقا .
امطرتينى حبا ..ما زال غروره يوشل أبدية الروح،فى تعليماتها الفاضحة ..
فما قاله العارف (أى شوق يسكن باللقاء لا يعول عليه)..هو الشوق نفسه ولا فرية فى ذلك .فهنا موضع الإتيان وهنالك موضع التأويل . وتلك مواضع للوهق الروحى فى البرزخ الأعلى للنفس .عندما يكتمل عندها المراد .
ولا مراد يكتمل ولا نفس تكبر ولا تصغر الا بالمماحكة والهباء ..
والآن.. ايتها الامانى..
لا يعوض ما فات .
ولا ولا ولا يفوت ما سوف يضمر فى الروح الي الأبد….ف..
الطين …. طين
الحشا..
والرفد——–انسانه..
في الغدوات والعشا
لا يضل إيمانه..
إنه الريل والرشا
والمدى زانه..
فرحة وانتشا)*.
وسنرى، فيما يأتي ملامح قصيدة بشرى في زمن ثورة ديسمبرالمجيدة وهي في رفقة حميمة لها.
-نواصل-
هوامش:
*أنجو بطينك:مجتزأ من قصيدة(خواص الخديعة)،نشرت بموقع سودانيزأونلاين بالنت فى6/3/2010م.
*حوار مع عثمان بشرى أجرته فاتن على،ونشرته مجلة(جيل جديد)الكترونية فى24/3/2017م.
*المصدر السابق.
*جمال الموساوى،من حوار معه وأخرين عبد اللطيف الورارى ونشرته مجلة(طنجة الأدبية) في27/6/2011م تحت عنوان: (الشعراء فى قلب الثورة، يحيون ربيعهم هذا العام وعيونهم في الأفق تقلب وجع البيادر والأسئلة الجريحة).
* المصدر السابق.
*(أيتها الهناك) لعثمان بشرى، لوحات شعرية رؤيوية كتبها أثناء عام2015م ونشرها على صفحته بالفيسبوك.
*(رؤية البرزخ،فيما تبقى من أثر لهذيانات الليل الأبيض)،نشرت فى سودانايل بتاريخ31/مايو/2018.
*عبد الله بولا، من كتاب(حوارات بولا)،سبق الإشارة إليه،ص(177).

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!