مواقف مع الشريف حسين الهندي

3

 

يوم ٨ يناير ١٩٨٢ التاسعة صباحا رنّ جرس التلفون بالمنزل بالمنشية، رددت، كان المتحدث الصديق اللواء شرطة صلاح التجاني عامر ” صباح الخير، أحمد ، طيب كويس إنك في البيت، انتظرني سأمر عليك” استغربت من المكالمة المقتضبة وحضوره المبكر، وصل “سمير” وكان ذلك هو الاسم الحركي الذي كان يطلقه الشريف حسين على اللواء صلاح التجاني ، كان منزعجاً جداً وسألني عن تلك الاخبار المزعجة التي تتحدث عن مرض الشريف حسين في السعوديه والدخول في غيبوبة، طمأنته بأن الشريف بخير وفعلاً أصابته ذبحة بعد أن عاد إلى جدة من المدينة المنورة التي قضي فيها أيام أشبه بالخلوة يتلو فيها القرآن وينشد ويستمع إلى مديح المصطفي عليه أفضل الصلاة وإنه في فترة نقاهة الآن، لم أزد له عن ذلك، اطمأن وطلب مني المتابعة مع السعودية والاتصال به، يا سبحان الله أقام الشريف حسين ليلة روحية مع رفاقه ومجموعة من السودانيين بمدينة الهدي وتلي فيها من ذاكرته أبياتاً من “المولد” وهي سيرة نبوية خطها والده الشريف يوسف الهندي.
كان وقتها الاتحاديون في مؤتمر تنظيمي منعقد في أثينا باليونان ومتوقعين وصول الشريف في أي لحظة. لم أخبره بتلك المعلومة.
فجر يوم ١٠ يناير حوالي الساعة الثالثة صباحاً رن جرس تلفون طويل قمت منزعجاً ورددت على التلفون فكان المتحدث الأخ صديق الشريف إبراهيم الهندي، حياني ثم أردف لي بأن الموت حق والأمر جلل فإن عمك حسين توفي قبل ساعات في أثينا، تشاور مع أعمامك وسأعود عليك بمكالمة أخرى، لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، لم أصدق أذنيّ وطلبت منه إعادة الكلام، طلب مني الثبات وقبول أمر الله وإنا جميعا لله وإنا اليه راجعون، لم يمر عليّ أكلح وأسود من تلك اللحظات، هل رحل عننا الأب الرؤوف ، الرحيم، الكريم،المفكر، المبادر، المحرك والدينمو للعمل الحراكي والتنظيمي؟
من سينقذ السودان وينهض به من كبوته؟
ما مصير المعارضة؟
ماذا سيحدث للاتحاديين في المنافي؟
هل سأستطيع مواصلة حياتي كالآخرين في غيابه؟
وهو كان لي الدليل الهادي والمرشد والقدوة، دوامة من الاسئلة.
تذكرت حديث صديق وطلبه مني الثبات، ليتني أستطيع..

