مواقف مع الشريف حسين الهندي

9

أحمد يوسف حمد:


بعد أن وقع الشريف حسين الهندي مع السيد بدرالدين مدثر الأمين العام لحزب البعث القطري وعضو القيادة القومية للحزب، تحالفاً حزبياً للتنسيق لعمل مشترك وبناء أساس لجبهة عريضة تشمل الجميع و تعمل لإسقاط النظام السوداني ومن ثم خلق بديل ديمقراطي، تم ذلك الاتفاق بعد انفضاض الجبهة الوطنية ودخول حزبي الأمة والأخوان المسلمين في مصالحة مع نميري، كان من المتوقع ضم الحزب الشيوعي لهذا التحالف وعقدت عدة إجتماعات بين الشريف حسين وعزالدين علي عامر ممثل الحزب الشيوعي في الخارج وتم تنسيق لبعض المواقف ولكنها لم ترتقي الي التوقيع علي التحالف، والسبب ذلك هو بعض التحفظات والحساسية بين الشيوعيين والبعثيين، شمل إتفاق التحالف كثير من البنود لعمل مشترك بين الحزبين، مايهمني في هذا التحالف كان الجانب الطلابي، حيث إستطعنا أن نحصل علي منحة جامعية للحزب الاتحادي الديموقراطي لعدد مائة ١٠٠ طالب/طالبة سوداني/ة للدراسة المجانية بالجامعات العراقية،
كلفني الشريف حسين بمتابعة هذا الملف وأكد لي حرصه وإهتمامه بالاستفادة من هذه المنح ومحاولة اللحاق بالعام الدراسي القادم، كان لديه إيمان قاطع بأن الأمم تنهض بالعلم، وإن كل مشاكل العالم الثالث من تخلف وحروب أهلية وعنصرية سببها الجهل والأمية، من أجل ذلك لم يبخل علي تحقيق رغبة اي طالب للعلم، أنا شخصياً أشرفت علي دراسة عشرات الطلاب في إنجلترا وأمريكا كانوا يدرسون في أرقي الجامعات والمعاهد علي حسابه تماماً.
تم التنسيق مع الاتحاديين والمعارضة بالداخل لترشيح الطلاب وجمع الشهادات لتقديمها لمجلس القبول للجامعات العراقية.
في أجتماع مشترك مع الاستاذ شوقي ملاسي وبحضور الشريف حسين تم تكليفي بالذهاب الي السودان وعمل فرز للشهادات التي تم جمعها، أعطاني شوقي ملاسي نسخة من كتيب شروط القبول للجامعات العراقية، سافرت السودان وتم تجميع الشهادات بعد جهد جهيد وقمت بفرز أولي للشهادات حسب شروط الجامعات، كان عمل شاق أشبه بعمل مكتب القبول ، استبعدت عدد من الشهادات المقدمة لعدم توافقها مع الشروط مما اثار سخط أسر أصحابها ولكنني كنت صارم وملتزم بالشروط ولم استثني اي حالة، كان يعتقد البعض بأنها منحة سياسية لا تخضع لاي شرط لدرجة أن من بينهم شهادات لغير ناجحين .
وصلت بغداد وكان في إستقبالي “فاروق” أمين حزب البعث و “شيخون” أمين الطلاب في حزب البعث و”خليل” ، طبعا أخيراً إكتشفت أنها أسماء حركية، دخلت من صالة كبار الزوار ولم يختم جواز سفري بالمطار لدواعي أمنية، عقدنا عدة إجتماعات وتم عمل فرز آخر للشهادات واستفدت من خبراتهم السابقة في التنسيق مع مكتب القبول للجامعات ببغداد للسعي في قبول المتقدمين للجامعات العريقة كجامعة المستنصرية ببغداد وجامعة الموصل، بعدها قدمنا الشهادات لمكتب القبول والتنسيق للجامعات العراقية، توفقت في المهمة بحمد الله وتم توزيع وقبول كل الشهادات المقدمة للكليات والجامعات.
