مَنْ يُريد حجب شمس الانتخابات في السودان؟

8


إذا كانت الأخبار المخيفة التي تقول إنّ الشمس دخلت في سبات جزئي أخافتك وأشعرتك بالبرد، فأنت لست أفضل حالاً من ملايين السودانيين؛ الذين فاجأتهم التصريحات الخجلة عن احتمال تأجيل أو إلغاء انتخاباتهم التي تنتهي بها الفترة الانتقالية.

لا يفصلنا سوى عامين فقط؛ عن موعد الانتخابات المقبلة في السودان؛ حسب ما هو منصوص عليه في الوثيقة الدستورية المنظمة لأعمال الدولة السودانية؛ في مرحلة ما بعد التغيير، في الفصل الثاني المادة (٦) الفقرة (١) والتي حددت الفترة الانتقالية بتسعة وثلاثين شهراً، تجري انتخابات عامة في نهايتها. بيد أن أجواء الاستعداد لهذا الاستحقاق الانتخابي؛ والعرس الديمقراطي القادم غائبة، والمشهد يسوده سبات حزبي طويل، ومناخ سياسي مضطرب، ومظاهر ترحيب باهتة يكتنفها غموض كثيف.

تعتبر انتخابات ٢٠٢٢ أول انتخابات من نوعها ينظمها السودان بعد الثورة، وأوّل خطوة نحو الانتقال، لمرحلة “التحول الديمقراطي”، والسؤال الذي يطرح نفسه هل الحكومة الانتقالية جاهزة ومستعدة؛ لهذا الاستحقاق الانتخابي الجديد؟ وهل سيتم إجراؤه في الموعد المضروب؛ حيث الآجال التي حددتها الوثيقة الدستورية؟ أم هل ستنجح الأحزاب المعارضة لإجراء الانتخابات والمطالبة بتأجيلها؟ وما هي هذه الأحزاب الرافضة لإجراء الانتخابات داخل تحالف (ق ح ت)؟ والسؤال الأهم: ما هو الأثر الكارثي لاتجاه التأجيل، خارجيًا وداخليًا؟

في الوقت الذي بدأ فيه العد التنازلي تجاه موعد الانتخابات، بدأت أحزاب و”فصائل أحزاب”، تظهر مطالبةً بتأجيل الاستحقاق الانتخابي؛ وتعديل بعض اشتراطاته المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية؛ مثل المطالبة بالسماح لرموز وقيادات الحكومة الانتقالية بالترشيح في الانتخابات؛ فيما سيكون مخالفةً واضحة وصريحة لأهم بنود الوثيقة الدستورية (المادة ١٩)، وخرق فاضح وواضح لأهم الشروط الضامنة لنزاهة وعدالة العملية الانتخابية. وعلى الرغم من بيان خطل ذلك، إلا أنه ليس بالمستبعد، فالوثيقة الدستورية؛ في نسختها الأخيرة “عرضة للتغيير”، حسب التجربة، ولا يحتاج الأمر سوى أن يقترحه أحد الشجعان داخل مجلس السيادة ومعه مجلس الوزراء، فهما يشكلان معاً سلطة التشريع بالبلاد!

الأمر المحزن، أنّ استعدادات الأحزاب للانتخابات تراجعت وعادت بعيداً في الأولويات، وكأنها ليست خياراً مطروحاً، بل المضحك، أنّ حزباً كبيراً صار يستخدمها كفزاعة يخوّف بها الأحزاب الصغيرة، ولكنّه يضيف إليها “المبكرة”، وهم يقولون برأي فقهي واحد؛ الانتخابات المبكرة لا تجوز، ولا المتأخرة، وليس ذلك لأنّ المشاركين المتوقعين لم يبلغوا مبلغها بعد، ولكن ربما أنهم يخشون التزوير!

وحتى حينما جاءت “موضة” الطواف والتحشيد؛ كان الناس يستبشرون به خيراً، ولكنّه كان يتحوّل إلى أسماء تكتب في أوراق ترشيحات الولاة، والمسؤولين، ونصيب كل جماعة في وظائف الخدمة العامة، ولا أحد يسألهم، وماذا أبقينا للانتخابات لتحسمه؟

بالطبع هذا مفهوم، في تركيبتنا السياسية، ولكن الأخطر من كل ذلك هو غياب أي صوت حكومي ينبئ أو يشير إلى أن الانتخابات مدرجة ضمن أية أولويات؛ أو اهتمامات الحكومة الانتقالية، فغابت كلياً عن المصفوفة، ولم يصدر من جهة شركاء الحكم الثلاثة أي تصريح أو تلميح، لا من قريب ولا من بعيد عن ذكر شيء اسمه الانتخابات، اللهم إلا انتخابات تجمع المهنيين الأخيرة، التي انتهت بفوز جناحٍ، أدى إلى إرهاص انشقاق لهذا الجسم الذي كان محل انعقاد آمال شريحة عريضة من السودانيين، ولا زلنا مجبرين، ولو أنّ تجمع المهنيين أراد بالبلاد خيراً فليتوحد، وليهمس في أذن الحكومة الانتقالية، بلطف وأدب “انتقال إلى ماذا.. إلى الانتخابات”.