إن الحياة قصيدة أبياتها
أعمارنا والموت فيها القافية
صحيت الوالد والأخوة يوسف الشريف عبد الرحيم وصلاح المبارك من النوم وأخبرتهم الخبر الصاعقه ، بعد الإفاقة من الصدمة تشاورنا في الأمر وقررنا الذهاب إلى الخليفة الشريف الصديق الشريف يوسف الهندي الشقيق الأكبر للشريف حسين وشيخ السجادة الهندية، ذهبنا اليه أربعتنا في سرايا الهندي ببري وكانت الدنيا لازالت ظلام والمؤذن كان في طريقه للمسجد، عاد معنا إلى غرفة نوم الشريف الصديق وطلبنا من حواريه أن يصحوه لأمر هام جدا، دخلنا عليه وجلسنا حوله، ثم أخبرته بالخبر الجلل، رفع يديه قارئاً للفاتحة والدعاء ونحن جميعاً تبعناه رافعين أيدينا سائلين الله أن يرحمه ويغفر له ويلهمنا جميعاً الصبر والثبات، لم أر يقيناً وثباتاً وصبراً ووجهاً صبوحاً كوجه الشريف الصديق ، تلقّي الخبر وكأنه كان متوقعاً له خاصة وحضورنا في تلك الساعة الباكرة ، أصابني بعدوي الصبر والثبات، وبدأت أعيش الأمر الواقع وأتعامل معه، وثم ماذا من بعد، سألني من الجد أحمد خير فقلت له إنه في أثينا معهم، تشاورنا في الأمر فطلب مني إخطار الحكومة ومحاولة إحضار الجثمان لدفنه بالسودان بعد التشاور مع الجد أحمد خير.
عدنا المنزل واتصلت بالأخ صديق وأخبرته بحديث الشريف الصديق وأكد لي بأنهم و الجد احمد خير مع نقل الجثمان ودفنه بالسودان، بعدها اتصلت باللواء صلاح التجاني وأخبرته بالخبر لم يحتمل الخبر وخر باكياً في التلفون غير مصدقاً، أخرجته من موجة الحزن ونقلت له طلب الأسرة في إبلاغ الحكومة برغبتها في نقل الجثمان إلى  الخرطوم، وعدني بأنه سيتحرك فوراً للتباحث مع الجهات الرسمية ويرجع لي، توالت عليّ التلفونات من اليونان، بعد تجاوزهم الصدمة، تابعت معهم تفاصيل نقل الجثمان الي المستشفى والإعداد لتجهيزه، عاد اليْ اللواء صلاح التجاني بمكالمة وأخبرني بأنه سيأتي إليّ فوراً للذهاب معه لمقابلة اللواء عمر محمد الطيب رئيس جهاز الأمن والنائب الاول لرئيس الجمهورية حسب طلبه، في طريقنا الي مباني جهاز الأمن ونحن نمر بشارع بري رأينا الناس تتناثر ماشية تجاه السرايا، يبدو إن الاخبار تناقلت من أثينا إلى كل الاتجاهات، دخلنا جهاز الأمن وفتحت لنا كل الأبواب مع التحية العسكرية، يا سبحان الله،
هل هم نفس البشر الذين أدخلوني وأذلوني وهددوني قبلاً،!!
قابلنا مدير مكتب اللواء عمر محمد الطيب في الباب وكان متابعاً وصولنا مباني الجهاز وأدخلنا اليه مباشرة، قام اللواء عمر محمد الطيب من مكتبه وتقدم إليّ خطوات وقرأ معي الفاتحة ثم طلب مني الجلوس وجلس في الكرسي المقابل لي وطلب مني إبلاغه بالتفاصيل، أخبرته بالمكالمة ونقلت له رغبة شيخنا الشريف الصديق في نقل الجثمان ودفنه بالخرطوم، كرر بعض الاسئلة وكأن به شك عن الخبر، أجبته مرة أخرى، وأعدت له طلب الأسرة في نقل الجثمان، سألني أن كنت أعرف صلته بالشريف يوسف الهندي؟ وأنه جدته الشريفية شموم بالسروراب زوجة الشريف الكبير، ثم قال لي إذا الرئيس إبراهيم عبود قام بعمل مراسم رسمية لدفن السيد الصديق المهدي هل يقل الشريف حسين عن ذلك؟ وقرأ الاية”إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ “، بينما كان يتحدث كنت أقرأ قسمات وجهه وتعابير جسده، كان أمامي ثعلب كبير، يدّعِي الحزن، والفرح يملأ جوانحه، لقد رحل من كان يرعبهم ويزلزل الأرض تحت أرجلهم، داخل السودان وخارجه، أينما توجهوا وجدوا أثره، طلب من مدير مكتبه الاتصال بالرئيس النميري للتحدث معه، رد عليهم مدير مكتب الرئيس بأن الرئيس دخل الآن مع الرئيس التشادي حبري في مباحثات ثنائية، وحال خروجهم سيتصل بالنائب. قبل أن أخرج منه طلبت تأكيد عدم ممانعتهم وصول الجثمان، قال لي إذهب وأكملوا ترتيباتكم وأنا سأحضر لعزاء شيخنا الشريف الصديق والأسرة بالسرايا، أحسست لحظتها بأنه غير واثق من وعده بقبول إحضار الجثمان وكأنه ينتظر التأكيد من النميري.
رجعت للتلفون بالمنزل، وحاولت الاتصال بأثينا لإبلاغهم عدم ممانعة الحكومة حسب وعد اللواء عمر وأتابع معهم إجراءات تجهيز الجثمان وترحيله للسودان، عدت الي السرايا وتناوب أهل البيت المتابعة مع التلفون، أذاع المذياع الخبر وانهمرت الجموع الي السرايا ببري وكأنهم كانوا خلف بلف تم فتحه، الكل يعزي الكل، يتمازج عويل الرجال مع نحيب النساء، أتوا من كل فج، فيهم الراعي، المزارع، الموظف، الفني، المهندس، الطبيب، الجاهل والعالم، السياسي ورجل الأعمال، بإختصار كل فئات الشعب السوداني حتي الحكومة وأمنها كانوا موجودين، حوالي الساعة السابعة مساء جاءني عقيد في الأمن وأخبرني بأن اللواء عمر في الطريق لمقابلتكم، كان بالقرب مني الدكتور الشريف الأمين علي فأخبرته ودخلنا على الشريف الصديق وجاء داخلاً بعد دقائق اللواء عمر محمد الطيب.

وتلك رواية رمضانية أخرى
أحمد يوسف حمد

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!