من بحر أبيض إلى كردفان الغرة رحلة.. في عيون عازة والخليل

8


د.خالد مريود
Khallidmariod@gmail.com

أكتبُ هذه كبحر من الصفاء الخالد لا يتغير ولا يتبدل وما بين كردفان وبحر أبيض روحٌ وريحان.. ونسجٌ ووشائج تتمدد ونهرٌ من الصفاء الدافق يغمر تلك السهول والبطاح و القيزان والدناكيج من القطينة ونعيمة وود الزاكى والكوة، والكنوز، والشوال، جنوباً..
إلى تندلتي، غرباً لتُطلَّ علينا قرية نسيم الصفا، بسحرها وجمالها وأم كويكا، بروعتها وخطُّ السكة الحديد يشقُّ رباها الخضراء الخلابة.. النقيعة، العلقة، أم هجيليجة، حسن المبارك، سليمة، المصوَّرة، ودعشانا، الدفينة بواديها الجاري والخضرة تحفه من كل جانب.. الحريزية، نفحات، ابوالقاسم، الجعفرية، الغبشة، أبوعوَّة القاضي، بلحات، مختار، الخميساب، ام خيرين جادالله، أم خيرين ودالزاكي، أم خيرين آدم، وعبد القوي، الجوغان.
وتلوح علينا من بعيد أم *روابة* المدينة الجميلة يهلُّ هلالها.
وأم روابة من المدن السودانية باذخة الجمال تتوهط على تلّ رملي فسيح تكسوها الخضرة وقبل أن ندخلها يشير سائق العربة التي تقلنا نحو (اريل) أم روابة الذي هو عبارة عن برج اتصالات حديدي يوصف بأنه أطول أبراج السودان وأمتنها على الإطلاق ظل صامدا وشامخا لسنين طوال حتى أصبح علماً من معالم تلك المدينة الساحرة.
ونغادر أم روابة والشمس تتوسط كبد السماء تحجبها عنا وأشعتها سحبٌ داكنة تنفحنا بنسيمٍ عليل لتستقبلنا قرية(الدروته)، وهي من قرى كردفان الجميلة التي شاهدتها على الطريق الرابط بين كوستي والأبيض عروس الرمال.
ومنها إلى قرية أم زوغي، وحمرة القوز، وأم دباكر، والاضيات الشرقية، والأضيات الغربية، لنحطَّ رحالنا في *الله كريم* والله كريم ليست قهوة في قرية وإنما لوحة من الجمال تجلى البديع في رسمها وكل من عبر تلك الفيافي البعيدة يعرف من هي الله كريم وندخل إلى (السميح) القرية المدينة وجبل الدائر يزينها بأوديته الدافقة لتزداد جمالاً على جمالها.. وأهل السميح طيبون كرماء غاية الكرم وغير بعيد من السميح خلاوى ومسيد الشيخ “عبد الله يوسف القرشي” تقاقيب القرآن في ناحية.. أهل الذكر والفكر والتقى والصلاح.. وحين تنظر إلى قطاطي المسيد وهي تتوسط تلك القيزان بخضرتها الداكنة ورمال الذهبية الناعمة يخال إليك وكأنها فُرشاً من السندس بسطت ونقشت عليها تلك الشعاب والأعواد اليابسة المتقوسة المكسوة بقصب الدخن اليابس.
وخلف ذاك السهل قرية (الدقاق) وحين تمعنها نظراً كأنها قد توارت منك خجلاً وثقرها الباسم كقمرٍ بين خليلات نفافيجها وصرفانها المترامية.
قرية التبلدية، والوندي، والأزيرقاب، قرى تناثرت كحبيبات العقد النضيد تزيد من جمال هذا الوطن الفسيح الذي نجهل مضاربه وقراهُ البعيدة وفيافيه.
والشمس مائلة نحو المغيب نصلُ مدينة *الرهد أبو دكنة المسكين ماسكنه* واحدة من أجمل وأروع مدن السودان ذائعة الصيت ولأول مرة تصحح لي هذه التسمية من الحاجة (حواء) صاحبة القهوة التي نزلنا عندها.. وبينما كنت ارتشف كوباً من القهوة (المدنكلة).. سألتها يا حاجة “لي سميتو (الرهد).. بالرهد أبودكنة المسكين ما سكنه..؟” فردت علي: الصحيح هو ياولدى (الرهد أبو دكنة للمسكين مسكنه).. أي أنها سكن للمسكين وأي زول زمان مسكين كان بجي بسكن الرهد لما فيها من الخيرات والجود والكرم وقد تعجَّبتُ من حصافتها ودقة معلوماتها.

*غدا بمشيئة الله نُكمل*

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!