ناهد عبد العزيز .. عون المغلوب وقوت القلوب

5

( كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور )
صدق الله العظيم

والمرءُ لا يعيش ومهما عاش إلّا ليموتْ
وكلُّ صرخةٍ مصبُّ نهرِها السكوتْ

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته لا بد يوماً على آلةٍ حدباءَ محمول .. فالموت هو سنة الله في خلقه لا تحول بينهم وبينه البروج المشيدة ولا الحصون المنيعة.

كان يوم الأربعاء الخامس من رمضان ١٤٤١ – الموافق التاسع والعشرين من أبريل ٢٠٢٠ – يوماً خيّمت فيه الآلام والأحزان على أسرتي الصغيرة.
فمنذ منتصف ذلك اليوم اشتد الداء وتضاعف العناء بوتيرة متصاعدة على أخت روحي ورفيقة دربي لأكثر من ثلاثة عقود زوجتي المفضالة ناهد عبد العزيز .. رغم اشتداد المرض عليها، في ذلك اليوم الحزين، كانت حاضرة الذهن، لسانها يلهج بذكر الله ولم تتوقف عن مناجاة ربها بالشهادتين وصالح الدعاء .. وكانت ابنتها طبيبة الامتياز، أمنية عمر عثمان، تحوم حول سريرها ذات اليمين وذات الشمال .. تفحص صدرها وتتحسس قدميها ولا تغفل عن مراقبة نسبة الأوكسجين في جسمها وتحاول بكل مأؤتيت من علم الطبابة ومن عصارة قلب الإبنة المملوء بالحب والحنان أن تصدَّ الموت عن والدتها، لكنّ أجل الله إذا جاء لا يؤخر .. أغمضت ناهد عينيها وأسلمت الروح باريها ، فطوبي لها وحسن مأب .. عبرت جسر الرحيل الاخير ومضت إلى جوار ربها وتركتنا نمضي إلى فجيعتنا فيها وحزننا عليها وشوقنا إلى لقياها الحبيبة.

كانت ناهد عبد العزيز تطعم البائس الفقير في ظعنها وترحالها، وكان معيارها لعون القانع والمعتر هو الإنسانية ولا شئ غير الإنسانية .. كانت تتأسى وتذرف الدمع السخين لحال أولئك الذين لا مأوى لهم يفترشون الأرض ويلتحفون السماء .. كانت كهفاً للأيتام وأماً لهم، قادت منظمة “هاتين” لكفالة الايتام دون كلل أو ملل حتى بلغ عدد المكفولين بها الفين ومئتان يتيماً .. كانت تساهم في حفر الآبار للسقيا، وتوصيل شبكات المياه للمحتاجين في القرى والبوادي، وتأهيل المستشفيات، وطباعة المصحف الشريف وغير ذلك من أعمال البر الذي لا يبلى.
وكان أمرها في ذلك عجباً .. إذ ظلت تقدم ذلك بيمينها دون أن تعلم شمالها لدرجة أنها كانت تبيع حُلِيّها لتفعل ذلك .. والعجب أنني زوجها لم أكن أعلم بكثيرٍ من تلك الأعمال الجليلة حتى أخبرني مساعدوها في تلك الأعمال بعد رحيلها، حيث كتموا السر بناءً على وصيتها.

كانت ناهد صديقةً للقرآن الكريم مداومةً على تلاوته وتدبره وحريصةً على التخلق به .. كانت تقيم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل .. كانت تشجعني على الصلاة في المسجد في معية ابنائي منذ نعومة أظفارهم .. كانت شديدة البر بوالديها وذوي رحمها الأقربين والأبعدين وبجيرانها، وانتزعت لنفسها محبة كل من خالطها في مشوار حياتها إذ لم يكن قلبها يعرف غلاً ولا حسداً ولا بغضاً لأحدٍ من الناس .. كان قلباً مملوءاً بالحنان والصفح والعطف والحب غير المشروط للآخرين.