ومن المفارقات الغريبة أنه في حين سكت وصمت الجانب المدني عن تناول الانتخابات بالذكر تحدث عنها كل من رئيس مجلس السيادة الفريق أول البرهان، ونائبه الأول الفريق حميدتي، وتعهّدا بأن المؤسسة العسكرية سوف تتولى حماية الحكومة الانتقالية إلى نهاية فترتها المحددة بنوفمبر ٢٠٢٢، وأعلنا استعدادهما لتأمين الانتخابات القادمة وتمكين الشعب السوداني ليختار بإرادته الحرة حكومته المنتخبة.

وحسماً للجدل المتطاول بين دعاة الالتزام والاحترام لنصوص الوثيقة الدستورية ودعاة التأجيل والتسويف للانتخابات، مطلوب الآن تدخل مجلس السيادة لممارسة حقه الدستوري وفقاً لما جاء بالفصل الثاني عشر من الوثيقة الدستورية المادة (٣٨) الفقرة (٣) البند (د) التي نصت: {يعين مجلس السيادة رئيس وأعضاء مفوضية الانتخابات بالتشاور مع مجلس الوزراء}.

أكبر تحدٍّ ستواجهه الحكومة الانتقالية ومعها الشعب السوداني بأكمله هو تهيئة البلاد للعرس الانتخابي المقبل، باعتباره أهم مكتسبات الثورة، وأبرزها، وهذا يتطلب من الحكومة الانتقالية أن تقنع التحالف الحاكم (شركاء الحكم الثلاثة)، أو الحاضنة السياسية لها؛ بالاستجابة لتطبيق شروط التحول الديمقراطي الجاد والحقيقي بالبلاد؛ حتى يعبر السودان أولى عتبات الانتقال إلى الديمقراطية بسلام. ومن تحديات الانتقال نذكر أيضاً مدى قدرة الحكومة الانتقالية على تحويل الاستحقاق الانتخابي إلى فرصة سانحة لانطلاقة جديدة لثورة حقيقية تمكن السودان من القفز في طريق التحول الديمقراطي وتثبيت قيم الدولة المدنية وإنجاح المسار الديمقراطي، والوقوف سداً منيعاً ضد كل المحاولات الرامية للتشكيك في المسار الديمقراطي وجدواه. إنها فرصة رائعة لوزراء الحكومة ليذكرهم التاريخ كأبطال، لو نجحوا في هذا المسار.

يلاحظ المتتبع لمسيرة الحكم الوطني في السودان بدون عناء وجود تجارب انتقالية ناجحة في السودان؛ إذ مر في تاريخه بفترتين انتقاليتين في أعقاب ثورتين عظيمتين هما ثورة أكتوبر ٦٤ وانتفاضة أبريل ٨٥؛ وقامت الحكومات الانتقالية السابقة بالإشراف على العملية الانتخابية من بداياتها إلى نهاياتها، وتم نقل السلطة من الحكومات الانتقالية إلى الحكومة المختارة من البرلمان، والمشكلة من الأحزاب التي نالت الأغلبية، وجرى ذلك المشهد في سلاسة تامة، وحصد استحسان كل العالم.

يريد المواطن السوداني اليوم أن يرى من حكومته الانتقالية الراهنة؛ ما يؤكد جديتها في الوفاء بأهم وأكبر وأخطر استحقاق، ألا وهو الانتخابات القادمة، ويريد أن يطمئن لمدى جديتها مع هذه القضية، باعتبارها حقاً حصرياً للمواطن السوداني؛ ينبغي ترسيخه وتعزيزه وصيانته، خاصة بعد أن اثبتت التجارب الماثلة مدى الأضرار التي تسببت فيها حكومات قامت وحكمت على غير إرادة شعوبها.