إستمرت المنح الدراسية من العراق لقبول طلاب جدد لأكثر من عام، و ازدادت أعداد الطلاب الاتحاديين في الجامعات، كان لهم نشاط حزبي وإجتماعي في المدن الجامعية.
إتصل بي عدد من الطلاب الإتحاديين من بغداد وكانوا يتذمرون ويشتكون من محاولة إستقطابهم لحزب البعث وتهديدهم بإسقاطهم في الامتحانات ، ويعنفونهم لعدم حضورهم فعاليات حزب البعث بالجامعات، إنزعجت بشدة وأخبرت الشريف بالوضع ، تحدث بعدها مع شوقي ملاسي في الأمر، إتصل شوقي بالحزب بالعراق واستوضح عن الموضوع وتم نفي الأمر تماماً ، تعاملت بحساسية مفرطة مع الموضوع خاصة كانت هنالك إتهامات من الحكومة السودانية وحلفائها بأن البعثيين إشتروا الشريف حسين وبعض الهطرقات، طلبت من الشريف سفري للعراق لمقابلة الطلاب والإستماع اليهم ومحاولة حل المشكلة ، أخطر الشريف شوقي ورتب الامر مع بغداد وسافرت، إستقبلني بالمطار مدير مكتب السيد بدرالدين مدثر، إتجه بي إلي منطقة عسكرية كاملة التحصين أشبة بالقيادة العسكرية، مررنا ببوابات متعددة نخضع للتفتيش كل مرة، إتضح لي بأننا ذاهبين الي مكتب بدرالدين مدثر، عضو القيادة القومية لحزب البعث العربي، ( القيادة القومية مكونة من قادة حزب البعث القطري في كل بلد عربي) فكان بدرالدين يمثل السودان في تلك القيادة، إستقبلني بترحاب شديد فهو تربي ويسكن في بري ، ويعرفني أسرياً، عمي الأمين عالم متزوج أخته المربية الأستاذة إنعام مدثر، كان وقتها يستعد للخروج من المكتب عائداً للمنزل، طلب من السائق الإنصراف، واصطحبني معه في السيارة التي قادها بنفسه، يفصل بيننا سلاح بين الكرسيين أعتقد أنه كلاشنكوف، في الطريق تحدث معي عن الموضوع وتركني استرسل في شكواي وخوفي علي مستقبل الطلاب وتهديدهم بالسقوط،و… و…
بهدوء طلب مني إبلاغ الشريف بأنهم في حزب البعث من الأفضل لهم “التحالف” مع العضو الإتحادي في الحزب ذو القاعدة العريضة بدل “إستقطابه” منفرداً ، ففي التحالف مع العضو الحزبي الاتحادي يضمنون الحزب كاملاً، وتلك تعليماتهم المشددة لكل القيادات الطلابية، وصلنا المنزل الذي لم يكن بعيداً من المكتب، سلمت علي أسرته وتناولت وجبة العشاء معهم ثم ذهبت الي الفندق، عقدت عدة إجتماعات مع الطلاب ووجدتهم في حالة إرتباك وإهتزاز نفسي، سببه الأساسي الغربة والصدمة من الجو الأمني والمراقبة التنظيمية والمضايقات التي يقوم بها بعض قيادات حزب البعث للطلاب، بعد عدة إجتماعات مع القيادات الطلابية البعثية تم تأمين أوضاعهم كإتحاديين مما بعث في نفوسهم الطمأنينة، بل أصبحوا مميزين ويعاملون معاملة إستثنائية حتي تخرجهم.
لم أري حزباً منظماً ومرتباً كحزب البعث، كل الاجتماعات مهما كان نوعها توثق بالتسجيل والكتابة ويتم طباعة محضر لها، لايمكن تجاوز التراتيبية في الحزب ،لديهم عقوبات صارمة للعضوية في حالات التجاوز تصل الي الاعدام.