منذ أن ربطت بيننا الحياة الزوجية، وقبلها زمالة الدراسة الجامعية، لم أجد منها ما يسوء، بل ظلت تبذل الوسع وما فوق الوسع لتجعل بيتنا معموراً بالحب والمسرات وبكل معنىً جميل ونجحت في ذلك بامتيازٍ لا تكافؤه أية كلمات .. أحسنت تربية الأبناء عثمان وعمار وعمرو وأمنية وحملت عني كثيراً من عبء متابعتهم في مشاوير دراستهم حتى تخرجوا من جامعاتهم .. صبرت على انشغالي بالعمل العام ولم تتبرم من كثرة الزوار ولا من كثرة غيابي من البيت إلى أوقاتٍ متأخرة من الليل في اجتماعات العمل العام أو كثرة تسفاري لخارج السودان بسبب الهم العام.

ان فقدان الزوجة هو فقدان حياة بأكملها، وارتباك بوصلة الزوج في مساره وسبيل حياته .. برغم الحزن الذي يجتاح قلبي لا أقول إلا ما يرضي الله ورسوله، لكنني كلما لاح طيفها لا استطيع أن أحبس الدمع أسفاً على قلبها الشفيف وظلها الخفيف وروحها السمحة وخلقها النبيل .. عزائي أنها ذهبت إلى رحابٍ سنية عند ربٍّ غفورٍ رحيم، وأنها ستظل باقيةً بيننا بسيرتها الطيبة.

أسأل الله أن يشملها بالرحمة والمغفرة وأن يجعلها في سدرٍ مخضود وطلحٍ منضود وظلٍّ ممدود وماءٍ مسكوب وفاكهةٍ كثيرةٍ لا مقطوعةٍ ولا ممنوعة، وأن يجعل البركة في من تركتهم وراءها.

لايفوتني ان ازجي وافر الشكر وجزيل الامتنان لكل الذين واسونا في ذلك الفقد الجلل حضورا وهاتفيا ونعيا ، وأخص بالشكر زملاء الدراسة بالجامعات والمعاهد المغربية .. والشكر موصول لقيادات الجبهة الثورية بفصائلهم المختلفة ، وللاخ دكتور رياك ماشال نائب رئس دولة جنوب السودان والأخت دكتورة انجلينا تيني وزيرة الدفاع والاخ توت كلواك مستشار رئيس دولة جنوب السودان ورئيس لجنة وساطة مفاوضات سلام السودان ، ونائبه وزير الاستثمار الدكتور ديو ماطوك ، والشكر لقيادات القوي السياسية والإدارة الأهلية ومشائخ وخلفاء الطرق الصوفية ومنظمات المجتمع المدني بداخل السودان وخارجه ، والقيادات العسكرية بالقوات المسلحة والامتنان لقيادات الجبهة الوطنية للتغيير ورئيس وقيادات منبر النيل الأزرق .. والشكر والثناء لمعارفنا واصدقائنا من الإعلاميين ورجال الأعمال وأصحاب وكالات السفر والسياحة وأرحامنا وزملاء الفقيدة بمنظمة “هاتين” لكفالة الايتام بالسودان والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وكندا وكافة الدول الاوربية ، وزملاء أبنائها بالميادين العملية والطبية والمؤسسات التعليمية ، والشكر ممدود لأهلنا من ودالعباس بالعاصمة المثلثة ، الذين توافدوا الينا بحزن غائر في الوجدان للمشاركة في مواراة جثمان الفقيدة الثرى رغم الظروف الأمنية لجائحة كرونا .. والشكر الجزيل لكل الاسرة الكريمة والعشيرة والأهل بود العباس الذين أحسنوا تعزيتنا ومواساتنا.

“إنا لله وإنا إليه راجعون”

الخرطوم 22 مايو 2020

التعليقات مغلقة.

error: Content is protected !!