إنه رغم اقتراب عام ٢٠٢٢ إلا أن القوانين المنظمة للانتخابات؛ والآليات الخاصة بإدارتها وتنقية قاعدة بيانات الناخبين، وغيرها من التدابير والإجراءات المتعلقة والمرتبطة بالعملية الانتخابية، لم يبدأ الشروع في تناولها بعد، ولم يبدأ حتى مجرد التواصل بين مكونات القوى السياسية السودانية لتأمين التوافقات المطلوبة لهذه الإجراءات، وبلا شك فإن عملية الاستعداد والتحضير للانتخابات هي قضية قومية، تهم الجميع وليست حكراً على مجموعة دون أخرى، ونجاحها يتطلب مشاركة الأحزاب والقوى السياسية كافة، وينبغي ألا تحتكر هندسة العملية الانتخابية بواسطة قوى سياسية معينة لتعيد انتخاب نخبها وتتعمد عزل الآخرين. صحيح أنه لا ديمقراطية بدون انتخابات ولا تعددية بدون أحزاب ولكن في ذات الوقت، فإن الانتخابات في حد ذاتها لا تمثل مؤشراً على وجود الديمقراطية، فقد تجري انتخابات دون أن تؤدي إلى ديمقراطية، والأمثلة على ذلك عديدة، وتبقى الانتخابات المزيفة لا علاقة لها بالديمقراطية وعليه فإن الانتقال يمكن أن يُفضي بالبلاد إلى تحول ديمقراطي حقيقي كما يمكن أن يقود إلى غير ذلك ولمعرفة النتيجة ما علينا إلا متابعة الكرة فهي الآن بملعب الحكومة الانتقالية.

لضمان نجاح الانتخابات القادمة يجب أن تتحرك مؤسسات الدولة والأحزاب؛ والقوى السياسية وتستعد من الآن وكأن الانتخابات غداً، وفي موعدها الدستوري، كون هذه العملية تتطلب جهداً ووقتاً واستعدادات لا يمكن الوفاء بها في فترة قصيرة، كما عليهم بذل كل الجهود لإنجاحها، وتذليل العقبات من طريقها. وهي المعركة الحقيقية التي ينبغي تكثيف الجهود لإنجاحها، وتوفير الأجواء السياسية والدستورية والوطنية، استعداداً لوضع لبنات التحول الديمقراطي وتطبيق شعار الثورة “حرية سلام وعدالة”، وبالطبع فإن نجاح الانتخابات هو السبيل الوحيد لإنهاء حالة الانقسام في الساحة السياسية السودانية، وطي صفحة سوداء من تاريخ الشعب السوداني، ووقوفه موحداً في مواجهة المؤامرات التي تحاك ضد البلاد وتستهدف وحدة ترابها وشعبها وسيادتها الوطنية.

مجمل القول إن تغيير المشهد السياسي السوداني بات ضرورة ملحة تجنباً لزيادة حالة الإحباط لدى الشارع السوداني وتحاشياً لزعزعة ثقته في الأحزاب والانتخابات. ومطلوب في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ السودان أن تتحرك المؤسسات المختلفة سريعاً للاستعداد للانتخابات المقبلة في البلاد وذلك لضمان إجراء عملية انتخابية ناجحة قائمة على إطار قانوني محكم ومتوازن بين الحقوق السياسية للمواطنين وواجباتهم، وفي ظل مناخ سياسي يعزز المشاركة والنزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص بين كل أطراف العملية الانتخابية ويرفع من وعى المواطنين بحقوقهم. ويعد ضرورياً إجراء حوار مجتمعي ونقاش عميق بين مختلف القوى والأحزاب السودانية لمعرفة آرائها ومقترحاتها بشأن قانون الانتخابات وقانون الأحزاب وغيرها من التشريعات المرتبطة بالعملية الانتخابية واضعين في الاعتبار أن معظم وغالبية أطراف العملية الانتخابية في السودان من أحزاب جديدة وأخرى في طور التشكل ومن ناخبين ليس لديهم سابق تجربة أو دراية بممارسة الانتخابات في العهود والأجواء الديمقراطية. وبعض هذه الأطراف يشارك لأول مرة في تاريخ حياته في هذا الاستحقاق بشكله الديمقراطي الجديد مما يتطلب البدء الفوري في تدريبها وتأهيلها.

من يريد حجب شمس الانتخابات في السودان؟ ولماذا يريد ذلك؟ وكيف يمكن فهم دوافعه؟ هذا لا يهم، المهم هو أن نبقى نتحدث عن الانتخابات في السودان ونبشر بها، ونطالب بأن تعود الأصوات العالية والخفيضة، إلى صناديق الاقتراع، ليتحدث كل أحد، بوزنه الحقيقي، لا أوهام التاريخ، ولا أساطير الحاضر. كل هذا سيعلمنا أن نمد الكف نحو الشمس للدفء.

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!