منبر جوبا.. في انتظار غودو غير المسلح

20

د.فراج الشيخ الفزاري
f.4u4f@hotmail.com
توجد في العالم نحو مائة حركة متمردة ترغب في الاستقلال وحكم مجتمعاتها، بعضها مسلح ويحارب الحكومة.. وبعضها اختار طريق الصلح والمفاوضات.. ومن هذه المائة حركة توجد عندنا منها في السودان عشرة حركات مسلحة على الأقل، أصلية أو منشقة عنها.
وظاهرة التمرد والحركات المسلحة قديمة منذ تمرد المدن الاغريقية على أثينا الكلاسيكية كما فعلت مدن، طروادة واسبرطة واسوس وغيرها. ولكن الظاهرة أصبحت، في العصر الحديث، أكثر تنظيما وتحديدا في المطالب، وبعضها يسنده القانون الدولي عندما يرتبط التمرد بحقوق الإنسان والعنصرية والكراهية وتجارة البشر.
وبعض هذه الحركات الانفصالية أصبحت عالمية من حيث القوة والدعاية والمساندة الإقليمية وتتناول أخبارها وكالات الأنباء رغم دمويتها أحيانا وخروجها عن جادة الطريق.
فنحن نسمع منذ عقود عن حركة كاتالونيا ( مثلا) وسعيها للانفصال عن إسبانيا.. وجبهة البوليساريو وحروبها من أجل إقامة دولة مستقلة في الصحراء بين المغرب وموريتانيا والجزائر.. وحركة عبدالله قولو في كردستان وتمردها على تركيا، وعرب الأهواز في حربهم الانفصالية مع إيران.. وكذلك جزيرة كورسيكا التي تطالب باستقلالها عن فرنسا وحركة الاستقلال الاسكتلندي التي تريد الانفصال عن بريطانيا. وهكذا العالم قديمه وحديثه . غربه وشرقه، متقدما كان او متأخرا.. والسودان بالطبع لن يكون استثنائيا فهو مؤهلا لقيام تلك الحركات المتمردة بحكم التركيبة السكانية والتنوع الثقافي والقبلي وسؤ النظام السياسي غير المستقر الذي تعاقب على حكم البلاد خلال فترة ما بعد الاستقلال.
الحكومة السودانية للفترة الانتقالية، ومنذ نهاية العام الماضي قد دخلت في مفاوضاتها مع تلك الحركات المسلحة كما تجري حاليا على (منبر جوبا) .. وهو ليس المنبر الأول ولن يكون الأخير.. فهذه الحركات كانت قد دخلت في هذا السياق والسباق مع حكومة الإنقاذ وما قبل الإنقاذ متنقلة بالحوار بين عواصم الدول في القاهرة وباريس وبرلين وأسمرا وأديس أبابا وأخيرا منبر جوبا عاصمة دولة جنوب السودان.
وكما فقد الكاتب المسرحي الايرلندي الشهير (صمويل بيكيت) الأمل في مسرحيته المعروفة (في انتظار غودو) في وصول الشخص الذي ينتظره بطلا المسرحية.. فإن معظم السودانيين، وأنا منهم، تفقد الأمل في نجاح هذه المفاوضات وفي عودة عودة ( غودو ) السوداني غير المسلح .. المواطن المسالم الذي يحب الخير لأهله ووطنه.
أقول ذلك وفي التحليلات العالمية عن الحركات المسلحة السودانية ما لا يبشر بالخير.. فمعظم هذه الحركات المسلحة، تفتقد وجود أبسط عناصر الكفاح المسلح لأصحاب القضية.. كما أنها تفتقد إلى وجود الرؤية السياسية في حال الحرب ومستحقات السلم إذا تحقق بانتفاء أسباب التمرد.. كذلك انعدام الكاريزما السياسية لقياداتها والوعي بالمتغيرات السياسية والاجتماعية في العالم أو حتى داخل الدولة او المنطقة التي تحارب من اجلها.. أضف إلى ذلك العنصر السلبي الذي يميز الحركات المسلحة في السودان دون غيرها وهي ظاهرة الانقسامات الانشقاقات في الحركة الواحدة.
وبعيدا عن كل التوجهات السياسية والقبلية والاثنية، يظل السؤال قائما عند كل الذين يراقبون ويتابعون مفاوضات (منبر جوبا) هو:
لقد كان الهدف المعلن والمشترك تقريبا بين كل تلك الحركات المسلحة هو إسقاط النظام الساب.. و هذا ما حدث بثورة شعبية عارمة شاركت فيها كل جموع الشعب السوداني بما فيها تلك الحركات المسلحة وبالتالي هي جزء من النظام الجديد بشكل أو آخر..
وبالتالي يصبح السؤال: من يحارب من؟ ومن يصالح من ؟ ومن يفاوض من؟ ومن يطالب بحقوقه ومن .. من؟
كلها أسئلة مشروعة ومتوقعة في مسرح العبث. ولكنها.. لن تقنع أحدا بأن يستمر الصراع في أي بقعة من ارض السودان.. وتحت أي ذريعة كانت.. فقد أصبح الشعب السوداني كله شريكا ومسؤولا عن تحقيق الأمن والاستقرار ولن ينتظر طويلا فقد لا يأتي جودو الذي نريده إن لم تعدل الحركات المسلحة في رؤيتها واستراتيجياتها واقتناعها بمستحقات السلام..

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!