في إحدي الزيارات كنت ضمن وفد الحزب للمشاركة في مؤتمر شعبي دعي له صدام حسين لخلق جبهة رفض شعبية من الدول العربية لرفض التحالفات الامبريالية والقواعد العسكرية في المنطقة العربية ، إلتقينا فيها بأسماء وقيادات عظيمة كصلاح الدين البيطار مؤسس حزب البعث العربي في سوريا، الذي حيانا في كلمته في المؤتمر وأكد علي أهمية السودان للعب دور كبير في افريقيا للترويج لرفض القواعد العسكرية، للأسف والحزن الشديد تم إغتياله بعدها في باريس. قدمنا كلمة التحالف الاتحادي البعثي ألقاها دكتور جلال وكانت جرئية في حضرة القادة العرب حيث أشرنا فيها ألي أن الطريق الصحيح للوصول إلى الغايات هو تحرير إرادة الشعوب العربية لتعبر عن مصالحها الحقيقية.
دعانا صدام حسين لحفل عشاء بقصره المؤمن تأمين خرافي، وحيانا فرداً فردا وكان يتجول بين المدعويين في صالة الاستقبال قبل الذهاب الي العشاء، تشعر بالكبرياء والخيلاء والهيبة في وقفته ومشيته ممسكاً بالسيجار بين أصابعه، يلازمه حارسه الأمني خطوة بخطوة.
لم يفارقنا خلال أيام المؤتمر الأصدقاء الصحفي كمال حسن بخيت والشاعر عثمان خالد، كانا وقتها مقيمان ويعملان في صحيفة الثورة بالعراق، إنفرد بي ذات يوم الشاعر الرقيق المهذب عثمان خالد وخرجنا من الفندق وفضلنا نتمشي في الشوارع، حكي لي عن معاناته وإحساسه بالخنق في بغداد، وكيف كان يموت يومياً وهو يكتب مضطراً ولا يستطيع إطلاق عنان قلمه، طلب مني إخطار الشريف حسين بأن يجد له مخرجاً من بغداد ويا حبذا لو طلب مجئيه للندن للتحرير بمجلة الدستور التي كانت تصدر من لندن وتم شرائها بإسم التحالف الاتحادي والبعثي ،عبر لي عن إعجابه الشديد بشخصية الشريف حسين وطلب مني كتمان الموضوع وسريته الشديدة خوفاً من تبعاته إذا عُرف الأمر. رحم الله الشاعر الرقيق عثمان خالد الذي خلدّ إسمه بأرق الأشعار..
“بتقولي لا” ..إلي مذهلة
وجاك المساء يأدي الفروض داعب شفايفك وغازلة
شال لون جميل من وجنتيك مسح خدوده وبللا
وكذلك قصيدته الخالدة “الي مسافرة”
يا قلــــــــــــــبى يا مكتول كمد
اعصــــر دمــــــــــوع هات غنوه لى سيد البلد
حليلو قال سايب البلد يا حليلو
حليلو كيفن يبتعد ياحليلو
وكيفن نسيبو يروح بعيد
فى رحلة مجهولة الامد

رحل عننا عثمان خالد فعلاً رحيلاً عاجلاً في رحلة مجهولة الامد، بعد صراع مرير مع الداء اللعين السرطان، اللهم أسكنه فسيح جناتك في عليين.

أشعر بي فخر وإعتزاز كلما أقابل أطباء، أخصائين، صيادلة ، بياطرة، مهندسين، زراعيين، كباتن طيران،وإعلاميين ممن درسوا بجامعات العراق، ذات التصنيف العالي من بين الجامعات العربية وسخرنا المولي لنكون سبباً في قبولهم. ولابد من التحية والتقدير للحكومة العراقية التي أتاحت لفلذات أكبادنا تلك الفرص، وأدعو بخالص الدعاء للشريف حسين ثاقب النظر والبصر والبصيرة علي جهده ونضاله وحرصه علي التعليم و الإرتقاء بشباب وطنه.
تستمر المواقف مع الشريف حسين الهندي.

وتلك رواية رمضانية أخرى

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!