من ياسر عرمان إلى كل الناس العاديين

2

(كان يوما من أيام الضباب وذكريات الأوقات القديمة، وكنت وحدي وكان قلبي يتبعني مثل كلب كبير، واختفت تلك الفتاة عند ناصية طوبيكا، ولم أرها مرة أخرى، وذهبت لبعض الموتى الذين هم في الأصل اصدقائي) إن لم تخني الذاكرة فان تلك هي جزء من قصة قصيرة لوليم سارويان، كان يحفظها صديقنا أحمد شريف الأخ الأصغر لعزيزنا محجوب شريف عن ظهر قلب، وحفظناها معه عند مطلع فجر الثمانينيات مثلما حفظنا طلع البدر علينا من ثنيات الوداع، وجب الشكر علينا ما دعا لله داع، فإيماننا بالسودان مثل إيماننا بالله لايتزعزع.
حينما كنت أمتطي الطريق صباح هذا اليوم الثاني من ديسمبر 2018م هرول نحوي بائع متجول لازالت ذاكرته مشبعة بالحنين للناس والأرض في الخرطوم، قال لي وعني كلمات طيبات (والخير خير وإن طال الزمان به)، وبلادنا أجمل حديقة أودعناها حبنا من نمولي إلى جبل البركل المقدس، وعند آلهة المعرفة ابدماك، وإلى طيبة ومصر القديمة.
لا نفرق بين أحد من شهدائها، ولا يزال عبيد حاج الأمين يرقد مطمئنا في مدينة واو، ولا زال عبدالفضيل الماظ يسبح في مياه النهر التي ارتوت من دمه، وفي 27 نوفمبر الاسبوع الماضي مضت (94) عاما على معركة النهر الثانية، المعركة الوحيدة التي جرت في وسط الخرطوم طول عهد الاستعمار البريطاني، هزم غردون باشا الصين ورجالها الشجعان وارضها الطيبة، ورد السودانيون الجميل للصين في الخرطوم، تحت رايات ذاك الفتى المهدي الإمام، وجاء عبدالفضيل الماظ طفلا حملته امه مع الجيش الغازي ورد لنا الجميل عبدالفضيل، وقاد معركة النهر الثانية وكان عريسها بالحنة والجرتق والضريرة وتوجناه زعيما لكافة شهداء بلادنا وعمره لم بتجاوز (28) عاما.
الشاب الذي التقاني في الطريق (اتيان اتيم) سألته إن كان له هاتف حتى أرسل له هذه الصورة، أجابني بلا، والهامش لايزال يمضي في الطرقات، وهانذا ان استطعت سبيلا انشر صورته في صفحتي في الفيسبوك لعل بعض أصدقائه يعثرون عليه في زحمة الحياة وغبار الطرقات.
إلى كل الناس العاديين الذين التقيتهم في طرقات المدينة وكد الحياة هذه الايام، وهم يشدون على يدي بالمحبة حتى أمتلأت حبا وحنينا وشوقا لما يجمع هذه الارض ولايميز بين الناس، ان كل ما ضاع يرتجى وشجرة الأمل في (إتحاد سوداني) بين دولتين لكل واحدة علمها ورئيسها يعبر في ضفتيها عبدالفضيل الماظ ببطاقة دون حوجة لجواز سفر، ويعود بنجامين لوكي دون ان ينظر الي مطالبه (بعين الاعتبار)، ونشرب القهوة مع عبيد حاج الامين في احدى مقاهي واو، وشكري للذين من محبتهم يزدهر الامل.
مع كامل الود
للشهداء جميعا من سكان هذه الأرض الذين التقيتهم يوما وجها لوجه.
ياسر عرمان
2018.12.02م

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!